فشل التطبيق أم النظرية.. دعوة للنقاش الحر

عمرو اسماعيل في الثلاثاء ٢٧ - مارس - ٢٠٠٧ ١٢:٠٠ صباحاً



هذا الموضوع ليس له علاقة بالظواهري وبن لادن وكل من يدور في فلكهما ولكن له علاقة بالنظرية التي يحملها هؤلاء ومشروعهم السياسي الذي يحمل رؤية أسلامية سياسية جهادية.. هم يؤمنون بضرورة فرضها بالقوة وغيرهم يريدون فرضها تدريجيا.. هم الجناح العسكري لحزب سياسي وايديولوجي تمثله جماعة الأخوان المسلمين وكل تيارات الاسلام السياسي في عالمنا ..
و تستمد أية فكرة أو نظرية شرعيتها ومنطقها من قابليتها للتطبيق العملي والآثار الإيجابية لهذا التطبيق وعندما يتبنى الإنسان فكرة أو نظرية ـ أية فكرة ـ ويؤمن بها ،و يحاول جاهداً تطبيق تلك الفكرة على واقعه، وعندما يستحيل هذا التطبيق.. ألا يجعلنا هذا نتساءل عن جدوي الفكرة هنا وصلاحيتها..
والفكرة هنا ليست الاسلام نفسه كدين ولكن الفكرة هي عن التطبيق السياسي لبعض الأفكار المستمدة من الأسلام.. عن كونه دين ودولة كما تدعي كل جماعات الاسلام السياسي.. الاسلام كدين ليس عليه أي اعتراض ولا يحاربه أحد كما يحاول أن يخدعنا البعض وله في نفوس أتباعه كل التقديس وله كل الاحترام حتي بين أتباع الأديان الأخري.. ولكن المشكلة التي تستحق النقاش.. هل فعلا الاسلام دين ودولة.. بل هل اي دين آخر عندما يخرج عن مجال عمله الحقيقي وهو كونه طريقا نحو معرفة الله والخير ووسيلة للتعبد لله.. يصبح مفيدا أم طريقا نحو التطرف ثم الأرهاب.. ولنا في الجريمة البشعة التي ارتكبها متطرف يهودي في بلدة شفا عمرو الفلسطينية دليلا علي أن التطرف الديني يحول الأنسان الي وحش يستهين بحياة البشر الآمنين ويستهين حتي بحياته نفسه.. التطرف هو النتيجة الوحيدة لتحويل الدين من مجاله الطبيعي والمفيد.. النفس البشرية وعبادة الله ومعرفته والتأسي بالمثل العليا التي يدعونا الله أليها في جميع الأديان.. الي مجال آخر يدعيه اتباع اي دين.. أن دينهم ينظم كل شئون الحياة.. وأنهم هم فقط من يرضي الله عليهم.. عندما يتحول الدين ألي ايديولوجية سياسية اقصائية لا تختلف في شيء عن الفاشية والنازية..
ومما لاشك فيه ان أسامة بن لادن وتابعه الظواهري استطاعا ان يكسبا اعجاب و تعاطف قطاع عريض من الشعوب العربية وخاصة بعد احداث 11 سبتمبر و بن لادن يتمتع بكاريزما اكتسبها من انه المليونير الذى فضل الجهاد والعيش فى الصحراء وبين الجبال على رغد العيش الذى يتمتع به كثير من افراد عائلته، كاريزما اكتسبها من انه استطاع ان يناجز أمريكا و هى حتى الآن لا تستطيع ان تضع يدها عليه رغم الملايين التى رصدتها و رغم اطنان القنابل التى قصفت بها جبال تورا بورا.. انها بلا شك صورة بطولية لشخص يؤمن بفكرة و يضحى من اجلها.. ولكن رغم ذلك هل افاد فعلا بن لادن المشروع الذى يؤمن به وضحى من اجله كما يعتقد الكثيرون ؟
هل أفاد بن لادن مشروع الدولة الإسلامية الذى ينادى به و بصوت عالي صاخب منظرو المشروع الإسلامي فى مقابل مؤيدي الديمقراطية و الليبرالية؟.
إن أسامة بن لادن قد سنحت له الفرصة التى لم تسنح لغيره من انصار المشروع الاسلامى السني لكى يثبت لنا إمكانية تطبيق هذا المشروع على ارض الواقع ولكنه فشل فشلا تاما فى اغتنام هذه الفرصة، لقد سنحت له بعد تحالفه مع طالبان وسيطرتهما معا على معظم أفغانستان الفرصة فى وجود الدولة التى يستطيع من خلالها أن يثبت لنا نحن انصار الديمقراطية وللعالم اجمع أن الدولة الإسلامية اليوتوبيا التى ينادى بها هو و أنصاره هي قابلة للتحقيق والازدهار والاستمرار، ولكنه لم يفعل وبدلا من ذلك بدا فى محاربة طواحين الهواء مما ادى فى النهاية الى وأد مشروعه فى المهد والى هروبه بين الجبال كبطل يصلح للأساطير الشعبية نعم ولكنه هو و مشروعه غير صالح للوجود على ارض الواقع.
