( خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) النحل )

آحمد صبحي منصور في الجمعة ٠٦ - نوفمبر - ٢٠٢٠ ١٢:٠٠ صباحاً

 ( خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) النحل )

مقدمة :

1 ـ جاءنى هذا السؤال المستفز . يقول : ( "ويعلم ما في الارحام ". الايه تتكلم علي انه علم خاص بالله فقط لكن نجد أن علم الطب الحديث اخترع السونار وشارك الله في علمه ما في الارحام. ألا ينسف هذا السونار القران نسفا ؟  وشكرا لك . ) .

2 ـ هذا جهل في فهم الآية الكريمة ، وما أفظع أن يسارع الجاهلون بالطعن في كتاب الله بلا علم ولا هدى ولا كتاب منير .

3 ـ هناك الراسخون في العلم القرآنى ، وهناك علماء في المجالات الطبيعية وفى آلاء خلق الله جل وعلا في الكون وعجائبه ، ويجمعون مع علمهم هذا إيمانا بالله جل وعلا وخشية منه ، يزدادون بعلمهم بالخلق إيمانا بقدرة الخالق جل وعلا . الآيات القرآنية التي تحوى إشارات علمية منها قوله جل وعلا : ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) فاطر ). الجزء الأول من الآيات فيه إشارات علمية عن الألوان المختلفة للثمرات التي تأتى من ماء واحد وتربة واحدة ،قال جل وعلا : ( وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) الرعد  )، وعن إختلافات ألوان البشر قال جل وعلا : ( وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) الروم )  وهناك إختلافات الأنعام . يهمنا هنا الألوان المختلفة للجبال ، فمنها الجبال الغرابيب السود ، شديدة القدم ، مُغربة في القدم ، ثم منها ما هو أحدث أو ( جُدُد ) مختلف ألوانه . ختام الآيات بقوله جل وعلا : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ )، فالعلماء الحقيقيون هم الذين يجمعون مع نبوغهم العلمى خشية الله جل وعلا .

4 ـ هناك علماء يفتقرون الى الايمان بالخالق جل وعلا ، ويعلمون مجرد ظواهر سطحية ، وهم بها فرحون وبآيات الله جل وعلا يستهزئون ، فيهم قال جل وعلا :

4 / 1 : ( يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) الروم )

4 / 2 : ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (83) غافر ).

5 ـ هذا السائل ــ بكفره بكتاب الله  ــ لا حظّ له من العلم ولا حظّ له من الايمان .

6 ـ نعطى تدبرا قرآنيا في قوله جل وعلا : ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ) (34) لقمان ).  

أولا :

1 ـ ( وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ) ليس مجرد ( ارحام ) النساء من البشر ، ولكن ( أرحام ) كل ما تلد ومن تلد من كائنات في هذه الأرض ، وفى البرازخ من ملائكة وجن وشياطين ، لأن مخلوقات الله جل وعلا هي أزواج ، وهو جل وعلا الذى خلق الأزواج كلها ، قال جل وعلا :

1 / 1 : ( وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) الذاريات )

1 / 2 : ( سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (36) يس  )

1 / 3 : ( وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا ) (12) الزخرف  ) 

2 :  ( وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ) ليس مجرد ما في الأرحام من أجنّة ( جمع جنين ) ذكرا كان أو أنثى ، بل:

2 / 1 :  كل ما هو في داخل الرحم للحامل وغير الحامل، يشمل هذا :

2 / 1 / 1 : التكوين الداخلى للرحم في الأنثى من البشر والحيوانات وبقية الكائنات في هذا العالم وفى البرازخ . نتذكّر هنا :

2 / 1 / 1 / 1 : وصف الرحم البشرى بأنه ( القرار المكين )، قال جل وعلا  : ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) المرسلات ). يمكن للعلماء المتخصصين شرح معنى ( القرار المكين ) وصفا للرحم .

