زواج المؤمنة المحصنة من الكتابي حلال بنص قرآني لاغبار عليه

نهاد حداد في الإثنين ١٤ - أغسطس - ٢٠١٧ ١٢:٠٠ صباحاً

 " لا تمسكوا بعصم الكوافر " ، أمر لم يمنع المسلمين من الزواج من الكتابيات ، من سبيهن واغتصابهن ، ومع ذلك ، يرفع الأزهر اليوم هذا الشعار لتحريم زواج النساء من أهل الكتاب ، مع أن الآية هنا تتوجه للرجال دون النساء ، فالرجال هم المأمورون هنا بعدم الإمساك بعصم الكوافر لا العكس ، فلننظر كيف يلحدون في كلام الله ويغيرون الكلم عن مواضعه لخدمة مآربهم الدنيئة ! 
تعامل المسلمون مع هذا الأمر كما تعامل أبو نواس مع الآية التي تبدأ بويل للمصلين حيث قال : 
" “دع المساجد للــعباد تسكنها***وطف بنا حول خمار ليسقينا
‎ما قال ربك ويل للذين سكروا***ولكن قال ويل للمـصلينا
أولا، هذه الكلمات خارجة تماما عن سياق الآية التي جاءت فيها، فلنقرأها مباشرة دون حاجة للتفكير الطويل لأنها ميسرة للذكر والتدبر بشكل مذهل . باسم الله الرحمان الرحيم :" 
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) ۞ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7) 
يأمرنا رب العزة في هاتين الآيتين  بالتأسي بالأنبياء السابقين للإستفادة من تجاربهم والتقرب بذلك إلى المولى عز وجل في الآخرة، ولكن هذا التأسي جاء على سبيل النصيحة لا الأمر حيث أردفه تعالى بعدم وجود أي عقاب عمن لم يفعل وتولى عن الاقتداء بهم  وانما اكتفى بالقول بأنه سبحانه في غنى عن ذلك كله ، فهو الغني الحميد ! لكنه سبحانه لم يجزم نهائيا بالأمر بالعداوة والبغضاء الى الذين عاداهم المسلمون بسبب تخليهم عن التأسي بأنبياءهم بل على العكس ، ترك فتحة رجاء وبريق أمل للتصالح معهم بل موادتهم ، لأن الله قادر على أن يزرع المغفرة والرحمة في القلوب فهو سبحانه قادر قدير مقتدر وهو الغفور الرحيم ! 
لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9
يزيد رب العزة تيسيرا وتوضيحا للأمور ، بأن العداوة لايجب ان تشمل الجميع ، حتى الذين تولوا منهم ، بل العداوة للذين يقاتلون المسلمين في الدين فقط ، أي عدم الموالات ، تخص المقاتلين فقط لا غير. حيث أن رب العزة امرنا بالمودة والبر والقسط لكل من لم يقاتلنا ولم يخرجنا من ديارنا ولم يعن على إخراجنا ! وإلا فإن من والى من يظلمنا ويقتلنا ويخرجنا من بيوتنا فهو ظالم لأنه يقف بجانب الظلم والظلمة . 
ويستمر تعالى في آياته الكريمة : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۚ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (11)
بعد إخراج المؤمنات من بيوتهن ظلما وعدوانا  هاجرن إلى النبي فأنزل سبحانه هذه الآية تحث المؤمنين على استقبال المؤمنات بشرط امتحانهن ، ليس للتأكد من صحة إيمانهن فهذا شيء لايعلمه إلا الله ، ولكن فقط للتأكد بأنهن لايرغبن في التولي عن إيمانهن وبأن اختيارهن لا رجعة فيه ، وإذ ذاك فقط لا يجب إرجاعهن للكفار لأنهن الآن محرمات عليهم كما حرمت الكافرات على المؤمنين " لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن "  فهذه المسألة ( أي تحريم الارتباط بالكفار )  لم تكن حكرا على المؤمنات فقط بل على المؤمنين أيضا . فالمؤمنون الذين هاجروا ومعهم نساؤهم الكافرات ، كان عليهم أن يرجعوهن إلى أهاليهن مع أداء نفقتهن كما كان على المؤمنين تأدية النفقات للكفار الذين تخلت عنهن زوجاتهن المؤمنات ! 
لقد أمر الله المؤمنين بمعاملة الكفار بالمثل ، أي بالقسط والعدل حيث أمرهم بإلزام أنفسهم بنفس مايلزمون الكفار به ثم أمرهم بتسريح الكوافر وإعادتهن إلى أهاليهن ، وهذا هو المقصود في الآية أعلاه " ولا تمسكوا بعصم الكوافر " . 
