مرّ 45 عاما على رحيل أحد أبرز ملحني القصيدة في الوطن العربي، الموسيقار المصري رياض السنباطي، الذي ارتبط اسمه بالأغنية الطربية وبناء الألحان التي تمنح القصيدة مساحتها الكاملة. لكن تجربته، بعد كل هذه السنوات، تثير تساؤلا: هل ما زالت الأغنية الطربية الطويلة، بما تتطلبه من وقت للإنصات والتأمل، قادرة على البقاء في عصر تهيمن عليه الأغاني القصيرة وإيقاع المنصات المتسارع؟البناء المقامي مقابل الأغنية الحديثة
انتقد السنباطي، في أكثر من لقاء، اختزال الموسيقى في جمل سريعة وإيقاع مباشر، إذ رأى أن هذا الاتجاه يأتي أحيانا على حساب البناء اللحني ومساحة التطريب التي تمنح الأغنية قدرتها على البقاء. ولم يكن موقفه من الأغنية القصيرة رفضا لكل ما هو جديد، بقدر ما كان انعكاسا لرؤيته لطبيعة اللحن والوقت الذي يحتاج إليه كي يكتمل.وترتبط هذه الرؤية بما عُرف في الغناء العربي بمفهوم "السلطنة" الذي لا يقتصر فيه دور المطرب على أداء اللحن، بل يمتلك مساحة للتلوين والارتجال والتعبير، فيما يتيح البناء الموسيقي انتقالات وتدرجات قد لا تتسع لها الأغنية شديدة القصر.
ولم تكن "السلطنة" مجرد تقنية لحنية عند السنباطي، بل كانت أقرب إلى فلسفة فنية تقوم على التأني والصبر، إذ يُروى أنه كان يستغرق أحيانا أشهرا طويلة في تلحين قصيدة واحدة، متنقلا بين المقامات بحثا عن الجملة التي تكشف المعنى الدفين للكلمة. وتجلى ذلك في أعمال عدة، من بينها مقدمة "الأطلال" وانتقالاته المقامية المركبة في "أقول لك إيه عن الشوق".
وتشرح المطربة والباحثة في الموسيقى المعاصرة فيروز كراوية أن الأغنية الطويلة، التي ارتبطت بتجربة السنباطي، لم تكن مجرد أغنية ممتدة زمنيا، بل كانت بناء دراميا ومقاميا متكاملا. وتقول، في تصريحات خاصة للجزيرة نت، إن الأغنية التي تمتد إلى 40 دقيقة قد تتكون من مذهب و3 مقاطع غنائية طويلة، تتخللها انتقالات مقامية، ويجمع بينها مسار درامي واحد، وهو ما يجعل طولها جزءا من بنيتها الفنية، لا مجرد زيادة في وقت الأداء.
وتشير كراوية إلى أن هذا البناء يتجلى بوضوح في أعمال السنباطي مع أم كلثوم، مثل "الأطلال" و"ثورة الشك" و"من أجل عينيك عشقت الهوى" إذ لا يسير اللحن في مسار واحد، بل يتبدل بتبدل الحالة الشعورية للنص. ويمكن لكل مقطع غنائي أن يفتح أفقا مقاميا مختلفا، قبل أن تعود الأغنية، عند القفلة، إلى جملتها الأساسية.
ملحن بنائي ودرامي
وتصف الباحثة السنباطي بأنه "رجل بنائي ودرامي في الوقت نفسه" وهي سمة تفسر جانبا أساسيا من خصوصية تجربته. فاللحن عنده لا يكتفي بمصاحبة الكلمات، وإنما يتحرك معها ويترجم الحالة العامة للنص موسيقيا. ومع القصيدة، تحديدا، تصبح هذه المساحة أكثر أهمية، لأن طول النص يتيح للحن أن يتدرج ويتلون ويتصاعد معه.