2 / 1 / 1 / 2 : العمليات المتتابعة في تطور الجنين خلال مدة محددة وبتقدير مُحكم ، قال جل وعلا بعد الآية السابقة : ( إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24)المرسلات  )

2 / 1 / 2 : هناك الرحم العقيم ، والذى يلد الذكور فقط أو الإناث فقط ، أو الذكور والاناث . قال جل وعلا : ( لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) فاطر )

2 / 2 : قبل واثناء تكوين الجنين : ومنه صورة الجنين التي يختارها الخالق جل وعلا وتكون ( صورة ) لنفسه التي خلقها الله جل وعلا من قبل .

إن الله جل وعلا حين خلق الأنفس جعل لكل منها صورة معينة تتدرج حسب مرور الزمن ، ثم حين تدخل النفس في جنينها في الرحم تتشكل صورته حيث شاء الرحمن ، ثم بعد الولادة تتغير صورة الانسان حسب العمر ووفقا للمعطيات المقدرة سلفا وبالتحديد الذى خلقه الله جل وعلا . قال رب العزة  عن صور الأنفس في عالم الغيب : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ (11)الاعراف  ). وقال رب العزة جل وعلا عن تصوير الجنين طبقا لصورة النفس من قبل  : ( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) آل عمران )، ثم بعد الولادة تعترى الطفل في شهوره الأولى تغييرات ، ثم تزداد التغييرات مع النمو ثم تتصاعد مع الشباب والقوة ثم مع الشيخوخة والضعف ، قال جل وعلا :(  اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (54)  الروم  ) ، الى أن يصل الى التجاعيد وملامح الاقتراب من الموت ، قال جل وعلا :  ( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (68) يس ). لهذا كله صلة ب ( ما في الأرحام ).!

3 : ( وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ) يشمل نمو الجنين إذا كان مقدرا له الحياة والنزول الى هذه الدنيا ، أو كان مقدرا له الموت في الرحم ، وكل شيء بتقدير إلاهى ، قال جل وعلا : ( اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) الرعد )

4 ـ ( وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ) يشمل تطور خلق الجنين في داخل الرحم . يقف العلم منبهرا بما ذكره رب العزة جل وعلا بمراحل خلق الجنين من علقة الى نطفة الى قطعة لحم قدر ما يمضغه الآكل، وتقسيمها الى جزء يتكون به الجنين ويستمر في النمو ، ثم جزء آخر يكون المشيمة أو الحبل السرّى ، جزء الجنين يستمر في النمو بخلق العظام فيه ، قال جل وعلا :

4 / 1 : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ) (5) الحج )

4 / 2 : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12 ) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) المؤمنون  )

4 / 3 :( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً )(67) غافر)

 5 ـ التلقيح : دخول الحيوان المنوى الى البويضة . هو حيوان واحد ضمن ملايين ، وبه يتحدد نوع الجنين ذكرا أو أُنثى . الله جل وعلا وحده هو الذى يختار حيوانا منويا واحدا فقط، من بين ملايين الحيوانات الذكرية والحيوانات الأنثوية فيأتى الطفل مُميّزا فريدا بما يُعرف ب الدى إن إيه  .قال جل وعلا :

5 / 1 : ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) النجم   )

5 / 2 : (  أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى (39) القيامة )

6 : وصف الجنين من بدايته بالأمشاج ، أي العناصر المختلفة ، قال جل وعلا : ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) الانسان )

7 ـ وصف خلق الجنين داخل الرحم بأنه من ( سلالة ) مُنتخبة مُختارة من عناصر الأرض الطبيعية ( طين ) مع ماء يتكون به الجنين من ماء مهين ، قال جل وعلا :

7 / 1 : ( وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) السجدة )

7 / 2 : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) المؤمنون )

8 ـ ما يحدث في الرحم هو بتقدير الرحمن ، قال جل وعلا عن الكافرين : ( قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19 )عبس )

 9 : ومن هذا التقدير تطور خلق الجنين خلال ظلمات ثلاث ، قال جل وعلا : ( خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)  الزمر  )

10 : يتجلى في هذا كله علم الله جل وعلا . قوله جل وعلا : ( وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ ) ، يشرحه جل وعلا :

10 / 1 : (هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ )(32) النجم  ) 

10 / 2 : ( وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) فاطر ).

