.
مصر ليست بلاد القبط وموسى وبنوإسرائيل لم يخرجوا من مصر لأنهم لم يعيشوا فيها قط - سلسلة مقالات (1)

نبيل هلال في الأحد ١٢ - يناير - ٢٠١٤ ١٢:٠٠ صباحاً

ليس عليك تصديق ما أقول قبل أن تفكر فيه , فما تظنه عاديا الآن سيصبح بعد قليل غير منطقي . وقد يُرمى من يفعل فعلنا بأنه من دعاة التشكيك , لكن لم يكن يقين قط حتى كان قبله شك , ولم ينتقل أحد من اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال من الشك . ولما كانت البصائر الزائغة عن الحق أكثر من الثابتة عليه , فقد قصدنا بهذا الكتاب أصحاب العقل والمنطق , فالعوام أقل شكوكا من الخواص , لأنهم لا يرتابون بأنفسهم , فليس عندهم إلا التصديق المجرد . وليس من أبواب الكتاب باب إلا وقد دخله شذرات من أبواب أخر بغرض رصد الحقيقة من زوايا عدة , الأمر الذي أوجب بعض الإطالة ,ولكن ليس بإطالة ما لم يجاوز مقدار الحاجة . وحسبنا أننا لم نذكر شيئا مما يعتبره التراثيون مقدسا عصيا على الانتقاد ,إلا ومعه شاهد من العقل والكتاب . وبعد فأي عاقل يسره أن يضع رأسه في الرمال توقيا للشعور بالشك والكفران بما ورثه عن الأجداد ! والله وحده المستعان. وكتابة مثل هذا الكتاب محاولة لا تخلو من المخاطرة إذ تصطدم بثوابت تراثية وحواجز نفسية, وتعمد إلى مواصلة مسيرة خلع صفة القداسة عن غير المقدس , وتفند ثوابت ومعتقدات ضربت بجذورها في الوعي المسلم منذ أجيال وأجيال , حتى غدا مجرد التشكك فيها كفرا يستوجب ضرب عنق القائل به , فمغمض العينين لمدة طويلة يشق عليه فتحهما فجأة على نور الشمس , فيتأذى ويعاود إغماضهما ليعود مرة أخرى إلى ظلام لا يعاني فيه من مشاق الشك والتفكير, وينعم فيه بسكينة مزيفة يتيحها له الجهل والتسليم. والأريب لا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا فَهِما وشهودا عدولا , فأرجو -كل الرجاء - أن أجد من بين قراء الكتاب الشهودَ العدول . ولا أعقد الأمل على وُعَّاظ العنعنة, فمثلهم كفزاعة الطيور (خيال المآتة) الذي تظنه العصافير حاميا للزروع , في حين أنه لا يزيد على قطعة بالية من القماش , وإن انخدعت العصافير فيه , فعذرها في سفه أحلامها , لكن ما عذرنا نحن؟ وعلى العاقل أن يمتلك أدلة على صحة معتقده ,لا أن يكون إيمانه كإيمان العجائز ممن لا يملكون الدليل على صحة ما يعتقدون , فإيمانهم موروث- ما وجدنا عليه آباءنا- والبسطاء لا يملكون القدرة على النظر فيما يعتقدون . وما زلنا - نحن مسلمي اليوم- نتبع ما ألفينا عليه آباءنا , وليس بالضرورة أن يكون آباؤنا هنا هم الأسلاف والأجداد , وإنما هم من سبقونا من المشايخ , العالِم منهم والجاهل , فما زالت المرويات والموروثات تمثل عماد ما نؤمن به وإن مجها العقل ورفضها المنطق. وكلما زادت سطوة المقدس على الفكر , كلما أمكن سَوْق الناس وكسب طاعتهم , لذا فقد استهدف الكهنوت في كل العصور إضفاء القداسة على الكثير من الأشياء : أفكار وأزمنة وأماكن وأشخاص وحروب وحوادث , بل حتى أخطاء وجرائم بعض السابقين. فالموروث الديني مكون من تراكمات "مقدسة" لكل هذه المقدسات غير المقدسة. ويعيش الإنسان المتدين وفقا لمراد الكاهن , في رعب دائم من انتهاك المقدس , أي مقدس , فتتحكم الميثولوجيا في بنيته الذهنية والسلوكية , ويسهل انقياده , فيوجهه الكهنة في أي وجهة أرادوا. وهذا الكتاب رد وتصدي لهجوم أعداء الإسلام ممن يجهلون صحيحه ولكن يعرفون المدسوس فيه , أو ممن يعرفون صحيحه لكن يخشون منه على مصالحهم . وموروثنا الإسلامي لا يملك إجابات مقنعة عن الأسئلة التي يطرحها غير المسلمين. يقول المبشر تاكلي‏:‏ "يجب أن نستخدم القرآن، وهو أمضى سلاح في الإسلام، ضد الإسلام نفسه، حتى نقضى عليه تماماً، يجب أن نبين للمسلمين أن الصحيح في القرآن ليس جديداً،وأن الجديد فيه ليس صحيحاً ‏. ‏ ويقول المستشرق البريطاني مونتجومري وات في جريدة التايمز اللندنية، في آذار من عام 1968‏:‏ "إذا وُجد القائد المناسب,الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام، فإن من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى في العالم مرة أخرى‏ .‏‏‏ وما من عاقل يرى الوقوف عند مايراه الأقدمون , فلنا أن ننظر كما نظروا , ولنا أن نجتهد كما اجتهدوا , ولنا أدواتنا كما كان لهم أدواتهم , ولا يمكن التغافل عما تتيحه الأيام من تنامي المعارف التي تعِين المجتهد على اجتهاده. وكان الأحرى بمن أسموا أنفسهم برجال الدين, أن يتولوا تنقيح التراث بدلا من السكوت عنه , وأن يتبنوا مشروع توفير ترجمات معاصرة للقرآن الكريم , أو يتعلم بعضهم اللغات الأجنبية لنشر الإسلام بين غير المسلمين , ولكن أنَّى لهم ذلك ومنهم المشغول بحضور ندوات الفضائيات ولقاءات النوادي الرياضية , ومنهم رعاة الخطاب الديني الساذج, ومنهم من يجهل ضرورات العصر (فيحرِّم زرع الأعضاء مثلا), ومنهم من لا يزال خارج العصر فيجرِّم من يقول بغزو الفضاء ,ومنهم من يقاضي كل صاحب رأي مخالف , ومنهم مَن كل حظه من الدين تفسير الأحلام وتأويل الكوابيس , وظنوا أن أسلافهم قد بلغوا حد الكمال ولم يتحمسوا لفعل أي نشاط جاد ومجدد يذهب بهم إلى أبعد مما وصل إليه أجدادهم منذ أكثر من ألف سنة .وقد استعنا في كتابنا هذا ببعض أقوال من ليسوا من بني جلدتنا , فلن يزري بالحق أن تسمعه ممن هم على غير دينك, فقد يقول الحكمة غير الحكيم وتكون الرمية من غير الرامي. وكان همنا أن نحرص على إيجاز الفكرة , إلا ما كان من تكرار اضطررنا إليه بغية رصد الأمر من زوايا شتى . بتصرف من كتابنا ..... بين القرآن والتراث- نبيل هلال هلال

اجمالي القراءات 12075