المسلمون خصوم المسلمين، فكيف لنا أن نتحاور؟

محمد عبد المجيد في الأحد ١٢ - أغسطس - ٢٠٠٧ ١٢:٠٠ صباحاً

أوسلو في 17 ابريل 2007

هل من الواجب على المسلم أنْ ينتفض منافحا عن الإسلام في كل ساعة ولحظة وهنيهة، أم أن للدفاع أصولا وقواعد وآداب وسلوكيات ومنطق ومعلومات ولغة ومعرفة؟
الاجابة لا تحتاج للحدس هنا أو انتظارها، لكن الواقع يؤكد عكس ذلك تماما.
ينسى المسلم في غمرة الحماس الديني أن المعادلة من طرفين، أي أنه يدافع عن الاسلام، لكن الاسلام أيضا يدافع عنه.
مجموعة من التوجيهات والقواعد والأوامر الالهية والنبوية التي تُكَوّن هذا الدين ا&ن الحنيف، فإذا كانت هناك قناعة بالجزء الأعظم منا والباقي إيمان بالغيب فإن المسلم يكون هنا في دائرة الإيمان الكلي.
أما استحداث قواعد جديدة وفهم متراكم منذ مئات الأعوام، وآراء فقهاء وعلماء وآخرون، ثم خلط كل ذلك بفتاوى فجة ومذاهب شتى وآراء دراويش في الفهم الديني السقيم، فإننا هنا نصبح في مواجهة حالة مَرَضية ابتعدت كثيرا عن دين سليم وصحي ومقنع وسلس وميسر لأتباعه ولمن أراد التعرف عليه.
وكل الناس تتحدث في الدين من طلوع الفجر إلى غسق الليل، وتم الفصل التام بين الدين كسلوك قويم وبين الحياة اليومية التي لا يكترث لها المسلم الحديث إن تناقضت مع أبسط مباديء هذا الدين الحنيف.
الحوار الديني بين مُسْلٍمَيّنْ أضحى مرهقا إلى ابعد الحدود، فأنت في دائرة الشك ما دمت تطرح تساؤلاتك، وكل منا يمسك بيديه صكوك الغفران يوزعها على من يشاء، ويمنعها عمن لا يستريح له.
لا نختلف عن أن الوضع في عالمنا الاسلامي أكثر بؤسا وقحطا فكريا وسلوكا مشينا وضعفا سياسيا واجتماعيا وعلميا من معظم دول العالم.
لكن المسلم يقف حائرا هنا، فهو من ناحية مقتنع قناعة تامة أننا في أدنى درجات الضعف والخنوع، ومن ناحية أخرى يمارس التدين الظاهر وهو وضع علامة تعجب يتبعها شك وتنتهي بتكفير أو نصف تكفير لمن يخالفه أو ينتقد المسلمين أو يرفض بعض الفتاوى أو ينزع القداسة عن المؤسسة الدينية.
وهل يحتاج الأمر إلى دفاع؟
لا أظن, لكننا في أمس الحاجة إلى حوار عقلاني وموضوعي نعترف فيه بأخطائنا ولا يجرمننا شنآن قوم على أن لا نعدل.
المعارك الفكرية بين المسلمين أضعاف ما بينهم وبين خصومهم، بل الغريب أن القسوة والغلظة لا تظهران إلا في حالة الخصومة بين أتباع نفس الدين.
رغم أنني مسلم، واقوم بتأدية شعائر ديني كاملة، وأعتبر سلوكياتي الاسلامية في حدود القواعد التي وضعها الاسلام إلا أن الغريب أن طرحي لقضايا الضعف الاسلامي وانتقاداتي للتطرف والارهاب الفكري وسطوة المؤسسة الدينية وتوسعة نطاق الفتاوى الفجة جعل خصوم كتاباتي من الاسلاميين الجدد.
