مَن قتل «بسنت»؟

خالد منتصر في الأربعاء ٠٥ - يناير - ٢٠٢٢ ١٢:٠٠ صباحاً

انتحرت «بسنت»، ١٧ سنة، بالصف الثانى الثانوى الأزهرى من كفر الزيات بالغربية، كتبت قبل انتحارها خطاباً لأمها التى غالباً لم تقتنع بدفاعاتها، وهى حية تصرخ من ألم التنمّر: «ماما يا ريت تفهمينى، أنا مش البنت دى وإن دى صور متركّبة والله العظيم وقسماً بالله دى ما أنا، أنا يا ماما بنت صغيرة ما استاهلش اللى بيحصل لى، ده أنا جالى اكتئاب بجد، أنا يا ماما مش قادرة، أنا بتخنق، تعبت بجد»، واختتمت الرسالة بجملة: «مش أنا حرام عليكم، أنا متربية أحسن تربية».

انتحرت بقرص الغلة الذى تقول المراجع العلمية عن سر نجاحه الباهر فى قتل ضحاياه إنه يتكوّن كيميائياً من فوسفيد الألومنيوم، وتُعزى سمية فوسفيد الألومنيوم إلى تحرير غاز الفوسفين الذى ينطلق عندما يتفاعل فوسفيد الألومنيوم مع الماء فى الجسم الذى يسبب تآكلاً مباشراً للأنسجة ويثبط الإنزيمات الخلوية، عادة ما تظهر أعراض التسمم فى غضون دقائق.

السبب الرئيسى فى الوفاة هو انهيار الدورة الدموية التى تؤدى إلى التأثيرات المباشرة على عضلة القلب، بالإضافة إلى فقدان السوائل، تلف الغدة الكظرية، وحموضة الدم، ما يتسبب فى حدوث صدمة شديدة والتهاب عضلة القلب، ومتلازمة الاختلال العضوى المتعدد.

هذا هو المكتوب عن قرص الغلّة الذى انتحرت به «بسنت»، لكن ماذا عن قرص الغِل الذى منحها إياه أهل قريتها وكان قاتلها الحقيقى؟ السؤال: مَن قتل بسنت؟

قتلها مجتمع مستعد أن يقتل بناته لمجرد إشاعة، مجتمع زومبى يأكل ويلتهم لحم تاء التأنيث مستلذاً ومستمتعاً، مجتمع يطارد البنت لمجرد أنها بنت، هذه كل جريمتها، وكلما كانت البنت جميلة أو مبتهجة أو فرحانة كانت الجريمة أشد وأخطر.

المجتمع لا يريد تصديق أن الصور العارية مفبركة وفوتوشوب، لأنه عايز يصدق ده! يريدها على هذا الشكل وبهذه الكيفية التى يتكيف مزاجه الدراكولى من الفرجة عليها، يعطل حواسه ويخدع نفسه فى سبيل ترسيخ الفضيحة وتجريس البنت، لأن الزومبى عندنا لا يعيش إلا على أشلاء أنثى.

المجرم ليس قرص الغلة، ولكنه قرص الغل والسواد والتوحش، البنت أصبحت لوحة التنشين السهلة لكل العقد النفسية والاضطرابات الوجدانية، شماعة لكل خطايانا، البنات نغنى لهن فى العلن: «البنات أجمل الكائنات»، لكننا فى السر نلعنهن ونعتبرهن حملاً ثقيلاً وعاراً مزمناً وخطيئة تتحرك وتتنفس وعبئاً على الأعصاب والروح، منذ أول صرخة، عندما تهجر الرحم لا نرحمها، نفكر بدأب عجيب فى سحب كل أرصدة السعادة منها، فنحن مهمومون بختانها ثم بيعها كسلعة فى سوق النخاسة للهروب من العنوسة وبأى ثمن، ثم إجبارها على العيش مع مَن تكرهه حتى تحين لحظة دفنها، وحيدة صامتة كما عاشت وحيدة خرساء.

نأسف يا «بسنت» لكن بعد فوات الأوان، نأسف أنك قد وُلدت فى مجتمع أفاعٍ، يريد أن يغطى على فحيح شهواته وكبته وفساده بإدانتك واتهامك وفضحك، يتعامل مع البنت منذ ولادتها على أنها متهمة ومجرمة، لتظل طوال عمرها تقدم أدلة براءتها من تهمة الأنوثة وعار كونها امرأة، ودائماً الحكم جاهز ومطبوع وصادر، الإعدام شنقاً بحبل جاهز.. حبل العار والخطيئة والشرف، الأسطوانة المشروخة نفسها التى لا نمل منها ولا نكل، أسطوانة الإدانة والتهميش والتحقير والسحق، ما زلنا نتساءل بسذاجة: مَن قتل «بسنت» وكأننا لا نعرف الإجابة!
اجمالي القراءات 655