( عكرمة ذو الوجهين) : مولي ابن عباس، و أشهر الموالى

آحمد صبحي منصور في الجمعة ٢٣ - فبراير - ٢٠٢٤ ١٢:٠٠ صباحاً

 ( عكرمة ذو الوجهين) : مولي ابن عباس، وأشهر الموالى

أولا : عن الموالى :

1 ـ بدأ الحديث بالرواية الشفهية ، وبرز فيه الموالى .  

2 ـ فيما عدا صهيب ( الرومى ) وسلمان ( الفارسى ) كان الصحابة في عهد الرسول عليه السلام من العرب . ثم كان من التابعين نسبة كبيرة من الموالي، وأغلبهم كان رقيقا من سبى الفتوحات ، وجيء بهم للمدينة وخدم في بيوت الصحابة ، و إكتسب شهرة بعد موت أسيادهم الصحابة فصار من أعلام التابعين بروايتهم عن أسيادهم الصحابة . وبينما إشتغل العرب بالحروب فى الفتوحات وفى الحروب الأهلية فقد تفرّغ بعض الموالى للعلم الذى كان فى الرواية الشفهية ، ثم جاء عصر التدوين فى العصر العباسى  فتمت كتابة الأحاديث ونسبتها اليهم وغيرهم ثم رفعها الى النبى محمد عليه السلام ب ( العنعنة ) : ( حدثنا ، أخبرنا فلان عن فلان عن فلان..الخ ).

3 ـ عانى الموالى من الاضطهاد والتحقير فى العصر الأموى، فاحتاج بعضهم إلي تأكيد وجودهم في مجال آخر هو رواية الحديث الذى كان مجالا مفتوحا لتكافؤ الفرص أمام العرب والموالي علي السواء ، ويستطيع الموالي من خلاله أن يحرزوا مكانة اجتماعية مميزة ترفع مكانتهم ، لذلك تفوقوا فيه ، يحدوهم إلي ذلك دافع للطموح واثبات التفوق ، ويساعدهم علي ذلك سابق مجالسة ومعايشة لكبار الصحابة أمثال ابن عباس وابن عمر وأمهات المؤمنين وزيد بن ثابت، كما أننا لا نغفل أيضا أنهم كانوا يحملون في داخلهم ميراث حضارة لأقوامهم ساعدهم فى التفوق . يفسر نبوغ الموالي في رواية الحديث مبكرا في عصر التابعين برغم قلة عددهم بالنسبة للعرب . و كان الموالي يحملون الولاء لتلك الأسرة العربية التي أصبح تابعا لها ، ويقال عنه أنه " مولى فلان " ويصبح ذلك المولى منتسبا لتلك الأسرة بالولاء، ويأخذ معه اسما عربيا ، فإن ابن عباس كان يسمي عبيده أسماء العرب مثل عكرمة وسميع وكريب ، و بعضهم اتخذ من المدينة المنورة وطنا ينتمي إليه ويدافع عنه هو وأولاده مثل يزيد بن هرمز مولي آل أي ذباب من دوس ، وقد كان قائد الموالي في الدفاع عن المدينة في موقعة الحرة وكان ابنه عبدالله من فقهاء المدينة المعدودين .

4 ـ ونأخذ أمثلة علي ذلك من طبقات ابن سعد الذي ترجم للموالي من التابعين. يقول عن    حمران بن إبان أنه كان مولي لعثمان بن عفان وروى عن عثمان ، وكان عمير مولي لأم الفضل أم بني العباس وروى عنها وعن ابن عباس ، وكان كريب مولى عبد الله بن عباس وقد نسخ كتبا من علم ابن عباس.  وكان أبو معبد من موالي ابن عباس أيضا ، وقد روى عنه ، ويقال فيه إنه أصدق مولى لابن عباس.  وكان من موالي السيدة عائشة وروى عنها ذكوان وأبو يونس ، كما أن قييحة مولي أم سلمة رضي الله عنها قد روي عنها ، ومثله أيضا أبو ميمونة ، وكان عبد الرحمن بن افلح مولى لأبي أيوب الأنصاري وروى عنه ، وكان نافع مولى الزبير بن العوام وروى عنه ، وكان الجراح مولى لأم المؤمنين أم حبيبة وروى عنها.

