ما هو الشرك ومن هم المشركون؟
ما هو الشرك ومن هم المشركون؟

مهيب الأرنؤوطي في الأحد ٢٢ - أبريل - ٢٠٠٧ ١٢:٠٠ صباحاً

المشرك بالمعني الواسع والقديم نوعان:
النوع الأول: هو أن يشرك المرء بالله تعالي أحداً.
وقد عبر القرآن عن هذا النوع من الإشراك بالآيات التالية في سورة الكهف:

(مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) (الكهف 26).
(لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) (الكهف 38).
(فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف 110).


في هذه الآي&cute;ات الثلاث نجد منع وتحريم الإشراك بالله تعالي بأحد من خلق الله سواء كان ذلك المخلوق من الملائكة أو من الإنس أو الجن في الدعاء والولاية والحكم والربوبية والعبادة، ونجد مثلاً في الآية التالية منع دعاء أحد مع الله:

(قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) (الجن 20).
(وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ) (يونس 106).
(أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الأنعام 40).
(وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (الجن 18).


لذلك لا يجوز للمسلم الموحد أن يدعو الرسول وهو يقول: (اشفع لي يا محمد) لسببين أولهما أن الشفاعة لله جميعاً وطلب الشفاعة من غيره سبحانه إشراك بالله، وثانيهما أنه لا يجوز دعاء أحد غير الله تعالي في دين الله القرآني قبل تبديله، والمسلمون اليوم يقولون غالباً عن جهل مشايخهم أو اللذين يظنون أنهم من أهل الله (ادعو لنا ربك بكذا)، وهذا أيضاً محرم علي المؤمنين الموحدين، كما لا يجوز أن نخشي في دين الله أحداً غيره سبحانه (وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ) (الأحزاب 39).

كما لا يجوز أن نتخيل وجود شفاعة لأحد مع الله يوم القيامة في قوله تعالي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ) (البقرة 254).

(قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (الزمر 44).

لذا فكل من يجعل مع الله تعالي أحداً سواء كان ذلك الأحد إلها افتراضياً كأن يؤمن المرء مثلاً بإلهين إله للخير مع إله آخر للشر، أو يؤمن بآلهة متعددة كما كان الرومان والقدماء يؤمنون بآلهة كثيرة ومتعددة تعدد ظواهر الطبيعة، فيجعلون لكل فصل من فصول السنة إلها، وللرياح والعواصف إلهاً، وللزلازل إلها مع آلهة أخري للأجرام السماوية كالشمس والقمر والكواكب والنجوم، وآلهة أخري للعواطف الإنسانية مثل إله الحب (كيوبيد)، أو إله للحياة مع إله للموت، وإله للحرب مع إله آخر للسلام.

أو يشرك بالشفاعة مع الله تعالي ملكاً ليشفع له كما كان عرب الجزيرة يفعلون في الجاهلية، مع أنهم كانوا يؤمنون بالله الواحد العلي القدير الذي ليس كمثله شئ، فكانوا يعبدون بعض الملائكة تقرباً إلي الله من أجل أن يشفع لهم عند الله تعالي يوم القيامة.

الله تعالي يحدثنا في أحسن الحديث الذي في القرآن العظيم مبيناً معرفتهم لله تعالي أصلاً: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (العنكبوت 61).

(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) (العنكبوت 63).

(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (لقمان 25).

(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر 38).

(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) (الزخرف 9).

(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) (الزخرف 37).


لكن مع إيمانهم بالله تعالي فقد عادوا ليشركوا مع الله تعالي الملائكة في موضوع الشفاعة: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (الزمر 3).

أو كان مثل أغلب أتباع المسيح اليوم يعتقد أن المسيح عليه الصلاة والسلام يشفع له ويخلصه من العذاب يوم الدينونة (الحساب يوم القيامة)، أو كان مثل أغلب المسلمين من أهل السنة اليوم يعتقد أن الرسول محمداً صلي الله عليه وسلم يشفع له ويخلصه من العذاب يوم القيامة، كل ما ذكرناه إلي الآن يقع تحت النوع الأول من الإشراك.

