هذه أفكاري لمليونية الخروج من الجحيم!

محمد عبد المجيد في الأحد ١٢ - أغسطس - ٢٠١٢ ١٢:٠٠ صباحاً

 

مليونية ضد الإخوان المسلمين ستكون لصالح المشير وتوفيق عكاشة وسيشترك فيها البلطجية.
مليونية ضد الإخوان المسلمين والعسكر ستفشل لأن الإخوان سيقفزون فوق الجزء الخاص بالعسكر منافحين عنهم بحجة أنهم يدافعون عن جيش مصر الوطني.
مليونية ضد العسكر فقط ستفشل لأن الجماعات الإسلامية تقاسمت سرقة الثورة مع الجنرالات ، وسيأمر المرشد بخروج الآلاف لحماية الجيش، كما سيزعم قبلها، لكن الحقيقة هي التصاق مصالح المجلس العسكري مع "الجماعة"!
الوضع متشابك ومعقد والخيوط غير المرئية أكثر عدداً من الخيوط الظاهرة، ومئات الآلاف من قطع السلاح التي دخلت مصر اختفت تماماً، وإذا كان الأوغاد( الذين نعرف جزءاً صغيرا منهم ) قد حسموا أمرهم لتدمير مصر، فإن الأمر لن يحتاج لأكثر من شرارة تــُـحدِث زلزالا، مثل مذبحة طائفية ضد شركاء الوطن الأقباط، أو اغتيال قادة الإخوان المسلمين وعلى رأسهم الرئيس محمد مرسي، أو الاستيلاء على معسكر واحتجاز كتيبة كاملة بالسلاح الكثيف الذي يكفي لاحتلال مصر، أو اقتحام المجلس العسكري وأخذ أعضائه رهائن، أو استعراض عضلات إخوانية أو عكاشية أو فلولية أو مشيرية أو حتى اجتياح إسرائيلي لسيناء بحجة التمشيط والبحث عن الارهابيين.
وبعد سقوط النظام السوري وضرب إيران واغلاق مضيق هـُـرمُز وسقوط صواريخ إيرانية على دول الخليج مما سيتيح الفرصة لإسرائيل أن تتفرغ لحزب الله مع توقف الدعم السوري/ الإيراني، تكون الدولة الكبرى .. مصر قد استوَت تماماً، وضرب الفقر والجوع والمياه الملوثة وانقطاع الكهرباء عن مؤسسات الدولة العلمية والعسكرية والفنية وغيرها مفاصل بلدنا.
في نفس الوقت تــُـطـِلّ خفافيش الظلام بفتاوىَ فجــَّـة، وعفنة، ونتنة، ومليئة بالكراهية تجاه شركاء الوطن والعلمانيين والليبراليين والفنون والآداب والموسيقى والمرأة وغيرها ..
سيناريو بغيض وكئيب يرقص له طرباً المخلوعُ في مشفاه الفاخر، ويستعد المنقــِـذ ..جمال مبارك بدعم أمريكي وإسرائيلي وتفصيل قوانين البراءة وممارسة الحقوق المدنية وربع مليونية يقودها خليط من بلطجية وقتلة وأصحاب سوابق وأعضاء ( إحنا آسفين يا ريس )!
سيناريو أسود من ظلماتِ بحرٍ لــُـجيٍّ يغشاه موجٌ أعلىَ من طوفان نوح، عليه السلام.
ما هو الحل الذي أراه؟
لم أر ولن أرىَ غير الانصهار المصري الكامل في قالب وطني لا يعرف فيه أحدٌ دينَ ومذهبَ وطائفة وأفكار وانتماء وحزبية الآخر.
انصهار مليوني لا يرى واحدٌ في المشهد شعاراً يدل على صاحبه، والمليونية ترفض الفلول ومحاكمة مبارك الظالمة، وتبرئة ابنيه، وعدم محاكمة سوزان مبارك، وعدم اعدام حبيب العادلي، واستدعاء المستشار أحمد رفعت لمحاكمته ومعرفة مصدر الأوامر التي جاءته لتبرئة المجرم جمال مبارك.