5 ـ  وبعضهم لم يكتف بالنقل عن أسيادهم المنتسبين لهم بالولاء وإنما روى عن الآخرين ، وتلك ظاهرة عامة في تاريخ علماء الموالي من التابعين الذين كانوا يجمعون الحديث من كل الصحابة ويجدون المجال مفتوحا أمامهم لطلب العلم ( رواية الحديث ) والتفوق فيه مما يعطي ميزة حضارية في ذلك العصر المبكر يمكن أن نفخر به علي عصرنا الحديث ، حيث تقف أحيانا العقبات الاجتماعية في طريق بعض الطبقات الدنيا في مجال العلم والتفوق .

 ونأخذ أمثلة مما أورده ابن سعد في الطبقات ، إذ يذكر أن بسر بن سعيد كان مولي الحضرميين ولكنه روى عن سعد بن أبي وقاص وعبيد الله بن أنيس وزيد بن ثابت وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وعبيد الله الخولاني ، أما ابن ثوبان فقد روى عن الصحابة السابقين وعن ابن عباس وابن عمر ، وانقطع ابن مرجانة إلي علي بن الحسين بن علي ، وكان مقسم مولي لعبد الله بن الحارث ولكنه انقطع إلي ابن عباس حتي قيل له مولى ابن عباس ، وكان ابن افلح مولي لأبي أيوب الأنصاري ولكنه سمع من ابن عمر ، والأمثلة كثيرة .

6 ـ اشتهار الموالي برواية الحديث في المدينة

6 / 1 :  كانوا تلاميذ للصحابة ثم أصبحوا أساتذة لمن جاء بعدهم . وكان الزهري القرشى أشهرهم في الطبقة التالية ، وقد أخذ عن مجموعة من علماء الموالي من التابعين منهم أبو حسن البراد ، وابن دارة ، وعطاء وحرملة وآخرون ، ,كان عروة بن الزبير يطاول الزهري  شهرة وقد تتلمذ علي بعض الموالي مثل جمهان وروى سالم بن عبد الله بن عمر عن الجراح وهو أحد  الموالي.

  6 / 2 :  وقد وصف ابن سعد في طبقاته كثيرا من أولئك الموالي بأنه  ثقة كثير الحديث ، قال ذلك عن ابن أبي رافع وعن محمد بن عبدالرحمن وعن عبدالله بن رافع  مولي أم سلمة وعن سعيد بن يسار ونعيم بن عبدالله ، وقال عن سعيد بن مرجانه أنه كان له فضل في نفسه ورواية وإنه كان ثقة .

6 / 3 : وبعضهم جاء للمدينة ضمن السبي مثل ابن حنين ثم تفوق في رواية الحديث . وبعضهم زار المدينة ثم أحب العيش فيها مثل بسر بن سعيد.

 6 / 4 : وبعض الموالي خرج من المدينة إلي الأمصار ينشر فيها الحديث ، حيث تحلق حوله الطلبة ، مثل حمران بن إبان الذي نزح إلي البصرة ، ومثل أبي صالح السمان الذي روى عنه أهل المدينة ثم ذهب للكوفة فاسمع أهلها وكان إماما للصلاة لبني أسد، أما البهي فقد كان مولي للزبير بن العوام ثم نزل الكوفة فاشتهر  فيها وروى عن أهلها.

7 ـ علي أن بعض الموالي ـ وهم غير عرب ـ قد نبغوا في التدوين باللغة العربية ، وفي إجادة حفظ القرآن وترتيله حتي فاقوا أحيانا معاصريهم من العرب المسلمين . ويلاحظ ارتباط التدوين هنا بكتابة المصحف وآيات القرآن الكريم ، وقد كان زيد بن ثابت أشهر الصحابة في كتابة أو ( نسخ ) القرآن الكريم ، وكان له مولي اسمه وهيب كان كاتبا له يساعده في أواخر عمره في عصر التابعين . ويقول ابن سعد عن عمرو بن رافع أنه كتب مصحفا للسيدة حفصة أم المؤمنين .