خلاصة القول هنا ، أنه في مرحلة تاريخية حرجة من الإسلام، كان على المسلمين والمسلمات الافتراق عن ازواجهم بسبب القتال والظلم والتهجير وفي هذه الفترة ، حرم الله على المؤمنات التزوج من الكفار وعلى المؤمنين الزواج من الكافرات ! لكن المولى عز وجل الذي كان قد وعد في أول الآية بالمودة بعد العداوة ، فترك بارقة أمل للمودة والصلح بقوله :" عسى الله ان يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة " أحل للمؤمنين طعام أهل الكتاب والزواج منهم بعد أن كان قد نهى عن ذلك ! 
قبل الاستطراد ، نود التذكير بأن أهل الكتاب الذين نعتوا بالكفار هم أولئك الذين قالت عنهم الآية أعلاه أنهم تولوا عن التأسي بالأنبياء واتِّباعهم . 
ولنكمل حديثنا عن تحليل الزواج من أهل الكتاب نساء ورجالا من الآية القرآنية التالية، رجاء الانتباه الى الفاصلة التي سأضعها في وسط الآية، لأن وضع الفاصلة بالضبط في ذلك المكان ، لايدع مجالا للشك في أن زواج المرأة المؤمنة من الكتابي شيئا مباح وحلال بشكل صريح وواضح في القرآن ومن القرآن . 
باسم الله الرحمان الرحيم : " اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم //// وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات//// والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين".
سأقسم الآية إلى شطرين كي نفهمها جيدا دون أن نقع في ما تحدث عنه أبو نواس أعلاه! 
الفاصلة في هذه الآية أهم شيء على الإطلاق : اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ///وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات ". 
لنتأمل الآية : اليوم أحل لكم الطيبات ، ثم احل لكم طعام الذين أوتوا الكتاب، وأحل لأهل الكتاب طعامكم و أُحِلَٓت لهم المحصنات من المؤمنات! أي أن طعاكم وكذلك المحصنات من المؤمنات هن حلال أيضا لأهل الكتاب ! 
ثم يأتي الشطر الثاني من الآية ليحل للمؤمنين نكاح المحصنات من أهل الكتاب ! 
والأجمل من كل هذا أن المولى عز وجل لم يقرر عقوبة الفراق على من يتولى او يكفر بعد الايمان ، بل ان الله عز وجل قد وعده بعذاب أخروي وبإحباط أعماله دون ان يدرج نهائيا فرض فصل الزوجين بعد الكفر ، بل ذكرهم بمآلهم في الآخرة ونبههم إلى هدم وإحباط أعمالهم إن هم فعلوا ! فقط لاغير !!!! 
لكي لا يتبلى علينا الأزاهرة بتفريق المرء عن زوجه كعقاب للكفر أو الردة ! فالقرآن واضح وضوح الشمس وصريح في هذا إلى أبعد الحدود ! 
فلماذا يحرم الأزاهرة ما أحل الله في قرآنه ؟ أم على قلوب أقفالها ؟ 
كان هذا حول تكفير الأزهر للتونسيين الذين عرفوا دين ربهم فأحلوا للمؤمنات المحصنات ما أحل الله لهن ! فالعزة لله وحده ولاعزاء للظالمين ! 
ولنعد الآية إلى سياقها مع تقدير طريقة قراءتها بوضع معقوفتين مكان ماهو محذوف من الآية بلاغة وليس خطأ .
" طعام الذين اوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم و { وكذلك} المحصنات من المؤمنات ،{ حل لهم } والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " وهنا نشكل الكلمة ( من قِبٓلِكُمْ ) وليس من قٓبْلِكُمْ . من قبلكم تعني هنا من لدنكم ! ليكون معنى الاية: احل لكم طعام اهل الكتاب واحلت لكم المحصنات منهن اللائي اتيتم أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان كما أحل طعامكم لأهل الكتاب وكذا المحصنات من المؤمنات . 
اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد ! 
اليكم الان الآيات التي تدبرناها في بحثنا هذا حيث يجب قراءتها جملة كي يتبين لنا الكلام واضحا صريحا من خلال السياق : " يقول رب العزة :" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ ۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (6) ۞ عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً ۚ وَاللَّهُ قَدِيرٌ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (7) لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (9) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ۖ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ۖ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ۖ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ۚ ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ۖ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (10) وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ (11) ، هذا بالنسبة لما يتعلق بعدم الامساك بعصم الكوافر في سياقها ،اما ايات التحليل بعد التحريم فهي هاته  حيث قال الله تعالى: "اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين". صدق الله  العظيم! 
وفي الختام تجدر الاشارة الى ان كلمة " اليوم " في هذه الآية لها دلالة عظمى واهمية قصوى لانها تفيد انه ابتداء من هذا اليوم ،وهو يوم نزول الآية، أحل لكم ماكان محرما عليكم في ظروف مؤقتة، فرضتها حالة العدوان والظلم والتهجير ! ولقد صدق العرب حين قالوا: " لكل مقام مقال ".
اجمالي القراءات 21329