10 / 3 : ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) الملك )

ثانيا : تشريعات العدة للمرأة مستمدة من علمه جل وعلا بما في الأرحام .

تشريع العدة يهدف الى حفظ الأنساب ، حتى يتأكد خلو المرأة من الحمل بنزول الحيض او بالولادة ، وبعده تتزوج  من تشاء. ثم هناك تشريع خاص بالعدة للأرملة غير الحامل . ونعطى تفصيلا :

1 ـ هناك " عدة " لمن تركها زوجها بالطلاق أو بالموت، وذلك طالما دخل بها الزوج وعاشرها، أما إذا عقد عليها النكاح ولم يدخل بها فليس عليها عدة يقول جل وعلا : (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ) (الأحزاب 49 ). ").
أما المطلقة التي دخل بها زوجها فعليها أن تبقي في العدة ثلاثة قروء أي حيضات يتطهرن منها ، قال جل وعلا : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء) البقرة 228 )   
إذا لم تكن المطلقة تحيض ، أو يئست من المحيض أو كانت حاملا أو ظهر أنها حامل ، يقول جل وعلا  :(  وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) ( الطلاق / 4)"، فالعدة ثلاثة اشهر لمن يئست من المحيض أو من لا تحيض أصلا ، أما الحامل فعدتها وضع الحمل.

2 ـ للأرملة تشريع خاص في العدة ، يقول تعالي : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) (:2/234 )". فالأرملة تعتد بعد وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام . سئلت كثيرا عن حكمة هذا التحديد بالشهر والأيام ، وكنتُ أجيب بأن فيه إعجازا علميا ، سيتم كشفه فيما بعد . وعثرت عليه فيما أنقله هنا : ( ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻋﺪﺓ ﻃﻼﻕ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﺷﻬﺮ ، ﻭﻋﺪﺓ ﺍﻷﺭﻣﻠﺔ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻬﺮ ﻭﻋﺸﺮﺓ ﺃﻳﺎﻡ )

( ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ " ﺭﻭﺑﺮﺕ ﻏﻴﻠﻬﻢ " ﺯﻋﻴﻢ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ ﻓﻲ ﻣﻌﻬﺪ ﺃﻟﺒﺮﺕ ﺃﻳﻨﺸﺘﺎﻳﻦ ، ﻭﺍﻟﻤﺨﺘﺺ ﻓﻲ ﻋﻠﻢ ﺍﻷﺟﻨﺔ ﺃﻋﻠﻦ ﺇﺳﻼﻣﻪ ﺑﻤﺠﺮﺩ ﻣﻌﺮﻓﺘﻪ ﻟﻠﺤﻘﻴﻘﺔ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﻭﻹﻋﺠﺎﺯ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻓﻲ ﺳﺒﺐ ﺗﺤﺪﻳﺪ ﻋﺪﺓ ﺍﻟﻄﻼﻕ ﻟﻠﻤﺮﺃﺓ ﻣﺪﺓ ﺛﻼﺛﺔ ﺷﻬﻮﺭ . ﺣﻴﺚ ﻓﺎﺟﺄ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﺑﻤﻔﺎﺟﺄﺓ ﻋﻠﻤﻴﺔ ﺗﺴﻤﻰ : " ﺑﺼﻤﺔ ﻣﺎﺀ ﺍﻟﺮﺟﻞ " ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻟﺴﺎﺋﻞ ﺍﻟﺬﻛﺮﻱ ﻟﻠﺮﺟﻞ ﺑﻪ 62 ﺑﺮﻭﺗﻴﻨًﺎ , ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻣﻦ ﺭﺟﻞ ﻵﺧﺮ ﻛﺎﺧﺘﻼﻑ ﺑﺼﻤﺔ ﺍﻹﺻﺒﻊ ﻭﻫﻲ ﺷﻔﺮﺓ ﺧﺎﺻﺔ ﻟﻜﻞ ﺭﺟﻞ ، ﻭﺟﺴﺪ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻳﺤﻤﻞ " ﻛﻤﺒﻴﻮﺗﺮ " ﻳﺨﺘﺰﻥ ﺷﻔﺮﺓ ﻣﻦ ﻳﻌﺎﺷﺮﻫﺎ ﻣﻦ ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ , ﻓﺈﺫﺍ ﺗﺰﻭﺟﺖ ﺑﺮﺟﻞ ﺁﺧﺮ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻄﻼﻕ ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ ﺃﻭ ﺩﺧﻠﺖ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﺷﻔﺮﺓ ﻛﺄﻧﻤﺎ ﺩﺧﻞ ﻓﻴﺮﻭﺱ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻜﻤﺒﻴﻮﺗﺮ ﻓﻴﺼﻴﺒﻪ ﺑﺎﻟﺨﻠﻞ ﻭﺍﻷﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﺨﺒﻴﺜﺔ . ﻭﺛﺒﺖ ﻋﻠﻤﻴًﺎ ﺃﻥ ﺃﻭﻝ ﺣﻴﺾ ﺑﻌﺪ ﺍﻟﻄﻼﻕ ﻳﺰﻳﻞ 32% ﺇﻟﻰ 35% ﻭﺍﻟﺤﻴﻀﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ ﺗﺰﻳﻞ 67% ﺇﻟﻰ 72% ﻣﻦ ﺑﺼﻤﺔ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻭﺍﻟﺤﻴﻀﺔ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔ ﺗﺰﻳﻞ 99. 9% ﻣﻦ ﺑﺼﻤﺔ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻭﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﺮﺣﻢ ﺗﻄﻬﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﺼﻤﺔ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻭﺍﺳﺘﻌﺪ ﻻﺳﺘﻘﺒﺎﻝ ﺷﻔﺮﺓ ﺑﺼﻤﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﺑﺪﻭﻥ ﺇﺻﺎﺑﺘﻪ ﺑﺄﺫﻯ .  ﻟﺬﻟﻚ ﻓﺈﻥ ﻣﻤﺎﺭﺳﺎﺕ ﺍﻟﺪﻋﺎﺭﺓ ﻭﺍﻟﺰﺍﻧﻴﺎﺕ ﻳﺼﺒﻦ ﺑﺎﻷﻣﺮﺍﺽ ﺍﻟﻔﺘﺎﻛﺔ ؛ ﻧﺘﻴﺠﺔ ﻻﺧﺘﻼﻁ ﺍﻟﺴﻮﺍﺋﻞ ﺍﻟﻤﻨﻮﻳﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺮﺣﻢ . ﺃﻣﺎ ﻋﺪﺓ ﺍﻷﺭﻣﻠﺔ ﻓﺈﻧﻬﺎ ﺗﺤﺘﺎﺝ ﻟﻮﻗﺖ ﺃﻃﻮﻝ ﻹﺯﺍﻟﺔ ﺍﻟﺸﻔﺮﺓ ؛ ﺣﻴﺚ ﺇﻥ ﺍﻟﺤﺰﻥ ﻳﺜﺒﺖ ﺍﻟﺒﺼﻤﺔ ﻟﺪﻳﻬﺎ ﺑﺸﻜﻞ ﺃﻗﻮﻯ ﻓﺘﺤﺘﺎﺝ ﻟﻠﻤﻘﺪﺍﺭ ﺍﻟﺬﻱ ﻗﺎﻝ ﻋﻨﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﺰ ﻭﺟﻞ ‏( ﺃﺭﺑﻌﺔ ﺃﺷﻬﺮ ﻭﻋﺸﺮًﺍ ‏) ﻟﺘﺰﻭﻝ ﺑﺼﻤﺔ ﻣﺎﺀ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﻧﻬﺎﺋﻴًﺎ . ﻭﺗﻠﻚ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﺩﻓﻌﺖ ﻋﺎﻟﻢ ﺍﻷﺟﻨﺔ ﻟﻠﻘﻴﺎﻡ ﺑﺘﺤﻘﻴﻖ ﻓﻲ ﺣﻲ ﺃﻓﺎﺭﻗﺔ ﻣﺴﻠﻤﻴﻦ ﺑﺄﻣﺮﻳﻜﺎ ، ﺗﺒﻴﻦ ﺃﻥ ﻛﻞ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﻳﺤﻤﻠﻦ ﺑﺼﻤﺎﺕ ﺃﺯﻭﺍﺟﻬﻦ ﻓﻘﻂ . ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻴﻨﺖ ﺍﻟﺘﺤﺮﻳﺎﺕ ﺍﻟﻌﻠﻤﻴﺔ ﻓﻲ ﺣﻲ ﺁﺧﺮ ﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺎﺕ ﻣﺘﺤﺮﺭﺍﺕ ﺃﻧﻬﻦ ﻳﻤﺘﻠﻜﻦ ﺑﺼﻤﺎﺕ ﻣﺘﻌﺪﺩﺓ ﻣﻦ ﺇﺛﻨﻴﻦ ﺇﻟﻰ ﺛﻼﺙ ،   