8 ـ أما عن حفظهم للقرآن الكريم ونبوغهم فيه فيروي ابن سعد عنهم أن ذكوان مولي السيدة عائشة كان يؤم قريشا  فى الصلاة ، ويصلى خلفه عبد الرحمن بن أبي بكر لأنه كان اقرأهم للقرآن ..!!  ويقول أن أبا ميمونة مولي السيدة أم سلمة أم المؤمنين كان قاريء أهل المدينة في زمانه..!! أما أبو سفيان مولي بني جحش فقد كان يقرأ القرآن لبني عبد الأشهل  وهو عبد مملوك ، وكان يؤمهم في رمضان وفيهم صحابة معمرون كانوا قد شهدوا مع النبي عليه السلام بدرا والعقبة . وإن دل ذلك علي نبوغ الموالي في قراءة القرآن فإنه يدل أيضا علي سماحة بعض الصحابة وسمو أخلاقهم وإفساحهم الطريق لمن يحفظ القرآن ويحسن القراءة حتي لو كان عبدا مملوكا من الموالي . وذلك رقي حضاري تفتقده أحيانا حضارة القرن العشرين .

ثانيا : عن عكرمة اشهر الموالى :   

الوجه الإيجابى منه :

1 ـ  نبدأ بأقوال عكرمة عن نفسه :

1 / 1 : ( قرأ ابن عباس هذه الآية " لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا، فقال ابن عباس : لم أدر أنجا القوم أم هلكوا ، فما زلت أبين له حتي عرف أنهم نجوا فكسانى حُلّة..!!) .

1 / 2 : يروي عكرمة أنه ذهب معه إلي عرفات في الحج فقال له ابن عباس : هذا يوم من أيامك .

1 / 3 : قال : " إني لأخرج إلي السوق فاسمع الرجل يتكلم بالكلمة فينفتح لي خمسون بابا من العلم "

2 ـ إلا أن تزكية عكرمة بالتبحر في العلم جاءت من بعض تلامذته ، فيقول عنه سلام بن مسكين ،" وكان عكرمة من أعلم الناس بالتفسير " ويقول عنه جابر بن زيد " هذا عكرمة هذا مولي ابن عباس، هذا البحر فسلوه " وقالوا عنه " كان كثير الحديث والعلم بحرا من البحور ". وحين مات قالوا عنه " مات اليوم أفقه الناس ".  

3 ـ وكان عكرمة يكثر من إلقاء الدروس، وارتحل الى الشام والعراق وخراسان وسمرقند ، فقال عنه سعيد بن جبير: " لو كف عنهم عكرمة من حديثه لشدت إليه المطايا " أي لرحل الناس إليه في المدينة، وقال طاوس " لو أن مولي ابن عباس هذا اتقى الله وكف من حديثه لشدت إليه المطايا ". و يقول بعضهم " كنت أريد أن أرحل إلي عكرمة إلى أفق من الآفاق فوجدته في سوق البصرة "  وهو علي حمار فقيل له: هذا عكرمة، واجتمع الناس إليه ، فقمت إليه فما قدرت علي شيء أسأله عنه ، ذهبت المسائل مني ، فقمت إلي جنب حماره فجعل الناس يسألونه وأنا أحفظ".ويقول آخر " قدم علينا عكرمة فاجتمع الناس عليه حتي أصعدوه فوق ظهر بيت".

4 ـ ويروي ابن سعد أن ابن عباس مات دون أن يعتق عكرمة ، فباعه علي بن عبدالله بن عباس  إلي خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار ؟!! فراح علي إلى خالد وما زال به حتى رده وأعتقه !! ويمكن تفسير بقاء عكرمة عبدا حتي توفي ابن عباس بأن ابن عباس عاش الجزء الأخير من حياته ضريرا لا يري فاحتاج إلي صحبة عكرمة .

 5 ـ مات عكرمة في نفس  اليوم الذي مات في الشاعر كثير عزة ، وقد صلي الناس عليهما معا ودفنوهما معا في موضع واحد وقالوا : مات اليوم افقه الناس وأشعر الناس. ومات عكرمة سنة 105 هـ وهو في نحو الثمانين من عمره. 