سيقول أصحاب نظرية المؤامرة ان قوى الكفر العالمي تآمرت على بن لادن و على طالبان للقضاء على التجربة الاسلامية فى مهدها و هذا كلام غير حقيقي لأن طالبان فى بدايتها كانت تتمتع بتأييد جارتها باكستان و كانت تتمتع بتاييد معظم دول الخليج و دعمها المادي حتى وجود اسامة بن لادن بها هو و حلفاؤه من الأفغان العرب كان مرحبا به بطريقة او اخرى من الحكومات العربية كحل لمشكلتهم وابعادا لمشاكلهم وكانت تساعدهم أو تستغلهم المخابرات الأمريكية نفسها في البداية في محاولتها لتوريط الاتحاد السوفيتي وأرهاقه عسكريا واقتصاديا وهو ماحدث..
كما أن هناك نماذج أخري بين دول الخليج ترفع أيضا شعار الاسلام وتطبيق الشريعة.. فهل أفادوا حقا شعوبهم الاسلامية..
كان يستطيع بن لادن و حليفه الظواهرى تحت حماية الملا عمر الذى كانوا يطلقون عليه أمير المؤمنين أن يعملوا فى هدوء و روية لأقامة دعائم الدولة الإسلامية و مؤسساتها التى تحفظ لمواطني هذه الدولة كرامتهم الإنسانية و تحولهم لمواطنين نستطيع ان نفاخر بهم الأمم الأخرى، كانوا يستطيعون أن يثبتوا لأنصار الديمقراطية و العلمانية انهم كانوا فعلا يملكون رؤية واضحة و لكنهم لأنهم لا يملكون سوى الشعارات التى لا تصلح على ارض الواقع .. فشلوا فشلا ذريعا و لم نرى من هذه الدولة الا التمسك بالقشور كالعادة كمنع التليفزيون و الموسيقى والمسارح واضطهاد المرأة و منعها من التعليم وتحطيم التماثيل.. أما العدل و العمل و الإنتاج و بناء مؤسسات الدولة العادلة فلم نرى شيئا منها.. و بقت القبلية و العشائرية كما هى، وبقت زراعة وتجارة المخدرات المصدر الأساسي للدخل.. طالت اللحى ولبست المرأة ألشوال.. ولكن كل شيء آخر بقى كما هو ان لم يكن أسوأ.
ونتيجة لهذا الفشل الذر يع فى الداخل بدأ أسامة بن لادن مغامراته الخارجية بدآ من تفجير السفارة الأمريكية فى دار السلام و انتهاءا بتفجير برجى التجارة فى نيويورك وهى مغامرات قد تكسب تعاطفنا وإعجاب بعضنا علي اعتبار أنها مناطحة لقوة نعتقد أنها عدوة لنا بحكم تأييدها لأسرائيل وبحكم أحساس النقص الدفين داخلنا لتفوقها العلمي والحضاري والتكنولوجي.. ولكن هذه المغامرات لم تؤدى إلا إلى استعداء أمريكا و العالم علينا و الى تشويه الدين الأسلامى ووصمه بالإرهاب .. تماما كما أدت شعارات صدام الثورية ومغامراته العسكرية الي أن يصبح وجود القوات الأمريكية ضرورة في المنطقة لتحرير الكويت .
لقد كانت عند أسامة بن لادن الفرصة لأثبات نظرية الدين و الدولة فى الأسلام ولكنه فشل و اثبت لنا كما اثبت لنا التاريخ تكرارا و مرارا أن إقحام الدين فى السياسة لا يؤدى إلا إلى صراع دموي على السلطة مثل الذي بدأ بين الصحابة فى فجر الإسلام وكنا اعتقدنا اننا تخلصنا منه ليطل لنا من جديد فى نهاية القرن العشرين على يد أسامة بن لادن وأيمن الظواهرى وجماعات تيار الأسلام السياسي التي أخرجها السادات من جحورها.
لقد فشلت كل النظم الشمولية من قومية او شيوعية او دينية .. فدعونا نتحد جميعا بالمطالبة بالديمقراطية التي أثبتتنجاحها مرارا وتكرارا في تركيا واليابان وألمانيا وسنغافورة وماليزيا وأندونيسيا والأهم في جنوب أفريقيا .. ولنحتكم جميعا الى صناديق الانتخابات و نرضى جميعا بالنتيجة حتى لو كان الفائز هم الأخوان علي شرط أن يوافقوا علي كل أصول اللعبة الديمقراطية كما فعل حزب العدالة الأسلامي في تركيا.. دون إراقة دماء ودون اتهامات بالكفر و العمالة للشرق أو الغرب.. دعونا نخرج من ثقافة حب و لا أقول عبادة الأبطال سواء كان صدام أو بن لادن أو حتى عبد الناصر الى حب المواطن العادى و حقه فى الحياة الكريمة الحرة.. دعونا نتبنى ثقافة صناديق الأنتخاب..
