عن المؤرخ اليعقوبى واسطورة جمع القرآن

آحمد صبحي منصور في الخميس ٣١ - أغسطس - ٢٠٢٣ ١٢:٠٠ صباحاً

عن المؤرخ اليعقوبى واسطورة جمع القرآن :

مقدمة :

جاءتنى هذه الرسالة فأثارت مواجعا ، وأرد عليها بهذا المقال .

يقول ــ أكرمه الله جل وعلا ـ ( سلام  دكتور صبحي منصور ، لا شك أن معرفتك بالتاريخ والقرآن أكثر بكثير من معرفتي ، وقد تعلمت منك الكثير عن القرآن والتاريخ.لكن لدي وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظرك في العديد من القضايا المتعلقة بالقرآن والتاريخ ، مع  انى أحترمك كثيرًا . أعتقد أيضًا أن كل مقال في الكتب التاريخية ليس بالضرورة صحيحًا .

يجب فحص كل مادة تاريخية على حدة . لكن في رأيي ، يعتبر كتاب تاريخ اليعقوبي من أقدم الكتب التاريخية ، ونعم ، هناك بعض الأشياء التي لا أعتقد أنها صحيحة ، ولكن في رأيي ، هو كتاب تاريخي موثوق به وعادل نسبيًا.بعض الناس یقولون : احمد یعقوبی کان شیعي لكنني لم أسمع أن الكتاب الشيعة الأوائل مثل ابن شهر  آشوب وآخرون استشهدوا بتاريخ اليعقوبي. ربما أكون مخطئا أيضا . ولعلكم تعلمون بشكل أفضل هل أشار علماء الشيعة الأوائل إلى كتاب تاريخ اليعقوبي أم لا؟ . لكن مؤلف تاريخ يعقوبِی ، سواء كان شيعيًا أم سنّيًا ، أم لديه ديانة أخرى بشكل عام ، فقد كتب كتابًا تاريخيًا جيدًا إلى حد ما ومنصف ، حسب وجهة نظري.ما هي رائیکم في القضیة التاریخ الیعقوبي ومؤلفه؟. )

أقول :

أولا : عن كتاباتنا التاريخية

 1 ـ لنا كتب رائدة فى تاريخ علم التاريخ ومناهج المؤرخين وأُسس البحث التاريخى كانت مقررة على طلبة قسم التاريخ فى جامعة الأزهر عام 1984 : وهى ( أُسس البحث التاريخى ) ( البحث فى مصادر التاريخ الدينى : دراسة عملية ) ( التاريخ والمؤرخون : دراسة فى تاريخ علم التاريخ ) ( التاريخ والمؤرخون : مناهج المؤرخين ). ثم فيما بعد دراسة ضخمة  متخصصة فى مقدمة ابن خلدون ، وعن مؤرخى العصر المملوكى خصوصا المقريزى وابن حجر وأبى المحاسن والصيرفى وابن إياس . ومعظمها منشور فى موقعنا أهل القرآن .

2 ـ نؤكد دائما الفارق بين القصص القرآنى والروايات التاريخية ، وأن الرواية التاريخية إذا صحّت فهى حقيقة نسبية لأن الحقائق المطلقة هى فى : كتاب الأعمال لكل فرد والذى سيأتى به يوم القيامة ، والنُّصوص القرآنية فى القصص القرآنى . ما نفهمه منها يحتمل الخطأ والصواب .

3 ـ مبلغ علمنا أنه لم يسبقنا أحد من باحثى التاريخ فى هذا المجال ، لا من ناحية كثرة المؤلفات ولا من ناحية الجديد فيها .

ثانيا : عن اليعقوبى

1 ـ اليعقوبى من أوائل المؤرخين ، ويمكن أن نعتبره مؤرخا وجغرافيا ومن أوائل الرحالة ، ويظهر هذا فى وصفه للبلاد التى زارها من أقصى المشرق وحتى المغرب ، وقد مات فى مصر  عام  284 .

