وفي العصور الرومانية واليونانية والفارسية والقبطية
آثار الخارجة القديمة في العصور الفرعونية

محمد عبدالرحمن محمد في الأربعاء ٢٦ - سبتمبر - ٢٠١٢ ١٢:٠٠ صباحاً


 

               معبد الناضورة ومعبد الزيان

وترجع تسمية هذا المعبد بالناضورة لاستخدامه كنقطة مراقبة في عهد المماليك والأتراك، ولكن هذا المعبد تم تشييده في العصر الروماني على ربوة عالية جنوب شرقي معبد هيبس وعلى مسافة2كيلو متر شمال مدينة الخارجة وقد شيد هذا المعبد (هادريانوس, وأنطونيوس بيوس) لعبادة الإلاهة أفروديت وما زالت به بعض الكتابات الهيروغليفية والعناصر التي تصور الملك وهو يقدم القرابين للإلاهة .

 ولأن هذا المعبد مقام على ربوة عالية تستطيع  كشف مساحة كبيرة من طريق درب الأربعين التي كانت تسير عليه القوافل من أسيوط إلى دارفور بالسودان فقد كان يتم فيه تحصيل جباية المكوس من القوافل.

 معبد الزيان:

وقد تم بناء هذا المعبد في العصر اليوناني الروماني وقام الامبراطور أنطونيوس بيوس  بترميمه عام 138ق.م.  وقد أقيم هذا المعبد لعبادة الاله( آمون هبت)  أي آمون المعبود في مدينة الخارجة وكانت المنطقة تسمى ـ تشونميرس ـ  وتذكر النصوص أيضا والتي مازالت موجود على مدخل القاعة الرئيسية للمعبد أنه تم تقديمه في يوم18مسرى من العام الثالث الامبراطور أنوطونيوس بيوس ويوافق ذلك 18أغسطس عام140ق.م.

معبد دوش:

   ويوجد هذا المعبد جنوب شرق الخارجة وعلى بعد 123كيلو متر منها ويقع في ملتقى درب الأربعين ودرب إسنا الذي يصل باريس  بإسنا ووادي النيل.

  وقد شيد هذا المعبد لعبادة الإلاهة (إيزيس) والإله سيرابيس كما جاء بالنص اليوناني على البوابة الأولى من الناحية الشمالية،وقد أكدت الاكتشافات الحديثة أن هذا المعبد شيده دومنيان وتراجان وهارديان، وهو مبني من الحجر الرملي ويوجد على جدرانه كتابات  ومناظر تبين الامبراطور هارديان وهو يقدم القرابين للآلهة المصرية ومنها أوزوريس وإيزيس وحورس، وكذلك الإله الإغريقي سيرابيس.

 وخلف المعبد من الناحية الجنوبية يوجد منظر للإمبراطور هارديان  يقدم القرابين للإله آمون رع  والإله تحوت  والإلهة إيزيس والإله حورس.

  وإلى الغرب من هذا المعبد  توجد قلعة ضخمة من العصر الروماني اليوناني مكونة من أربع طوابق من الطوب اللبن، وقد تم العثور على العديد من القطع الأثرية الهامة بهذه القلعة ومن أهمها:

 كنز ذهبي مكون من تاج وقلادتين وأسورتين من الذهب الخالص وقد تم نقل هذا الكنز إلى المتحف المصري بالقاهرة وهناك مجموعة من المقتنيات  تعبر عن شكل الحياة في العصور الفرعونية والرومانية منها مجموعة من السكاكين والمكاشط من عصر ما قبل الأسرات ومجموعة من الأواني مختلفة الشكل والطراز من المرمر تعود لعصر الدولة القديمة ومجموعة رائعة من الحلي والعقود والتمائم من الأحجار الكريمة ومجموعة من التوابيت الخشبية مغطاة بالنقوش والصور الملونة، وكذلك مجموعة من التماثيل الخشبية للآلهة والإلاهات والحيات، ومجموعة من الطيور المختلفة أنثى(العقاب والأبيس والثور)، ولوحات حجرية منقوشة أهمها :

1-   لوحة عليها رسم بارز للإله آمون

2-   ومجموعة من المساحر

3-   وكتاب يضم لوحات من الخشب عليها كتابة قبطية

4-   عدة تماثيل على شكل أبو الهول لأنثى مجنحة بوجه آدمي من القرن الثاني قبل الميلاد.

