من عمر بن عبد العزيز الى الخليفة المهتدى العباسى .. إحزن يا قلبى

آحمد صبحي منصور في الإثنين ٢١ - نوفمبر - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً

من عمر بن عبد العزيز الى الخليفة المهتدى العباسى .. إحزن يا قلبى
مقدمة
1 ـ مات الخليفة عمر بن عبد العزيز شابا ( 40 سنة ) مسموما بعد خلافة قصيرة ( سنتان وخمسة أشهر وأربعة أيام،) وذلك في 25 رجب سنة 101هـ . ومات الخليفة المهتدى بالله العباسى قتيلا يوم الخميس 18 رجب سنة 256 . بعد خلافة قصيرة ( سنة إلا خمسة عشر يوماً ) و كان عمره 37 عاما . يجمع بينهما الموت قتلا فى شهر رجب ، ويختلفان فى طريقة الموت ، وفى أن الأسرة الأموية هى التى تخلصت من عمر بن عبد العزيز بالسُّم ، وأن القادة الأتراك هم الذين قتلوا الخليفة المهتدى قتلة فظيعة .
2 ـ الخلاف الأساس أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز هو الخليفة الوحيد الذي كتب فيه المؤرخون كتبا خاصة تحمل مناقبه وتسجل أقواله ووصاياه. ولا يزال عمر بن عبد العزيز يحتل مكانة خاصة فى التاريخ بسبب الايمان بهذه الروايات .
3 ـ التأريخ للعصر الأموى لم يكن فى العصر الأموى ، بل فى العصر العباسى ، الذى كان خصما للأمويين . وهذا يضع مسئولية بحثية على عاتق الباحث التاريخى فى تحرّى الروايات ونقدها ليتعرّف على الأقرب منها للصحّة أو الخطأ . وفى النهاية فأى رواية تاريخية لو صحّت فليست دينا أو حقيقة مطلقة ، بل هى حقيقة نسبية تقبل الصواب والخطأ ، كما أن عمل الباحث التاريخى مهما بلغت عبقريته فهو أيضا حقيقة نسبية تقبل الخطأ والصواب . الكثير من الروايات التى شاعت عن عمر بن عبد العزيز وتمت كتابتها بعد موته بقرنين مشكوك فيها ، وتنتمى الى ما أسميه بكتابة ( المناقب ) أو ( التاريخ الوعظى ) . وكان الأصل فيها ما رواه المؤرخ إبن سعد فى الطبقات الكبرى ، وكان ابن سعد المتوفى عام 230 خصما حقيقيا للعباسيين ومن ضحاياهم فى فتنة ( خلق القرآن ) ، وهو الذى أوسع فى كتابه ( الطبقات الكبرى ) لروايات عن عمر بن عبد العزيز كانت هى المنبع الذى استقى منها وزاد عليها من أتى بعده ، ووجدت رواجا فى عصر الظلم العباسى الذى تفاقم وإشتد ، وكان فيه رواة التاريخ للعصر الأموى يؤلفون روايات فى مناقب عمر بن عبد العزيز كيدا فى الخلفاء العباسيين ، وأنه لم يأت خليفة عباسى يصل الى ورع الخليفة الأموى عمر بن عبد العزيز .
الخليفة العباسى المهتدى بالله جاء فى الجيل التالى للمؤرخ ابن سعد ، وقد صدّق هذه الروايات ، فأعلن أنه سيسير بنفس طريقة عمر بن عبد العزيز ، حتى يكون هناك شبيه عباسى لعمر بن عبد العزيز الأموى.
4 ـ نعطى بعض تفصيلات :
أولا : بعض الروايات عن عمر بن عبد العزيز
من أقواله :
1 ـ ( إن أحق العباد بإجلال الله والخشية منه من ابتلاه بمثل ما ابتلاني به، ولا أحد أشد حسابا ولا أهون علي الله إن عصاه مني ).
2 ـ ( والله إن عبدا ليس بينه وبين آدم أب إلا قد مات إنه لمعرق له في الموت ) ( ليس للموت ميقات نعرفه) ! وقد سألوه أن يتحفظ في طعامه وأن يكون له حرس إذا صلي حتي لا يتعرض للاغتيال ، فرفض ، فقالوا له : إن الخلفاء قبلك كانوا يفعلون ذلك فقال لهم : فأين هم الآن ؟ وأكثروا عليه في ذلك فقال " اللهم إن كنت تعلم أني أخاف يوما دون القيامة فلا تؤمن خوفي "!!