مليونية ليست فقط لاسترداد الثورة، ولكن لاستعادة مصر من كل الذين حكموها بعد الحادي عشر من فبراير 2011، وأي مصري لديه حُسن ظن في الرئيس مرسي والمرشد العام ورئيس الوزراء والمشير والمجلس العسكري ومرشحي الرئاسة الثلاثة عشر، الناجحين منهم والراسبين، ومجلس الشورى والتأسيسي والمحكمة الدستورية والنائب العام فهو ليس مـِـنـّـا، على الأقل حتى تنجح المليونية.
إذا أردت إفشالها فامنح تعاطفك لمسؤول مصري، عسكري أو فلولي أو إخوانجي أو سلفي أو ناصري أو وفدي أو تجمعي فكلهم تجري في عروقهم، بصورة أو بأخرى، بقليل أو كثير، دماء مبارك.
لم أخـف علىَ مصر في حياتي الكتابية مثلما أنا خائف عليها الآن، ولكن هل المليونية حلٌّ أخير؟
نفترض أن الثوار ومن يساندهم اقتنعوا بفكرة مليونية أو اعتصام لاسترداد الثورة، تبقى مشكلة تورُّط الثوار الأنقياء في الانحياز لصندوق الانتخابات القادر على أن يفرز لنا تشريعيين تحت قبة البرلمان من المتخلفين عقليا، أو المعاقين ذهنيا أو المتطرفين.
المليونية لا تحتاج فقط لمؤمنين بها، أو غاضبين على الوضع الكارثي، أو معتصمين جاهزين لترك أعمالهم وجامعاتهم ومدارسهم وعائلاتهم، لكنها مشروطة بقضايا تجعل الحناجر والجهاز العصبي والإرادة مشتعلة طوال الوقت كما حدث خلال الثمانية عشر يوما التي كتبت تاريخ مصر الحديث.
ومع وجود صفحة لكل فيسبوكي لاعلان الثورة والثورة المضادة، والتاريخ المحدد وتاريخ آخر مختلف تصبح المليونية انطلاقا من الإنترنيت تجمعاً لعدة آلاف لا يهتز لوجودهم رائد شرطة يقود أفراداً من الأمن المركزي لا يفزعون أرنباً صغيرا في وسط الميدان.
إذا اجتمعت كل الظروف الملائمة لتلك المليونية وقفت عقبتان في الطريق:
المطالب التي يلتف حولها الثوار.
القائد الذي يتقدم الصفوف طواعية أو يطلب منه الثوار التوحُدّ حوله، فالتجربة علــَّـمتنا أن عدم تحقيق مطالب ثورة 25 يناير بدأت يوم أنْ أصبحت الثورةُ بعد الاطاحة بالطاغية مبارك رأساً بدون جسد، وحاول الثوار تركيب رأس مناسب للجسد فلفظه الأخير، أو تــَـمـَـنـّــع الأول.
أعطى المصريون للدكتور محمد البرادعي عشرات الفرص لكي يصبح الزعيم المنتظر أو القائد الجاهز لتطبيق نظرياته أو الثائر الذي يُجــَـسِّد أحلامَهم، لكنه كان يتهرب في كل مرة، ويطلب ملايين التوقيعات، ويمتدح في أخلاق مبارك، ويقول بأنْ لا مانع من ترشح جمال مبارك، ثم يقوم بترشيح نفسه، وينسحب، وكلما اقترب من القصر، رغماً عنه، غادر مصر، واكتفى بجملتين على التويتر.
وإذا استعان به المصريون فكأنهم يُخرجون عنـّـوة عالــِـماً من معمله إلى أتون الثورة، وباحثاً من صومعته إلى لعب دور جيفارا أو كاسترو أو مانديلا أو باتريس لومومبا.
ليس لديَّ أدنىَ قناعة بعجائز السياسة والحزبية والدين في مصر، ولا أرى من بينهم ثائرا لم يتلوّن ( مع استثناءات قليلة مثل الدكتور يحيي القزاز والدكتور عبد الحليم قنديل ..)، ولكن أين نبحث عن قائد للثورة؟ ومتي؟
ينبغي أن تفهم كل القوى الوطنية والمعارضة والدينية والعسكرية والفلولية أن شباب الثورة التفـّـوا حول واحد منهم، ينتزع مــَـطالبهم، ويرفض الحوارَ مع أعدائــِـهم، ولا يلعب من وراء ظهورهم، ولا يـُـقـَـدِّم تنازلات مهما صغرت.