هنا يرقد الغزاة:

  في القرن السادس قبل الميلاد ـ كانت غزوة الفرس لمصر، فأعادوا تعمير طيبة، واتخذها قمبيز بن كسرى مقراً للحكم.. وعادت تجارة السودان مع البحر المتورسط مسيرتها الأولى وانقطعت القوافل من درب الأربعين.. وأحس كهنة آمون بضيق في الأرزاق.. فإن الغزاة يدوسون أرض مصر  ويهلكون الحرث والنسل.

 وتفجرت المقاومة المصرية للغاضبين على لسان كهنة آمون وأعلنوا أن  حكم الفرس لمصر لن يطول! وحياة قائدهم قمبيز نفسه سوف تنتهي بكارثة! هكذا أراد آمون!

  استشاط قمبيز غضباً عندما وصلته هذه النبؤة التي تتردد على ألسنة العامة، فقرر أن يزحف على سيوة من طيبة ـ الأقصرـ لينتقم من هؤلاء الكهنة، ويحرق ويهدم معبدهم ويذبح آمون أيضاً!

وسار قمبيز على رأس جيش من خمسين ألف مقاتل وهذا يدل على وفرة الخيرات في الواحات آنذاك وكان المقاتلون بخيولهم وجمالهم فوصلوا الواحة الخارجة في عشرة أيام ، وأقاموا استعداداً لمواصلة الزحف.

 أقام قمبيز في مدينة المحراث (الخارجة) وعسكر جيشه على امتداد تسعين كيلو متر في سهل ـ بيريز ـ  ونسميها خطأً (باريس) الآن وهو اسم بيريز  قائد وأركان حرب قمبيز وقد أقام في هذه الواحة وأسماها بإسمه بيريز وليست باريس  حتى يتم تموين الجيش ويستريح ، حتى صدرت إليه الأوامر بالتحرك لمسيرة خمسة عشرة يوماً حتى واحة سيوة.

واتخذ قمبيز من أهل الخارجة أدلاء من قصاصي الأثر ليسيروا في طليعة الجيش إلى سيوة ليوجه الضربة القاصمة لظهر آمون وكهنته ومعبده.!.

وتقدم الأدلّاء الجيش.. فهل وصل هذا الجيش إلى سيوة؟ يجيب عن ذلك هيرودوت المؤرخ الإغريقي بقوله:

(سئل كهنىة آمون عن مصير تسعين ألف مقاتل فارسي جاءوا ليقتلوهم ويحرقوا معبدهم؟ أجاب الكهنة: لقد أصابتهم لعنة آمون! لم يصل جندي منهم إلينا هنا في واحة آمون(سيوة)  ولم يعد منهم جندي إلى (الخارجة) حدائق آمون؟

  ويواصل هيرودوت الجواب:

 لقد ضللهم أدلاء الخارجة،وقادوا هذا الجيش العرمرم إلى شاطئ بحر الرمال، وهبت عاصفة عاتية راعدة والجيش مقبل يأكل ويستريح،واشتدت العاصفة واستمرت عدة أيام، كان الجيش خلالها يدول حول نفسه داخل ثورة الرمال،حتى نفذت الأقوات وغرق معظم الجيش في بحر الرمال.. وأكل الباقون بعضهم بعضاً بالقرعة..

ولم تهدأ العاصفة حتى كان الجيش كله مستقراً في جوف بحر الرمال بين الخارجة وسيوة، وجُن جنون قمبيز ودفن مع جيشه.!.


 ثم أراد ملك الفرس الجديد (داريوس)  أن يصلح ما أفسده أبوه من علاقات بأهل مصر،فأسرع داريوس بإصلاح ما خربه جيش قمبيز في الواحات، وخاصة بناء معبد ـ حيث ـ  في شمالي الخارجة وما يزال هذا المعبد قائماً يتحدث إلى الدنيا كلها بآثار الفراعنة والفرس والرومان، ومحفور على جدران هذا المعبد  أن مدينة المحراث كانت قائمة وسط أرض خضراء واسعة تقدر بمليون فدان.. ذلك بجوار نظم الحكم المحلي في الواحات من عهد الأسرات.


 وقد تعرض قمبيز لأشد الانتقادات التاريخية  لعظم النكبة التي حلت بجيشه حيث وجه جيشه إلى غير الطريق السليمة بينما كانت أمامه طرق كثيرة غير طريق (طيبة ـ الخارجة) أوفر سلامة واٌقل خطراً.