عكرمة .. الوجه الآخر

1 ـ كان متهما بالكذب ، واشتهر ذلك حتى لقد دافع عن نفسه ، فقال : " هؤلاء الذين يكذبونني  من خلفي أفلا يكذبونني في وجهي ". قال عنه ابن سيرين "إنه كذاب". وقال عنه ابن أبى ذئب "رأيت عكرمة وكان غير ثقة". وقال عنه ابن سعد فى الطبقات الكبرى "ليس يحتج بحديثه، ويتكلم فيه الناس". وقال عنه سعيد بن جبير "إنكم لتحدثون عن عكرمة بأحاديث لو كنت عنده ما حدث بها". وقال عنه سعيد بن المسيب "لا ينتهى عبد ابن عباس حتى يلقى فى عنقه حبل ويطاف به" ، وكان سعيد بن المسيب يقول لمولاه (برد) لا تكذب على كما كذب عكرمة على ابن عباس. وكان ابن عمر يقول لمولاه نافع "لا تكذب على كما كذب عكرمة على ابن عباس. وبسبب كثرة أكاذيبه على ابن عباس بعد موت ابن عباس فإن على بن عبد الله ابن عباس جعل فى يديه وقدميه قيوداً وحبسه على باب الحش "دورة المياه" فسئل عن ذلك فقال: إن هذا الخبيث يكذب على أبى..!!.  

 2 ـ وكان يكذب للولاة فيعطونه . يقول موسي بن يسار " رأيت عكرمة جائيا من سمرقند وهو علي حمار تحته خرجان ، أجازه بذلك عامل سمرقند ومعه غلام ، وقيل له : ما جاء بك إلي هذه البلاد ؟ فقال الحاجة .  

3 ـ  عكرمة هو مؤلف حديث : ( من بدّل دينه فاقتلوه ). وقد ذكره البخارى .  ويقول ابن الصلاح فى كتابه "علوم الحديث : "احتج البخارى بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس" .

4 ـ كان عكرمة يكره الأرستقراطية العربية ويرى رأى الخوارج الذين لم يروا فارقاً بين العرب والموالى، ولم يشترطوا كون الخليفة من قريش . وروى ابن المدينى أن عكرمة كان أباضياً، ولكن ابن المدينى يضيف فيقول أن عكرمة أيضاً كان يرى رأى نجدة الحرورى . ويقول إبن   حنبل إن عكرمة كان يرى رأى الخوارج الصفرية، وأنه لم يدع موضعاً إلا خرج إليه فى خرسان والشام واليمن ومصر وأفريقيا، أى شمال أفريقيا، أى ذهب يدعو إلى مذهب الخوارج دون تعيين لفرقة خارجية معينة.ويقول يحيى بن بكير "إن عكرمة قدم مصر متجهاً إلى المغرب، فأخذ عنه خوارج المغرب. أى كان عكرمة فى تجواله فى الأقاليم يخدع الولاة ويدعى أنه يأتى لأخذ العطايا منهم . وبينما كان يحسن الظن به ولاة الأقاليم البعيدة فإن والى المدينة كان يعرف اتجاهه السياسى المناوئ للدولة الأموية، يقول مصعب الزبيرى "كان عكرمة يرى رأى الخوارج فطلبه والى المدينة فتغيب عند دار ابن الحصين حتى مات عنده"،  وقال معصب الزبيرى أيضاً أن عكرمة كان يدعى أن ابن عباس كان يرى رأى الخوارج.. أى نسب إلى ابن عباس بعد موته ما كان ابن عباس يرفضه فى حياته..ونلمح صدى أراء الخوارج فى أقوال عكرمة، روى ابن المدينى أن عكرمة وقف بباب المسجد فقال: ما فيه إلا كافر.".كما نلمح صدى عنف الخوارج وجرأتهم على الدماء فى قول عكرمة وقت الحج وقد ازدحم الناس حول الكعبة "وددت أن بيدى حربة فأقتل بها من شهد الموسم يميناً وشمالاً..".

اجمالي القراءات 1259