2 ـ فى تاريخه كتب اليعقوبى أساطيرعن تاريخ الأمم السابقة ، وهى عادة جرى عليها المؤرخون اللاحقون من الطبرى الى ابن الأثير وابن كثير ، وهو تاريخ مُتخم بالخرافات  . ولا نلومهم على هذا فهى ثقافة عصرهم ، ومعظمها تأثر بالعهد القديم وحكايات القُصّاص . ووصل اليعقوبى فى تأريخه الى عام 258 .

3 ـ الخطيئة الكبرى فى تاريخ اليعقوبى هى تلك الأسطورة التى إفتراها وسبق بها عن ( جمع القرآن ).

ثالثا : خطيئة اليعقوبى الكبرى فى نظرنا : أسطورة جمع وتدوين القرآن الكريم

 زعم اليعقوبى أنه :

1 ـ ( وقال عمر بن الخطاب لأبى بكر : ياخليفة رسول الله إن حملة القرآن قد قتل كثرهم يوم اليمامة فلو جمعت القرآن ، فانى أخاف عليه أن يذهب حملته . فقال أبو بكر : أفعل ما لم يفعله رسول الله ؟فلم يزل به عمر حت جمعه فكتبه فى صحف ، وكان مفترقا فى الجريد وغيرها ، وأجلس خمسة وعشرين رجلا من قريش وخمسين رجلا من الأنصار ، وقال : اكتبوا القرآن . واعرضوا على سعيد بن العاص ، فانه رجل فصيح . ). هل كان اليعقوبى حاضرا مع أبى بكر وعمر ؟

2 ـ (  ورى بعضهم أن على بن ابى طالب كان جمعه لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأتى به يحمله على جمل ، فقال : هذا القرآن قد جمعته ، وكان قد جزّأه سبعة أجزاء . فالجزء الأول ، البقرة وسورة يوسف والعنكبوت والروم و لقمان و حم السجدة ، والذاريات وهل أتى على الانسان ، وألم تنزيل السجدة والنازعات ، وإذا الشمس كورت ، وأذا السماء انفطرت ، وإذا السماء انشقت ، وسبح اسم ربك الأعلى / ولم يكن . فذلك جزء البقرة . ثمانمائة وست وثمانون آية ، وهو خمس عشرة سورة .الجزء الثانى : آل عمران وهود ، والحجر / والأحزاب ، والدخان والرحمن و الحاقة و سأل سائل ، وعبس و الشمس وضحاها ، وإنا أنزلناه ، وإذا زلزلت ، وويل لكل همزة ، وألم تر ، ولآيلاف قريش ، فذلك جزء آل عمران ، ثمانمائة وست وثمانون آية ، وهو ست عشرة سورة . الجزء الثالث : النساء والنحل والمؤمنون ويس ، وحم عسق ، والواقعة وتبارك الملك ، ويا ايها المدثر ، وارأيت ، وتبت ، وقل هو الله أحد ، والعصر والقارعة ، والسماء ذات البروج والتين والزيتون ، وطسم النمل . فذلك جزء النساء . ثمانمائة وست وثمانون آية  ، وهو ستة عشرة سورة . الجزء الرابع : المائدة ويونس ، ومريم ، وطسم الشعراء ، والزخرف ، والحجرات ، وق والقرآن المجيد ، واقتربت الساعة ، والممتحنة ، والسماء والطارق / ولا أقسم بهذا البلد ، وألم نشرح لك ، والعاديات ، وإنا أعطيناك الكوثر ، وقل يا أيها الكافرون . فذلك جزء المائدة ، ثمانمائة وست وثمانون آية ، وهو خمس عشرة سورة. الجزء الخامس : الأنعام ، وسبحان واقترب والفرقان وموسى وفرعون ، وحم المؤمن ، والمجادلة ، والحشر ، والجمعة ، والمنافقون ، و نون والقلم ، وإنا أرسلنا نوحا ، وقل أوحى الىّ ، والمرسلات ، والضحى ، والهاكم ، فذلك جزء الأنعام ، ثمانمائة وست وثماون آية ، وهو ست عشرة سورة. الجزء السادس : الأعراف ، وابراهيم والكهف والنور ، وص ، والزمر ، و الشريعة ، والذين كفروا ، والحديد ، والمزمل ، ولا أقسم بيوم القيامة ، وعم يتساءلون ، والغاشية ، والفجر ، والليل إذا يغشى ، وإذا جاء نصر الله ، فذلك جزء الأعراف ، ثمانمائة وست وثمانون آية ، وهو ست عشرة سورة. الجزء السابع : الأنفال وبراءة ، و طه ، والملائكة ، والصافات ، والأحقاف ، والفتح ، والطور ، والنجم ، والصف ، والتغابن ، والطلاق ، والمطففين ، والمعوذتات . فذلك جزء الأنفال ، ثمانمائة وست وثماون آية ، وهو حمسة عشر سورة . وقال بعضهم : إن عليا قال : نزل القرآن على أربعة أرباع ، ربع فينا وربع فى عدونا وربع أمثال ، وربع محكم ومتشابه . ). هل كان اليعقوبى شاهدا مع ( على بن ابى طالب ). وهو يقول ( ورى بعضهم أن على بن ابى طالب   ). من هو هذا ال ( بعضهم ) يا ايها اليعقوبى ؟ ثم هذا التقسيم للقرآن الكريم وسوره وآياته من أين جئت ؟ هناك الكثير من الأكاذيب فى الرواية ، ولن نضيع وقتا فى مناقشتها فلا تستحق ذلك .

