وتمر الايام

نهاد حداد في الثلاثاء ٢٢ - أكتوبر - ٢٠١٩ ١٢:٠٠ صباحاً

 
مضى وقت طويل لم أكتب فيه ولم أقرأ، مع أنني لم أكن أستطيع أبدا النوم دون ان افتح كتابا ، يا إلاهي، ماذا دهاني ، هل أصبحت ضحية أمراض العصر ؟ ضحية تيكنولوجيا سخيفة انتزعت منا انسانيتنا، ابعدتنا عن كل ماهو نحن ؟ 
ومع اني اهتم بنباتاتي وازهاري، بل انني اقضي وقتا كبيرا في سقي الحديقة وغسل الأشجار، اصبحت احس بالاغتراب عن ذاتي! 
 نعم أحب غسل الأشجار وافعل، أحب تلك الرائحة التي تنبعث من شجرة الليمون ، أحب رائحة الريحان التي تنبعث من المزهريات المصطفة في فنائي، أحب ذلك الكلب العجوز الذي يقضي وقته في النوم ولا ينفع في شيء، احب رؤية أشجاري تنمو وأحيانا أتسائل إن كانت ستعيش بعد مماتي ؟ وكيف سيكون شكلها ياترى؟ 
أحيانا، أتساءل حول الموت ؟ ما هو؟ وما الذي يتغير او قد يتغير حين نغيب ! فأجدني أقول لنفسي، العالم مليء بالمدن ، وانا لست الا في واحدة منها، او ليس هذا موتا لي وغيابا من هذا العالم كله الا من مكاني هذا الذي انا فيه ؟ 
ماهذه البلادة ؟ وما هذه الفلسفة الفارغة؟ 
ومع ذلك، فأنا أجد ان تفكيري هذا ليس بتلك البلادة! فقبل ان أولد، لم أكن هنا، وبعد أن أموت ، لن أكون هنا ! 
هذا ما نحن عليه وما كناه وماسنكونه بكل بساطة ! 
اشتقت لنفسي، اشتقت لما كنت عليه، فاكتشفت انني اهب وقتي للجميع إلا لي! مع اني ارى بأنني استحق بان اجلس معي / مع نفسي! اننا نجلس مع الجميع، مع من يستحق ومع من لا يستحق، وتمر الايام هكذا دون ان نجلس مع ذواتنا ! تأخذنا الحياة الى حيث لاندري ولكننا نهمل اهم الاشخاص لدينا/ انفسنا!
اصبحت اضجر حتى من الصداقة واضيق بها، فلم يعد الاصدقاء يذكروننا حقا إلا ببعث أشياء مضحكة او مخيفة او مهمة احيانا على الواتساب! هل نحن فعلا في حاجة إلى رسائل من هذا القبيل؟ فسواء كنا حزينين او فرحين، لم يعد الاصدقاء يحترمون حريتنا في عدم الرغبة في الضحك او البكاء! 
احيانا، نكون في حاجة الى السكينة فقط وسرعان ما تأتينا رسالة من صديق وجد شيئا مضحكا على الانترنت فاراد اشراكنا فرحته! اوقضية مؤلمة يريد منا التعاطف معها ! 
لم تعد حياتنا ملكا لنا بل أصبحت ملكا للآخرين يتحكمون فيها كما شاؤوا ! وحاليا قررت ان لا افتح رسائل الواتساب التي تحتوي على فيديوهات او صور! المصائب كانت دائما موجودة قبل ان يوجد النت والفضائح كذلك ! وكنا نعيش دون حاجة الى معرفة اخبار الاخرين او فضائحهم، ودون حاجة للضحك على نكت غبية اقصى مانعبر به عند تسلمها حرف الهاء ( ههههه) ! 
يا إلاهي كم أصبحنا بلهاء؟ كم اننا انسلخنا عن انسانيتنا وتهنا في غياهب متاهات لم نختر الدخول فيها ! 
ارجو ان لا يضيق صدر القارئ بي ، بل انني ارجو ان يمارس حريته في عدم قرائة كلامي هذا ، فلا أحد يلزمه بذلك.
ومع ذلك، فإن الفضول ، وانا أعتبره فعلا مرض العصر، يدفعنا لقراءة اشياء، والتفرج على اشياء لا قيمة لها، وغاية مانجنيه منها، هو ضياع الوقت ومرور الايام في غفلة منا ! 
الفيديوهات دقائق معدودة، ولكن نفس الدقائق نفيسة حين نصل الى سكرات الموت، فنتمنى ان يطول العمر ولو لحظات ! 
قد يبدو كلامي تشاؤما ، ربما ، ولكنني اشتقت لنفسي، اشتقت للحديث معها، لعدم الهروب منها والتوهان في حيوات الآخرين ! 
منذ ايام وانا ادخل على الموقع ، واردت ان اكتب شيئا، اي شيء، حيث مضى وقت دون ان اكتب او اعلق ! الغياب كالموت، لم اكتب، ومع ذلك، الموقع مازال هنا، ومازال كتابه موجودون، مات من مات، وغاب من غاب وهو هنا ! 
لكنني فعلا لا اعرف ماذا اكتب ، خانني الالهام ! فرأيت ان اكتب عما اشعر به ، عن الغربة عن الذات ! وعن الشعور بالوحدة وسط الجموع المحتشدة من الناس، والشعور بالفراغ بالرغم من هذا الكم من المعلومات والملاهي واللذات! 
فراغ فراغ ! فراغ روحي كبير ! لم تعد القناعات البسيطة تملأه ! تساؤلات شتى لا أجد لها إجابات شافية! فقررت على غرار ديكارت، ان امسح الطاولة واعيد ترتيب اوراقي ! 
من انا ؟ مالذي اريده انا وما الذي يريده الآخرون مني ؟ وما الغاية من وجودي ! 
قد لا اكون مهمة لتلك الدرجة التي اظن، ولكن اذا كان وجودي مفيد لنباتاتي وكلبي العجوز، فاظن بان هذا شيء جيد استطيع ان ابدأ منه ! وان تلك الكائنات تستحق ذلك!
غرورنا يجعلنا احيانا نتباهى بما حققناه ونحققه من غايات، ولكنني اليوم اظن بان الحياة تستحق ان نعيشها حتى وان كان ذلك من اجل كلب عجوز !
قد يقول قائل اننا موجودون هنا من اجل العبادة ! او ليس الاهتمام بالكلب عبادة ؟ 
نقضي حياتنا ونحن نحاول ارضاء الاخرين وننسى انفسنا! وما والآخرون امام معرفتنا لانفسنا، الخوف من مواجهة ذواتنا يقتلنا فنهرب دوما من انفسنا الى الأمام ! ليتنا نستطيع مواجهة انفسنا بكل مانعرفه عن ذواتنا تماما كما نستطيع التجرأ على الآخر ومصارحته بحقائقه .
انا الآن هنا، في هذه الحالة النفسية ، في نفس الحالة التي كنت عليها حين كنت احاول  السمو بروحي كي اكون عند حسن ظن اول حب ! فلماذا لا تكون انفسنا اول حب ؟ 
احب نفسك قبل ان تحب الاخر، فان لم تحبها، لن تكون قدرا على حب الآخر! 
عذرا على الازعاج ! 
اجمالي القراءات 5846