 ولكن ملكاُ مثل قمبيز كانت له أغراضه الحربية والسياسية من انتهاج هذا الطريق وأقرب هذه الأغراض إلى الذهن:

1-   المرور بالخارجة وفرض سلطانه عليها وكانت في ذلك الوقت أهم الواحات.

2-   التزود منها بالمؤن لوفرة محاصيلها وخيراتها.

3-    ارتياد الواحات الخرى الواقعة في طريق الجيش كالواحات الداخلة والفرافرة والواحات البحرية، لإعلان غزو الفرس للديار المصرية.

4-   ضمان تمويل الجيش على طول الطريق في فترات متقاربة بين كل واحة وأخرى لاتتجاوز الخمسة أيام سيراً.

  واحة الداخلة في العصور الفرعونية والرومانية

 كانت واحة الداخلة قديما تسمى (أوحات رست) أي الواحات الجنوبية، كما سميت بإسم ـ باتسنو إن أوحات ـ  وكانت تسمى أيضاً  ـ كنمت ـ  وعاصمتها (تسي تسي) أي قطع الأرض وشقها للزراعة، وتكرر ذكر الواحات الداخلة في العصور الفرعونية لجودة نبيذها ووفرة الكروم بها، وحتى الآن هناك نوع من العنب بالواحات الداخلة لايوجد له مثيل في بر مصر.!!

  وقد عثر على لوحات من الأسرة الثامنة عشرة في قرية بلاط التابعة للداخلة، وفي نفس القرية يوجد قلاع العنبة التي تحتوي على  خمس مصاطب مصنوعة من الطوب اللبن،  وعين أصيل وهى المدينة السكنية .

 وهذا الأثران المهمان يثبتان قدم الحياة والعمران بالواحات الداخلة ويعود تاريخهما للأسرة السادسة الفرعونية في الفترة2420ق.م. ويدل ذلك أيضاً على أن منطقة بلاط كانت مقر حكام الواحات في العصور الفرعونية (الدولة القديمة والوسطى) وكان بها البلاط الملكي في عصر الملكين بيبي الأول والثاني.

 وفي بلدة القصر توجد بقايا معبد للإله تحوت وبالقرب منه على مسافة عشرة كيلومترات  يوجد معبد دير الحجر ويرجع إلى العصر الروماني، وكان يطلق عليه اسم (است اعج)  وتعني أرض القمر وبناه كل من نيرون(54ـ 86م) وكذلك دومينيا (81ـ96م) وكان يعبد فيه الإله آمون رع إلى جانب بعض الآلهة المصرية.

  وهناك عدد من الآثار الفرعونية والرومانية لم يمكن الكشف عنها كلية مثل معبد (بربيعة) بالقرب من قرية البشندي وهو مدفون تحت الأرض وتم كشف أجزائه الأمامية فقط وشيد لعبادة الإله آمون.

 كما يوجد هناك بمنطقة  أسمنت الخراب وهى ضواحي قرية أسمنت يرجع تاريخها إلى العصرين اليوناني والروماني واستمر استخدامها حتى العصر الاسلامي.

وتحوي العديد من المنازل والكنائس والمقابر  ومعبد من الحجر الرملي والطوب اللبن ومن الكتابات الهيروغليفية عليه اتضح أنه مشيد لعبادة الإله"توتو"وهو إله لم يذكر من قبل في النصوص القديمة.

  (تل مرقوله) وهو جبانة  مبنية بالطوب اللبن بالقرب من مدينة موط عاصمة الواحات الداخلة، وهو موط وهو التعديل للإسم القديم للإلاهة ـ Mut ويرجع تاريخ هذه الجبانة للعصر الصاوي.

(موط الخراب) وهى بقايا مدينة سكنية كبيرة ترجع للعصر المتأخر.

(الأمهدة) وهى مجموعة من المباني السكنية من الطوب اللبن وبها العديد من الهياكل ويرجع تاريخها للعصر اليوناني الروماني.

(بئر العرب)  وهى جبانة ضخمة بعضها مبني بالطوب اللبن وبعضها منحوت في الصخر.

(مقبرة كيثانوس)  وهى مقبرة قرب قرية البشندي مبنية بالحجر الرملي ويرجع تاريخها للقرن الأول قبل الميلاد والأول الميلادي وصاحبها يدعى كيثانوس  وعلى جدرانها كتابات هيروغليفية ومناظر تمثل صاحب المقبرة وهو يقدم القرابين للآلهة المصرية أوزوريس وحوس وأنوبيس.