ثائر من بين الشباب يعرف أنه طالما كان واحدٌ من عصابة الأربعة طليقا، مبارك وسوزان وجمال وعلاء، فلن تعرف مصرُ السلامَ ساعةً واحدة، وكان من المفترض ككل الثورات المنتصرة في التاريخ أن يلتف حبل المشنقة حول عنق الطاغية وأعوانه المقربين، لكن الثورة المضادة تركته يسوّي اتصالاته البنكية، ثم كرَّمته بجناح فاخر وحرس وأفضل علاج قبل المحاكمة، وبعد الحُكم العبثي من المستشار، سيء اللغة، أحمد رفعت.
ثائر من الشباب يترجم أسباب قيام الثورة إلى الواقع، ويأمر بمحاكمة النائب العام وأعضاء المحكمة الدستورية العليا وقيادات الإخوان المسلمين والمجلس العسكري وكل من عمل مع مبارك ، وصــَـمـَـتَ علىَ جرائمـِـه، ورفض الشهادة أمام المحكمة .. رغم عبثيتها.
ثائر من الشباب يقومون بحمايته، ويتولى هو إدارة شؤون تجديد الثورة.
ينبغي أن نعترف بأن الحلف الثلاثي، الإخوان والجنرالات والفلول، سيـُـمـَـزّق مصر على كل الأصعدة، السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية.
إن كراهية شعبنا العظيم للإخوان المسلمين والسلفيين وحُكم العسكر يجب استثمارها في تجديد الثورة، فعاجلا أو آجلا، سيتصادم هذا التحالف الهشّ، ولكن نحن الذين سندفع الثمن غاليا.
لست منحازاً كما ذكرت عشرات المرات لأي شخصية على الساحة، فكلهم فلول، وأكثرهم يتنفس برئة المخلوع، وإعطاء الفرصة للإخوان المسلمين سينتهي، لا قدر الله، بضربة إسرائيلية موجعة لمصر ولأجيال لاحقة، فاللعب السياسي بالدين وزبيبة الصلاة وحل مشكلات وأزمات دولة عصرية بالبحث في كتب عتيقة مرّت عليها مئات الأعوام سيفجر مصر طائفيا، وستصبح بؤرة تجمع لكل السوس المتطرف لينخر في جسدِها المـُـنهــَـك.
يجب أن يتوقف المصريون عن الزعم بأن الله، عز وجل، أرسل أحداً منهم ليفـُـسر كلماته، ويقيم شريعـَـته، ويتحدث باسمه، تعالىَ عما يصفون، ويحكم برضاه، ويستخرج من آياته البينات تفاصيل دستور دولة عصرية فالشيطان أيضا يقرأ، إذا أراد، في كل الكتب المقدسة، ويرتدي قناع الوعظ، ويخطب في أتباعه في صلاة الجمعة أو كـَـنـَـسِ السبت أو قدّاس الأحد.
كل من أقام دولة دينية في القرنين المنصرمين كان قاتلا محترفا، وخـِـصما لله، ومعاديا لتعاليم السماء، وطاغية يـُـلهب ظهر رعيته بعدما يمهد كهنة السلطة الطريق بأهمية طاعة الحاكم، وتعرية مؤخراتنا لسيّد القصر!
أعود إلىَ الثائر الشاب وأطلب من ثوارنا الأطهار، أو من بقي منهم مؤمنا بالثورة النقية غير المنتمية إلا إلىَ مصر فقط، أن يعرضوا قيادة الثورة على واحد منهم قبل الدعوة للمليونية.
أناشد شركاء الوطن .. أحبابــَـنا أقباط مصر الأوفياء أن يتوقفوا عن دعم أي فلولي أو عسكري في خصومتهم مع الإخوان المسلمين والسلفيين وكل دعاة الدولة الدينية، فمبارك أيضا قاتل أولادهم، ونجع حمادي والكشح وماسبيرو ودهشور وغيرها يرتدي القاتل في كل مرة ملابس مختلفة، فالعسكر والأمن في ماسبيرو، والمتطرفون في دهشور، ولو نجح أحمد شفيق لأذاقهم العذاب ضعفين، والتمييز أضعافا كثيرة.
إن كراهيتنا، نحن المسلمين، لدولة دينية مستبدة ومتخلفة وطالبانية لا تقل عن كراهية الأقباط لها، ونحن نؤمن بإسلام حنيف، متسامح، جميل، وعقلاني حيث نتساوى في كل الحقوق والواجبات، في الظاهر والباطن، ومعركة بعض أقباطنا مع الإسلام يجب أن تتوقف نهائيا، فكل الأديان تستخدمها الملائكة والشياطين بنفس القــَـدْر.