لو توقف الأمر عند هذا الحد لما تأثر كثيرا، ولكن ما يؤلمني ويؤسفني ويغمر قلبي بكل الأحزان أن الشتائم والسباب والألفاظ القبيحة والوقاحة اللغوية والكراهية المبطنة بكلمات تكاد تلمس التكفير تأتيني معظمها من اسلاميين ينتمي أكثرهم لفئة الشباب.
يدخلون المواقع والمنتديات كأنهم يرفعون السيوف، ويصلبون مخالفيهم، ويستخرجون من اللغة ألفاظا مفخخة، ويبحثون في ثنايا الموضوع عن جريمة الخلاف في الرأي، فكل ما يرونه ثوابت دينية.
قاموا بتأسيس دين جديد قائم على أقوال العلماء والفقهاء والسلف، وتلك هي الدلائل والقرائن على صحة اسلام المرء كما يظنون.
يعادون العقل، ويخاصمون حرية الاختلاف والخلاف، ولا يقبلون أن تكون حياة المسلم مكونة من مشاهد تبدأ من المهد وتنتهي باللحد.
عبد الكريم نبيل شاب كان في عداد الأطفال منذ سبع سنوات فقط ( قانونيا )، وبلغ السن القانوني للرشد منذ أربعة أعوام.
قرأ، وتمرد، واختلف، ووجد أن وضع حيرته على الورق وعلى النت في موضوعات سياسية ودينية تسمح له أن يطورها، ويعرف ضعفها وقوتها، ويعبر عما يجيش به فؤاده.
إنه مشهد واحد من حياة قد تكون طويلة أو قصيرة.
خالد محمد خالد طالبوا برقبته في أوائل الخمسينيات، لكنه أصبح صاحب رجال حول الرسول بعد أقل من ثلاثة عقود.
الدكتور طه حسين هو صاحب ( في الشعر الجاهلي ) الذي مازال الكثيرون يهيلون التراب عليه، لكنه مؤلف ( الفتنة الكبرى ) و ( على هامش السيرة ) وغيرها.
سيد قطب بدأ حياته الأدبية والفكرية وهو يشك في كل شيء حوله، أصبح المترجم العقلي والفكري للاخوان المسلمين بعدما أعيد فكرهم مودودياً من باكستان ليتم تعريبه ويصبح معالم على الطريق.
ولكن في الجانب الآخر قد يبدو المشهد الأول مناسبا للمؤمنين مثلما حدث مع عبد الله القصيمي ، وانتقلت رحلته عكس الدكتور مصطفى محمود، فالأول من الايمان إلى الشك والكفر ( محاكمة الإله)، والثاني من الشك إلى الايمان.
عباس عبد النور قضى ستين عاما من عمره مسلما تقيا، وإمام مسجد، وخطيبا رائعا، وكاتبا وشاعرا ومفسرا للقرآن الكريم، ثم نشر كتابه ( محنتي مع القرآن ) وكفر عندما بلغ الثمانين من عمره، وكتابه هو أخطر كتب الالحاد التي قرأتها في حياتي.
الحياة تسير، والزبد يذهب جفاء ويبقى في الأرض ما ينفع الناس. الحياة ليست مشهدا واحدا، والفكر يتطور إلى الأفضل أو ينتكس إلى الأسفل، والعاقل قد يصبح مجنونا، والمجنون قد يتحول إلى فيلسوف ومنظر وسيد العاقلين. الحكم على فكرة أو ردة أو خلاف عمل مناهض للدعوة الإلهية السامية والمقدسة (من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )، لكن المسلمين لا يزالون في سنة أولى تسامح وحوار وعقلانية. عندما نصمت سيشرق الاسلام من جديد لأننا سنكون مع الصمت مضطرين لحوار الآخرين بسلوكنا الجميل والرحيم والمتسامح والعقلاني، فهل نحن مستعدون؟ 

محمد عبد المجيد

رئيس تحرير مجلة طائر الشمال

أوسلو  النرويج

اجمالي القراءات 11278