البحث عن مفهوم " جان " في قوله تعالى: وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ
تدبر: فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ

ابراهيم ايت ابورك في الأربعاء ١٧ - يوليو - ٢٠١٣ ١٢:٠٠ صباحاً

البحث عن مفهوم " جان " في قوله تعالى: وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ
بقلم: ابراهيم ايت ابورك

يقول تعالى: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى
من خلال التأمل في الآية يتضح أن:

الأرض خاشعة -< نزول الماء -< الأرض اهتزت -< إحياء الأرض


إحياء الأرض بعد نزول الماء دليل على أن " الأرض خاشعة " هي أرض ميتة ساكنة تفتقر للحياة, ونزول الماء أدى إلى اهتزاز الأرض بعدما كانت خاشعة.
إذا: الخشوع هو ضد الاهتزاز
وقلنا أن " الأرض خاشعة " هي أرض ميتة ساكنة تفتقر للحركة والحياة وبالتالي " الأرض اهتزت " هي أرض حية فيها حركة غير ساكنة.
فالاهتزاز إذا هو عبارة عن حركة و في هذه الحالة من الأسفل إلى الأعلى بفعل خروج النبات من الأرض الميتة بعد نزول الماء.

يقول تعالى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا
هزي من الجذر اللغوي ( هـ , ز ) والذي بينا أنه يفيد الحركة, إلا أن الحركة في هذا المثال ليست من الأسفل إلى الأعلى وإنما حركة متكررة جيئة وذهاب من أجل إسقاط الرطب.

فاهتزت في الآية: [ فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت ] تفيد حركة واحدة تبدأ من الأسفل وتنتهي إلى الأعلى بخروج النبات من الأرض ( غير متأرجحة بين قيمتين )

بينما تهتز في الآية [ فلما رآها تهتز كأنها جان ] تفيد حركة متكررة ومستمرة ومتأرجحة عكس ( اهتزت )
وبما أن شكل العصا وحالته الفيزيائية مقرون بحالة وشكل جذع النخلة, فإن حركة اهتزاز عصا سيدنا موسى عليه السلام هي نفس حركة اهتزاز جذع النخلة.
فمن أجل إسقاط الرطب فالحركة هز جذع النخلة تكون جيئة وذهاب ومتكررة, إذا حركة عصا موسى عليه السلام أيضا تتأرجح جيئة وذهاب كجذع النخلة تماما.

والسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه الآن هو: هل هناك علاقة بين كلمة " جان "  في الآية الكريمة [ والق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ] وبين كلمة " جنيا " في قوله تعالى [ وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ] ؟

قد بينا سلفا أن عصا موسى تهتز كاهتزاز جذع النخلة, ونعلم أن الرطب ( التمر ) ملتصق على قمة هذا الجذع إذا من المنطقي أن حركة الرطب أيضا ستأخذ نفس حركة اهتزاز جذع النخلة والتي قلنا عنها أنها حركة متأرجحة ومستمرة جيئة وذهاب ( يمكن أن نطلق عليها حركة جَنية ), الشيء الذي اضفى صفة " جنيا " على الرطب إذا " رطبا جنيا " بمعنى رطب متأرجحة جيئة وذهاب.
طبعا سيقول قائل أن " رطبا جَنيا " تعني تمور ناضجة أي جَني بمعنى ناضج, لكن ألا ترى معي أن كلمة " رطبا " نفسها هي صفة للتمر الناضج وهو ضد اليابس أنظر إلى قوله تعالى [ وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ] فضد الرطب هو يابس مما يعني أن " رطبا " تعني تمور ناضجة غير يابسة فالنضج هو تحصيل حاصل مما يجعل " جنيا " صفة لحركة اهتزاز هذه التمور الرطبة الناضجة نتيجة هز جذع النخل حتى يتسنى لها السقوط, مما يفسر اشتراك كلمة " جنيا " مع نفس الجدر اللغوي لكلمة " جان" وهذا الاشتراك هو في الحركة المتأرجحة جيئة وذهاب.


لذلك سميت الجنة بهذا الاسم لحركة عناصرها المتأرجحة جيئة وذهاب ( اهتزاز ) بفعل حركة الرياح ( كاهتزاز جذع النخلة وأوراق وأغصان الأشجار ) وإذا أضفنا أن الجذر اللغوي ( هـ , ز ) بجميع أشكاله: هُزّي – اهتزّت في جميع الآيات في القرآن الكريم يأتي دائما مرتبط بحركة العناصر المادية المكونة للجنة ( الحديقة أو البستان )
أمثلة:
- وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
- وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
- وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا
  
وبذلك نسلم أن كلمة " جان " في قوله تعالى [ وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ] لا يمكن أن تكون إلا أحد عناصر المادية المكونة للجنة كساق النبات أو جذوع النخل مثلا, خصوصا إذا علمنا أن اهتزاز عصا سيدنا موسى في هذا الوقت لم تتحول إلى ثعبان لأنه لم يواجه بها فرعون بعد كما تبين الآيات التالية:

-
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ
- وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
- وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ

إذا كل ما فعلته العصا هو اهتزاز بسيط يشبه حركة اهتزاز جذع النخلة حتى يتبين لموسى عليه السلام أن عصاه اكسبها تعالى قدرات خارقة من أجل مواجهة فرعنة فرعون على الأرض ومن أجل كسر حاجز الخوف أو الخشية في قلب موسى عليه السلام قبل المواجهة كما تبينه الآية الكريم [ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ]

اجمالي القراءات 22946