(مقبرتا المزوقة)  وهما مقبرتان منحوتتان في الصخر ويرجع تاريهخما للعصر الروماني وقد تم العصور على العديد من القطع الأثرية داخل هاتين المقبرتين اللتان اكتشفهما

د. أحمد فخري رحمه الله تعالى الذي كان يعشق آثار مصر ويعاملها كما يعامل أطفاله الصغار فكان في كل كشف أثري يلف التماثيل والأحجار بالقماش والشاش والكرتون عند نقلها للمتحف حتى لاتخدش وتضيع بعض الكتابات المنقوشة عليها.. هكذا قص عليّ الأستاذ حسين عبدالسلام أو حسين زخيرة رحمه الله من معايشته للدكتور أحمد فخري. وكان كشفه لمقبرتا المزوقا في أوائل السبعينات وأسماها المزوقة لكثرة ألوانها ووضوحها والمزوقة تحوي العديد من المقابر المنحوتة في الطفلة من جميع النواحي وعليها رسوم تمثل عقيدة الإيمان بالبعث وبالحساب  ومناظر الحصاد وطقوس عملية التحنيط، والأبراج السماوية المختلفة ومنها الإلهتان الحاميتان إيزيس ونفتيس، وأبناء حورس الأربعة(أمستي .. جالي.. قبح سنواف.. داموت إف).

  الواحات في العصور القبطية

عندما دخلت المسيحية مصر في العصور الرومانية اضطهد الرومان المسيحيين المصريين بشدة، مما دفعهم للهرب إلى الواحات وما زالت مدينة الأموات أو دير البجوات ومقابرها  التي تبعد عن مدينة الخارجة بمسافة قليلة تشهد على هذا العصر، حيث يوجد 263هيكل ومزار وكنيسة وهى تعد المدافن الرئيسية للمدينة وسجلاً غنياً لدراسة العمارة  والفنون المبكرة للعصر القبطي أن مبانيها تعبر عن عدة طرازات معمارية مختلفة، ويقال إن إسم البجوات هو تحريف لإسم القبوات  لأن مباني هذه المدينة مغطاة بالقباب والغريب في هذه المباني أن كل قبو كان داخله قبر يدفن فيه صاحب المنزل بعد وفاته.!

وهناك آراء تقول أن هذه المباني لأتباع "نسطور"  وكان أسقف القسطنطينية أيام الحكم الروماني وقد فر إلى الواحات بسبب آرائه المتطرفة وقد تبعه الكثيرون من المؤمنون به. وبالبجوات عدد من المزارات لقرون ميلادية مختلفة مثل مزار الخروج، وهو أقدم المزارات ويرجع تاريخه إلى القرن الرابع الميلادي، وبه رسوم لخروج  موسى وقومه من مصر وخلفهم جيش فرعون.

 ومزار السلام ويرجع تاريخه للقرنين الخامس والسادس الميلاديين، وبه رسومات مترجمة لقصص الكتب المقدسة  مثل آدم وحواء وابراهيم وابنه يعقوب وسفينة نوح.

 هناك دير آخر  يبعد من البجوات قليلا يسمى دير "مصطفى الكاشف"  وقد سمى بهذا الاسم لاستخدامه في جباية الضرائب في العصر التركي،  وقد أسفرت الحفائر  عن كشف المساكن الحقيقية لمدينة البجوات بجوار عين سعف ولذلك تم تسميتها ـ مدينة عين سعف ـ  وبجوار المدينة يوجد عدة مقابر صخرية منحوتة في الصخور وكنيسة يرجع تاريخها للقرن الخامس الميلادي.

 كنيسة شمس الدين:

 يرجع تاريخ هذه الكنيسة إلى القرنين الخامس والسادس الميلاديين وهى مشيدة من الطوب اللبن ولم يبق منها إلا الجدران ويحيط بالكنيسة من جميع الجهات عدد من المساكن والمقابر وتقع في شمال قرية باريس.


والذي يذكر عن الزراعة في العصور القبطية السابقة للفتح الاسلامي، أن زراعة الكروم وصناعة النبيذ كانت متقدمة جداً في الواحات.

 ونكمل لاحقاً تاريخ الواحات في العصور الاسلامية.


 


 

اجمالي القراءات 22869