وتشير إلى نقطة فنية جوهرية في هذا البناء، موضحة أن السنباطي كان يلحن وفق مسار "مقامي" مفتوح يسمح له بالانتقال والقفز من مقام لآخر ببراعة ومفاجأة المستمع، بينما يعتمد النمط السائد في التلحين الحديث على "دائرة هارمونية" (Chords) مغلقة يوضع عليها اللحن، وهو ما يفسر تراجع التلوين المقامي الممتد، لأن الذاكرة الموسيقية وطريقة هندسة اللحن نفسها قد تغيرت لدى الصناع.
لكن هذا البناء بدأ يواجه نمطا مختلفا من التلحين مع تغير الذائقة ووسائل الاستماع. فالجملة التي تعلق سريعا في أذن المستمع أصبحت أكثر أهمية، وظهر الاهتمام بما يمكن أن يجذب الانتباه من اللحظات الأولى.
وترى الباحثة أن هذا التحول بدأ مبكرا مع أجيال مثل بليغ حمدي، الذي أولى أهمية كبيرة للجملة الجذابة والتيمة التي يسهل تذكرها، ثم تطور هذا الاتجاه لاحقا مع الأغنية الحديثة.
وفي هذه النقطة تحديدا تكمن خصوصية السنباطي، فأغنيته لم تكن قابلة للاختزال بسهولة، لأن الوقت فيها جزء من البناء نفسه. فحذف مساحة من اللحن لا يعني فقط تقليل مدة الأغنية، وإنما قد يعني اقتطاع مرحلة من الرحلة الموسيقية التي صممها السنباطي من البداية حتى الوصول إلى ذروتها.
وسائل التلقي وتغير وسائط الاستماع
لم يكن التحول الذي تشهده الأغنية نتيجة تغير الذوق وحده، وإنما جاء أيضا مع تغير الوسيط الذي تصل من خلاله الموسيقى إلى الجمهور. فكل وسيلة استماع تفرض إيقاعها وشكلها، وما كان ممكنا في الحفلات والتسجيلات التي أتاحت مساحات زمنية أطول، أصبح أكثر صعوبة مع الوسائط التي تقوم على سرعة الانتقال بين الأعمال والمقاطع.
وهو ما يظهر في تجربة السنباطي الذي قدم مئات الألحان على مدار عقود، بداية من ثلاثينات القرن الماضي وحتى رحيله أوائل الثمانينات، في مرحلة كانت الموسيقى العربية تعيد تشكيل نفسها مع كل وسيلة استماع جديدة. ومع انتقال الأغنية من الأسطوانة إلى الإذاعة والسينما ثم التسجيلات، تغيرت مساحتها الزمنية وطريقة وصولها إلى الجمهور، ووجد البناء اللحني الذي تميز به السنباطي مساحة أوسع للنمو والتطور.
وهو ما تشير إليه الباحثة في الموسيقى إلى أن السنباطي ينتمي إلى مرحلة أسهمت فيها الوسائط الجديدة في تشكيل ما عرف لاحقا بالأغنية الحديثة، وأن طول الأغنية نفسه لم يكن ثابتا، بل ارتبط دائما بوسيلة الاستماع التي تصل من خلالها إلى الجمهور.
وترى الباحثة أن فهم تجربة السنباطي لا ينفصل عن هذا التحول، فالأغنية الطويلة التي برع فيها، خاصة في أعماله مع أم كلثوم، لم تظهر باعتبارها شكلا موسيقيا معزولا، وإنما تطورت مع توفر وسائل تسجيل وإذاعة أتاحت لها مساحة أكبر، وهو ما سمح للبناء المقامي بالتدرج والتنويع والتطريب.
وتلفت المطربة والباحثة المصرية الانتباه إلى فارق جوهري آخر فرضه دخول التوزيع الموسيقي وتعدد الآلات لاحقاً، وهو التحول من "الاستماع الأفقي" إلى "الاستماع الرأسي". فمع السنباطي، كان المستمع يتتبع اللحن أفقياً كأنه في رحلة اللحن هو البطل الأوحد. أما في الأغنية الحديثة، أصبح المستمع يتلقى أصواتا بشكل رأسي، حيث يسمع اللحن بالتزامن مع آلات تلعب صولوهات وهارموني في اللحظة ذاتها، مما جعل تتبع لحن واحد طويل أمراً مرهقا لآلية الاستماع الجديدة.