لعله حلم آخر من احلام اليقظة أو من تخاريف خريف العمر..ولكن دعونا نتعلم من أعدائنا فنستطيع التصدى لهم.. أنه عصر العلم والعمل و التكنولوجيا وليس عصر البطولات الدون كيشوتية.. انه عصر المدير التنفيذي وليس عصر الزعامات التاريخية.
أما كون بن لادن يمثل خطرا محدقا علينا فهذه حقيقة أعرف أننى لن أستطيع أن أقنع بها ألا قلة من المثقفين و الليبراليين(الذين هم مقتنعون أصلا) ولكنى للغالبية أقول أن النظام الذى يدعونا اليه بن لادن هو نظام مشابه لطالبان، ألم يكن يسمى بن لادن الملا عمر أمير المؤمنين، هل نريد نظاما مثل طالبان يتسلط علينا و يحرمنا من أبسط حقوقنا و هى حرية الإرادة و الأختيار بل و حرية الخطأ، هل نريد نظاما يحرمنا من الاستماع ألى الموسيقى و ويحرمنا من الأبداع الفني والأدبي .. و يعتبر المرأة عورة.. أنى أسأل الشباب وخاصة الفتيات هل هذا ما تريدونه فى مجتمعاتنا .. هل تريدون أن تصبحوا أسرى داخل المنازل لا فرق بينكن و بين الإماء فى شيئ ، و هل نريد جميعا نظاما يعلق المشانق لمن يعارضه بحجة أنهم مارقون من الدين ، هذا هو الخطر المحدق الذى يمثله بن لادن و منظومته الفكرية ..
و لكن الأخطر أن الأنظمة الحالية لن تستطيع مقاومة ظاهرة بن لادن و القضاء عليها تماما إذا لم تستلهم فكرة العدالة الاجتماعية، إذا لم تستطيع أن تكسب قلوب شعوبها.. أن الأنظمة الحالية وكل الحالمين بالديمقراطية و حقوق الإنسان و أنا منهم سيخسرون أمام بن لادن أن لم ينحازوا هم و الأنظمة ألى الغلابة.. المفتاح هو قلوب الغلابة ، من يكسب قلوبهم سيكسب فى النهاية و للأسف حتى هذه اللحظة يبدو أسامة بن لادن و منظومته هو المنتصر في كسب قلوب الغالبية المغيبة عقولهم نتيجة المفهوم الأفيوني للدين والذي ينشره فقهاء السلطة والمتاجرين بالدين ممن يسمون بالدعاة الجدد.. وأذا أردنا التخلص من آفة بن لادن و تأثيرها الهدام علي مجتمعاتنا نتيجة انتشار مفاهيمها الظلامية فيجب أن تتضافر جهود عقلاء هذه الأمة في نشر قيم الحرية و العدالة الأجتماعية و الوقوف في وجه فقهاء السلطة و المتاجرين بالدين الذين يخلقون التربة المناسبة لانتشار أفكار بن لادن و الجماعات الموالية له.. كما يجب أن يقتنع حكامنا أنهم أن كانوا غير قادرين علي منح شعوبهم الديمقراطية خوفا علي كراسي الحكم فعلي الأقل فليمنحوا شعوبهم العدالة الأحتماعبة و الحد الأدني من الحياة الكريمة.

لقد فشلت نظم الحكم الشمولية يسارية كانت أم يمينية و فشل بن لادن كما فشلت كل جماعات الأسلام السياسي وما يمثلونه من أفكار رجعيه تريد أن تعود بنا الي العصور الوسطي ولم ينجحوا إلا في نشر العنف و القتل و أهدار الدماء البريئة والأهم استعداء العالم كله علينا ولكن للأسف لا تري غالبية الشعوب العربية ذلك لأن بن لادن هو البديل الوحيد المطروح في مقابل ظلم و ديكتاتورية حكامها.. والحكام بالتعاون مع هذه المنظومة الدينية الشمولية يعطلون التحول الديمقراطي الذي تلوح بشائره في العالم العربي عامة ومصر خاصة..
فهل هناك أمل .. نعم هناك أمل ومصر ستقود هذا التحول الديقراطي في المنطقة .. التحول الذي سيكون فيه النهاية للأرهاب وللتدخل الأجنبي في شئوننا بحجة محاربة الأرهاب .. كما انتشرت موجة التحرر من الاستعمار من مصر في خمسينات القرن الماضي .. ستنتشر موجة الديمقراطية والدولة المدنية من مصر ابتداءا من هذا العام .. ابتداءا من يوم السابع من سبتمبر عندا يمارس الشعب المصري كله بجميع طوائفه حقه في انتخاب رئيسه ثم حقه في انتخاب ممثليه بحرية وشفافيه بعد ذلك .. رغما عن أنف الحكومة وعن أنف كل أنصار المقاطعة وأنصار النظم الشمولية ليجبر الرئيس ايا كان هذا الرئيس علي استكمال الاصلاحات السياسية المطلوبة .. قد يعتبر البعض أن هذه نبوءة مخرف وهذا حقهم .. ولكن ليتذكروا أن الحكمة تأتي أحيانا من أفواه المجانين ..
لنا الله

اجمالي القراءات 10078