ﻭﻛﺎﻧﺖ ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ ﻣﺬﻫﻠﺔ ﻟﻠﻌﺎﻟﻢ ﺣﻴﻨﻤﺎ ﻗﺎﻡ ﺑﺈﺟﺮﺍﺀ ﺍﻟﺘﺤﺎﻟﻴﻞ ﻋﻠﻰ ﺯﻭﺟﺘﻪ ﻟﻴﺘﺒﻴﻦ ﺃﻧﻬﺎ ﺗﻤﺘﻠﻚ ﺛﻼﺙ ﺑﺼﻤﺎﺕ ﻣﻤﺎ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻧﻬﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺗﺨﻮﻧﻪ !! ﻭﺫﻫﺐ ﺑﻪ ﺍﻟﺤﺪ ﺇﻟﻰ ﺍﻛﺘﺸﺎﻑ ﺍﻥ ﻭﺍﺣﺪًﺍ ﻣﻦ ﺃﺻﻞ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﺑﻨﺎﺀ ﻓﻘﻂ ﻫﻮ ﺍﺑﻨﻪ . ﻭﻋﻠﻰ ﺃﺛﺮ ﺫﻟﻚ ﺍﻗﺘﻨﻊ ﺃﻥ ﺍﻹﺳﻼﻡ ﻫﻮ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻀﻤﻦ ﺣﺼﺎﻧﺔ ﺍﻟﻤﺮﺃﺓ ﻭﺗﻤﺎﺳﻚ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻊ  ) ( منقول..) .

 أخيرا :

1 ـ الخالق جل وعلا وصف بداية الانسان بأنه من ( ماء مهين ) . قال جل وعلا :

1 / 1 : ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) السجدة )

1 / 2 : ( أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) المرسلات ) .

2 ـ مصطلح الانسان يأتي غالبا في القرآن الكريم عن العُصاة من بنى آدم ، ويأتي أحيانا عن خلق الانسان ، ويجتمع هذا وذاك في قوله جل وعلا : ( قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19 )عبس ). هنا وصف الانسان بالكفر ، وحديث عن خلقه من نُطفة .

3 ـ من الرحم ينزل دم الحيض ، ويستقذره الانسان نفسه . وقد يكون في هذا الدم نطفة لم تكتمل ، وفى كل الأحوال فالنطفة البشرية مُستقذرة . تخيل فى يدك نطفة .! . ولكن هذا الانسان الكافر المخلوق من نطفة قذرة مُستقذرة يكون بكفره خصيما لربّه . قال جل وعلا :

3 / 1 : ( أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) يس )

3 / 2 : ( خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) النحل ).

4 ـ ليس مجرد خاصم ، بل ( خصيم ) ، وليس مجرد ( خصيم ) بل ( خصيم مبين ) . هذا هو الوصف القرآنى لصاحب هذا السؤال . ندعو الله جل وعلا أن يهدينا وإيّاه . 

اجمالي القراءات 3861