أما النوع الثاني فهو أن يشرك بالله تعالي شيئاً من الأشياء، وهو أيضاً من أشد المحرمات علي المؤمن التي نجدها أولي الوصايا العشر في الصراط المستقيم: (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا) (الأنعام 151)، كأن نؤمن مع كتاب الله بكتب أخري لا برهان لنا عليها أنها من ذات الله، أو نؤمن بحديث مع حديث الله بعد استنكاره سبحانه لأي حديث مع حديثه (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف 185).
ويقول تعالي أيضاً: (فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ) (الجاثية 6).

كل تلك الأنواع من الإشراك مع خطورتها يسهل علي المتعلمين والمثقفين تفاديها بسهولة، لكن هناك نوعاً آخر من الإشراك اسمه (الإشراك الخفي) يقع فيه غالباً عامة الناس بتسهيل من رجال الدين في مختلف الأديان الذين كما قلنا يخدمون في الظاهر مصلحة الناس، بينما في حقيقتهم هم أجراء لمن يدفع لهم من رجال الحكم والسلطة سراً أو علنا لتصبح وظيفتهم الأساسية تدجين الناس وتطويعهم لقبول وتمرير قرارات الحاكم مهما كانت ظالمة، وذلك بالاستشهاد بأحاديث مفتراة تنسب للرسول الكريم (ص) أقوالاً أو أفعالاً تبرر ما يفعله الحاكم من ظلم مع الرعية، وتجعل من تلك الأحاديث المفتراة سنة وقانوناً.

هذا النوع من الإشراك ينطبق فيما ينطبق علي المسلمين عامة من الذين يؤمنون بالله تعالي ورسوله محمد (ص)، وما يزالون يكنون له حباً أشد وأعظم من حبهم لله تعالي الذي خلقهم، لذلك فإنهم يجعلون له سنة مع سنة الله تعالي، وهدياً خاصاً به يسمونه (هدي محمد) وشفاعة خاصة أسموها (شفاعة محمد)، كل ذلك ظناً منهم أنها تقربهم إلي الله تعالي زلفي، وتخلصهم يوم القيامة من نار الله الموقدة تماماً كما كان مشركوا مكة يظنون.

وهنا يتبادر سؤال إلي ذهن القارئ وهو:
ألم يقل الله تعالي (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا) (العمران 49). ألا يكون هنا عيسي عليه الصلاة والسلام هو الفاعل للخلق؟....!!
ونقول له: إن المشكلة أن أغلبنا يقرأ آيات القرآن ناقصة فلا يستطيع إدراك مقاصد الرحمان منها إذ كان الأجدر بهذا القارئ الكريم أن يقرأ موضوع الآية بأكملها (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ) (العمران 49).

الفاعل للخلق هنا لا يزال هو الله تعالي وليس رسوله تماماً مثلما كان الله تعالي هو الفاعل لما كان موسي عليه الصلاة والسلام يرمي عصاه فتتحول أمام السحرة إلي أفعي حقيقية أو لتفلق الصخر عن ينابيع أو لتفلق البحر، إذ لا فعل هنا لرسوله إلا تحريك العصي وتستحيل علي أحد غير الله تعالي أن يحدث ما حدث وقتها.

والآن إذا عدنا للشرك بالله نستطيع أن نجزم أن كل تلك الفئات التي تكلمنا عنها من المؤمنين بموسي وعيسي أو بمحمد (ص) يمكننا أن ندرجهم تحت الآية الكريمة التي تقرر (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) (يوسف 106)، هذه هي بعض أنواع الشرك والعياذ بالله، ندعوا الله تعالي أن نكون من المسلمين الموحدين الطائعين لله تعالي إنه سميع قريب مجيب.

اجمالي القراءات 95392