3 ـ جاءه رجل من الأنصار فقال له " يا أمير المؤمنين أنا فلان ابن فلان ، قتل جدي يوم بدر، وقتل أبي يوم أحد" ، فنظر عمر بن عبد العزيز إلى أقاربه قائلا" هذه والله المناقب، لا مناقبكم : مسكن ودير الجماجم". ومسكن ودير الجماجم من المعارك التي انتصر فيها الأمويون علي الثائرين عليهم.
4 ـ كان الدعاء للخليفة من شعائر الخطبة للجمعة ، فكتب إلي الولاة "لا تخصوني بشيء من الدعاء ، ادعوا للمؤمنين والمؤمنات عامة، فإن أكن منهم أدخل فيهم "!!
5 ـ كان الأمويون يعتبرون أنفسهم في مكانة أعلي وفوق جميع المسلمين . أما عمر فكان يأمر بالمساواة بينهم وبين الناس ، يقول للوالي علي المدينة " لا يكن أحد من الناس أثر عندك من أحد، ولا تقولن هؤلاء من أهل بيت أمير المؤمنين فإن أهل بيت أمير المؤمنين وغيرهم عندي اليوم سواء ".
من أعماله :
1 ـ يقول محمد بن قيس " رأيت عمر بن عبد العزيز إذا صلي العشاء دعا بشمعة من مال الله ليكتب في أمر المسلمين وفي المظالم فترد في كل أرض، فإذا أصبح جلس في رد المظالم وأمر بالصدقات أن تقسم في أهلها" !!
2 ـ كان دخل عمر بن عبدالعزيز أربعين ألف دينار قبل أن يلي الخلافة فتنازل عن ذلك كله حتى لم يبق له دخل سوى أربعمائة دينار سنويا.. ولم يكن يرتزق من بيت المال شيئا ، ويرجو مع هذا أن ينجو من عذاب الله يوم القيامة ، ويردد قوله تعالى " إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم " !!
3ـ وقال عنه رجاء بن حيوه ـ كاتم أسراره ـ كان عمر بن عبد العزيز من أعطر الناس وألبس الناس وأخيلهم مشية فلما استخلف قوموا ثيابه باثني عشرة درهما " !!
4 ـ رآه بعد الخلافة محمد بن كعب القرظي فأخذته الدهشة فقال له : يا أمير المؤمنين عهدي بك حسن الجسم وأراك وقد اصفر لونك ونحل جسمك ، وذهب شعرك ، فقال له : يا ابن كعب فكيف بك لو قد رأيتني في قبري بعد ثلاث ليالي ؟
5 ـ كان يأكل الحمص والعدس فيسبب له عُسر الهضم فقيل له : يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول : " كلوا من طيبات ما رزقناكم " فقال له عمر : هيهات ، ذهبت إلى غير مذهبه ، إنما يريد به طيب الكسب ، ولا يريد به طيب الطعام ... !!
6 ـ باع عمر كل ما كان يملكه من رقيق وأساس وبلغت قيمته جميعا 23 ألف دينار فوضعه فى بيت المال ،واستبقى لنفسه عبدا للخدمة فقال له : كيف حال الناس ؟ فقال له : " الناس كلهم بخير غيري وغيرك " فأعتقه .
7 ـ وقبيل موته اشترى موضع قبره بجوار دير سمعان بنواحي دمشق في جانب قرية تسمى البقرة ، واشترى الموضع من راهب الدير بثلاثين ديناراً وقيل بعشرة دنانير .. وعرض الراهب الأرض بلا ثمن فلم يقبل عمر إلا بثمنها .
8 ـ وسقوه السُّم فمرض مرض الموت ، فدخل عليه ابن عمه مسلمة بن عبد الملك فقال :"يا أمير المؤمنين إنك أفقرت أفواه ولدك من المال فتركتهم عائلة لا شيء لهم ، فلو أوصيت بهم إلى احد من أهل بيتك ؟".فقال عمر: "أسندوني" فقال :" أما قولك إني أفقرت أفواه ولدي من المال فإني والله ما منعتهم حقاً هو لهم ولم أعطهم ما ليس لهم ، وأما قولك عن وصيتي بهم لواحد من أهل بيتي فإني أوصي بهم الله تعالى الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين . إن أبنائي أحد رجلين إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجاً وإما رجل مكب على المعاصي فإني لم أكن أقويه على معصية الله..." ثم بعث إلى أبنائه وهم بضعة عشر ذكرا فنظر إليهم فدمعت عيناه ثم بكى وقال :"بنفسي الفتية الذين تركتهم فقراء لا شيء لهم بلى... بحمد الله قد تركتهم بخير... أي بني إنكم لن تلقوا أحدا من العرب ولا من غيرهم إلا كان لكم عليهم حقاً ، بينى وبينكم ميل بين أمرين إما أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار أو أن تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة... وقد اخترت الجنة فهي أحب إلىّ ... قوموا عصمكم الله ...").