كيف تعيش الأغنية الطويلة في عصر مقاطع الـ" تيك توك"؟
إذا كان السنباطي قد بنى أغنياته على فكرة الرحلة الموسيقية التي تحتاج إلى وقت حتى تتطور وتصل إلى ذروتها، فإن السؤال الذي يطرح نفسه حاليا: كيف يمكن لهذه الأغنية أن تعيش في عصر أصبحت فيه الموسيقى تصل إلى المستمع في مقاطع لا تتجاوز ثواني؟
وعن هذا التغيير تقول الباحثة أن التحول لا يعني بالضرورة اختفاء الموسيقى القديمة، ولكنه يغير طريقة استقبالها ومعناها لدى المستمع الجديد.
وتعتبر إن اقتطاع مقطع من أغنية طويلة مثل "فات الميعاد" أو "لسه فاكر" لا يعني بالضرورة أن الأغنية تفقد قيمتها، فالمقطع يمكن أن يكتسب معنى جديدا لدى المستمع الذي يتعرف إلى السنباطي من خلاله للمرة الأولى. لكن هذا الوصول الجديد يأتي أيضا على حساب معرفة العمل في صورته الكاملة، إذ قد يتوقف المستمع عند الجزء الأكثر انتشارا من دون أن يعود إلى الأغنية الأصلية.
فقد يصل المستمع الجديد إلى السنباطي من خلال ثوان قليلة، ثم يدفعه هذا المقطع إلى اكتشاف الأغنية كاملة. وفي هذه الحالة لا يكون الاقتطاع نهاية العمل، بل مدخلا جديدا إليه.
وتوضح باحثة الموسيقى أن هذا التفكك لم يبدأ مع المنصات الرقمية وحدها، فقد سبقته مراحل أخرى فرضت فيها وسائل الاستماع الجديدة أشكالا مختلفة على الأغنية. فالسينما احتاجت إلى أغنيات أقصر تتناسب مع البناء الدرامي للفيلم، ثم جاء الكاسيت ليغير شكل الألبوم وطريقة ترتيب الأغنيات، ومع أجيال موسيقية لاحقة بدأ التوجه نحو الاختصار في التلحين والتوزيع.
ويعزز هذا التغيير عامل نفسي لدى المتلقي المعاصر، إذ تعتمد هندسة الأغنية القصيرة والمقاطع الرائجة على ما يُعرف بـ "الجملة الخاطفة" (Hook) وهي لزمة موسيقية مبسطة وجاذبة تُصمم خصيصا لتعلق في الأذن، مما يمنح المستمع إحساساً بـ "الانتصار والراحة" لأنه يستوعبها ويحفظها دون مجهود من الاستماع الأول. وفي المقابل، يتطلب اللحن السنباطي جهدا ذهنيا ومرات استماع متعددة لتذوقه واكتشاف أبعاده، وهو ما يتصادم مع إيقاع الاستهلاك السريع.
وتشير الباحثة إلى أن الجمهور نفسه لا ينتقل من شكل إلى آخر بصورة كاملة، فما يحدث هو تغيير في أنماط الاستماع، مع بقاء آثار الأشكال السابقة. ولذلك يمكن أن نجد اليوم مقطعا من لحن قديم ينتشر على منصة سريعة، وفي الوقت نفسه يظل العمل كاملا متاحا لمن يريد العودة إليه.
وبعيدا عن تغير وسائط الاستماع وطريقة استقبال الأغنية، تظل تجربة السنباطي واحدة من أوضح النماذج على قدرة الأغنية الطويلة على البقاء بعد زمنها. فبعد 45 عاما على رحيله، ما زالت موسيقاه حاضرة، ليس لأنها تنافس الأغنية القصيرة، وإنما لأنها تقدم تجربة استثنائية في الاستماع.
وفي النهاية، لا تحتاج موسيقى السنباطي إلى أن تنتصر على الأغنية القصيرة حتى تثبت حضورها، فاستمرار الاستماع إليها، ولو بأشكال مختلفة، يؤكد أن اللحن الجيد يستطيع أن يجد طريقه إلى جمهور جديد، حتى بعد عقود.