أتذكر يوم أنْ قال لي شاب مسيحي منذ سنوات: نعم، أنا لست مسلماً، لكن لا أحدَ في الدنيا يستطيع أن ينتزع الإسلامَ من حياتي وطفولتي وثقافتي ولساني، والآذان يُعادل جرس الكنيسة، وأنصت بخشوع للشيخ عبد الباسط عبد الصمد كما أقف برهبة المحبة وأنا أستمع إلى قــُـدّاس مـَـهيب، إنه ليس دين المسلمين فقط!
مقارنة الأديان العاقلة، والأكاديمية والتاريخية والبحثية الجادة تختلف جذريا عن مشاتمة الأديان، وتحقير بعضها البعض، والغوص في مستنقع الخيلاء والغطرسة والجهل بأن أتباع أحد الدينين الكبيرين، الإسلام والمسيحية، قادرون على مسح الدين الآخر من فوق أديم البسيطة!
أعود إلى المشهد المصري وأكرر حتى أكون واقعيا، رغم أن تمنياتي لا تبتعد شبراً عن حُكم الاعدام على المخلوع وزوجته وابنيه وأحمد عز وصفوت الشريف وحبيب العادلي وحسين سالم، أن عزل هؤلاء( الأخير هارب) ماليا وهاتفياً وقطع أدنى اتصالات بهم سيــُـعيد لمصر جزءاً كبيرا من استقرارها.
الآن نبحث عن ثائر شاب أو ننتظر أن يبحث عنا، وقد فكرت لبعض الوقت في المخرج خالد يوسف، لكنني تراجعت خشية الافتراض أن الدعوة إلى المليونية مرتبطة بفرض شخص أو تأهيل ثائر للقيادة، وتظل الكلمة الفصل لثوار يناير المناهضين لكل من تولـّـىَ سلطة أفرزها المخلوع أو الانتخابات العبثية أو سرقها عسكر وفلول وإسلاميون.
مليونية بدون قائد ستتم سرقتها في حال نجاحها.
ومليونية باسم السماء سيسرقها لصوص الأرض، أيضا باسم الله!
ومليونية فلولية ستــُـعيد جمال مبارك.
ومليونية عسكرية ستمسح جرائم المخلوع، وتقيم نظاماً عسكريا ديكتاتورياً في ظل الفقر والمجاعة وغياب الأمن والأمان، ولن يتنفس مصري قبل أن يسمح له جنرال!
الآن أضع اقتراحاتي وأفكاري لتجديد واسترداد الثورة بين يدي شبابنا، من أراد أن يقرأ فيها سطرين ثم يصيبه الملل، أو من يقرأها ثم يزيحها جانبا فتغيب في عالم النسيان، أو من يراها غير واقعية فينتظر حتى يتمخض المشهد المصري عن أفكار أخرى، أو من يختلف معي تماماً بحُكم أولويات الانتماءات الحزبية والدينية والمذهبية والسياسية والطبقية.
لكنني لم أفقد الأمل لسنوات طويلة، ولن أفقده ما ظل قلمي قادراً على العطاء من أجل وطن متجانس، ومتسامح، وآمن، وديمقراطي، وخالٍ من المزايدة الدينية، ومُحـَـصَّن ضد فتاوىَ التشـَـدُّد المظهري.
وطن سليم يتعامل فيه الرجالُ والنساءُ بالطريقة الطبيعية الصحية وليس بلعبة (الاستغماية) وقناة المنقبات التلفزيونية التي انحدرت بنا إلى أسفل قاعٍ في التخلف والتزمت و.. إلغاء العقل!
عاشت مصر حرة، آمنة، مُطـْـمـَـئنـِّـة، يحميها ربُ العرش العظيم، ونظام مواطــَـنة كاملة لا يتميــّـز فيه مصريٌّ عن أخيه لمالــِـه، وطبقته الاجتماعية، ودينه، ومذهبه، وسلطته، ومنصبه، وعشيرته، وكبار يسبغون عليه الحماية قفزاً فوق القانون والعدالة.
وسلام الله على مصر.
 
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو في 10 أغسطس 2012
اجمالي القراءات 12205