ثانيا : عن الخليفة المهتدى بالله العباسى
1 ـ الخليفة المتوكل إستقدم الأتراك ، وجعلهم عماد جيشه ، فقتلوه عام 248 ثم قتلوا ابنه الخليفة المنتصر عام 248 بعد ستة اشهر من خلافته ، ثم قتلوا المستعين ثم قتلوا المعتز عام 255 ، وولوا المهتدى ثم قتلوه عام 256 .
2 ـ وكان الذهب حلية العباسيين ، وكان الخليفة المعتز بن المتوكل أول من جعل الذهب في سرج دوابه ، وكان له تاج من الذهب وقلنسوة من الجواهر ووشاحان مليئان بالجواهر ، وقد ثار عليه قواده من الأتراك فعزلوه من الخلافة وأقاموه في الشمس يلطمون وجهه ويقولون له : اعزل نفسك ، ثم بعد أن عزل نفسه قتلوه عطشا ، واختفت أمه ( قبيحة ) ثم ظهرت بعد أن صالحت القائد التركي صالح بن وصيف فعفا عنها في نظير ما أعطته من أموال قيمته 13مليون دينارمع جواهر قيمتها (2مليون دينار).
وتولي بعده صاحبنا الخليفة المهتدي الذي جنح للزهد ورفض الترف ، فأمر بإخراج أواني الذهب والفضة وضربها دراهم ودنانير، ورفع فرش الديباج وذبح الكباش التي كان الخلفاء يتسامرون بمناطحتها. ولكن سرعان ما ثار القواد الأتراك عليه وقتلوه .
3 ـ المهتدى ليس من نسل المتوكل ، بل هو إبن الخليفة هارون الواثق ، الذى كان اخوه المتوكل ولى عهده ، فتآمر المتوكل عليه وقتله ، وتولى مكانه . المهتدى مولود فى شهر ربيع الأول سنة 219 . ولّاه الأتراك بعد عزل المعتز فى آخر شهر رجب 255 ، ثم بعدها بيومين قتلوا المعتز .
4 ـ وتمسّك المهتدى بالزهد فى الطعام والملبس . حكى بعضهم أنه قال فى سبب زهده : ( فكرت في أنه كان في بني أمية عمر بن عبد العزيز وكان من التعلل والتقشف على ما بلغك فغرت على بني هاشم أن لا يكون في خلفائهم مثله فأخذت نفسي بما رأت ‏. ) وكان يقول : ( أما يستحي بنو العباس أن لا يكون فيهم مثل عمر بن عبد العزيز) لذا هجر الملاهي وحرم الغناء والشرب ومنع أصحاب السلطان عن الظلم ، وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين والخراج فحبس نفسه في الحسبانات لا يخل بالجلوس يوم الاثنين والخميس والكتاب بين يديه ‏.‏ وقالوا ( لم يزل المهتدي صائمًا منذ جلس للخلافة إلى أن قتل ‏.‏) ‏
5 ـ لم يكن لخلافته أن تستمر ، إذ أضطر للاصطدام بالقادة الأتراك الذين أدمنوا قتل الخلفاء ، وشب النزاع بينه وبينهم ، وخرج بنفسه يقاتلهم بسيفه وهو يقول : ( يا معشر الناس انصروا خليفتكم ‏.)، فما نصره أحد ، فهرب ، فقبضوا عليه . وكانت نهايته بائسة ، كانوا : ( يصفعونه ويبزقون في وجهه... وسلموه إلى رجل فلم يزل يجأ خصيتيه ويطأهما حتى مات ) وفى رواية أخرى : ( عصروا خصيتيه حتى مات ).
6 ـ ولا عزاء للسيدات .!!

اجمالي القراءات 575