رابعا : اليعقوبى إنفرد بزعم هذه الأسطورة .

1 ـ لا يوجد هذا فى :

1 / 1 : الطبقات الكبرى لابن سعد ، وابن سعد مولود عام 168 وتوفى عام 230 ) أى هو أقدم من اليعقوبى . ولم يذكر هذه الأسطورة عن جمع القرآن الكريم .

1 / 2 : تاريخ ( الأخبار الطوال ) لأبى حنيفة الدينورى ، وكان معاصرا لليعقوبى ومن نفس المنطقة  ، ومثله أيضا تنوعت مؤلفاته ، وكان تركيزه على الجزء الشرقى . وعاش الدينورى بين عامى 212 : 282 . وتوقف فى تاريخه حتى عام 227 . ولم يذكر هذه الأسطورة عن جمع القرآن الكريم .

1 / 3 : ( تاريخ الطبرى ) وهوعمدة كتب الحوليات التاريخية ، والطبرى مولود عام  224 ، وتوفى عام 310 . أى كان معاصرا لليعقوبى المتوفى عام 284 . ولم يذكر هذه الأسطورة عن جمع القرآن الكريم .  

1 / 4 : المسعودى ( 283 : 346 ) جاء لاحقا لليعقوبى ، وكان مثله جغرافيا ومؤرخا ومتهما بالتشيع .. وفى تاريخه ( مروج الذهب ) لم يذكر هذه الأسطورة عن جمع القرآن الكريم .  

1 / 5 : عبد الرحمن بن الجوزى (510 : 597 ) فى تاريخ المنتظم . لم يذكر هذه الأسطورة عن جمع القرآن الكريم .  

1 / 6 : ابن كثير (  701 : 774  ) فى تاريخه ( البداية والنهاية ). لم يذكر هذه الأسطورة عن جمع القرآن الكريم .  

 2 ـ : أورد البخارى هذه الأسطورة فى كتابه تحت عنوان (  قوله: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}. واحتفل بها السيوطى ( 849 : 911 ) فى كتابه ( الاتقان فى علوم القرآن ).

3 ـ وأصبحت عندهم من المعلوم من الدين بالضرورة ، وتلك جناية اليعقوبى الكبرى ، فهو الذى بدأ هذا الإفك . وقد كتبنا كثيرا فى ( علوم القرآن التى تطعن فى القرآن ) وفى أن النبى محمدا عليه السلام هو الذى كتب القرآن الكريم بيده .  

اجمالي القراءات 1905