بدائل قناة السويس بين التهديدات الحقيقية والمبالغات

في الأربعاء ١٩ - أغسطس - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

من وقت لآخر تخرج علينا بعض الدول والمؤسسات لتعلن عن إطلاق مشاريع وممرات مائية بحرية وبرية ولوجستية كبرى تقول إنها بديلة لممر قناة السويس أهم ممر مائي في العالم، ومعها تخرج علينا وسائل إعلام غربية لتؤكد أن تلك المشاريع تمثل تهديداً مباشراً للقناة المصرية التي يمر عبرها ما بين 10-12% من تجارة العالم، و7% إلى 10% من تجارة النفط، ونحو 8% من صادرات الغاز الطبيعي المسال، وتلعب دوراً محورياً في حركة الشحن وأنشطة التجارة العالمية، خاصة بين أسواق آسيا وأوروبا، إضافة إلى أهميتها القصوى للاقتصاد المصري حيث تعد من أبرز موارد مصر من النقد الأجنبي.
أحدث تلك المشروعات هو إطلاق الصين ما يعرف بـ" طريق بحر الشمال"، والترويج أنه أقصر من المسار الذي يعبر قناة السويس بنحو 50% في بعض الرحلات بين شرق آسيا وأوروبا، وتسليط صاحبة ثاني أضخم اقتصاد في العالم الضوء على سفينة الحاويات الصينية التي أبحرت مساء يوم السبت متجهة إلى أوروبا عبر طريق القطب الشمالي، في سابقة تقول إنها الأولى للصين والتي تسمح لصادراتها بتجنّب المرور عبر الشرق الأوسط وتقصير مسار الرحلة.

الواقع يقول إن تلك الخطوة ليست الأولى من نوعها للصين، فقد سبق لشركات عالمية تعمل في قطاع الشحن البحري أن سلكت هذا الطريق، ومنها شركة ميرسك الدنماركية في 2018، ولن تكون الأخيرة في سباق الحديث عن مشروعات بديلة لقناة السويس، فقد سبق وأن تحدثت دول أخرى عن إطلاق مشروعات بديلة للقناة المصرية، ومن بين تلك الدول، روسيا التي تحدثت عن خطط لزيادة حركة المرور عبر طريق بحر الشمال، الذي يمتد من مورمانسك بالقرب من حدود روسيا مع النرويج شرقاً إلى مضيق بيرينغ بالقرب من ألاسكا، مما يجعله منافسا لقناة السويس.كما تحدثت إيران في سنوات سابقة عن إطلاق بديل لقناة السويس وهو ممر شمال - جنوب، وهو مشروع تجاري تروّج له إيران منذ سنوات وتقول إنه يربط آسيا بأوروبا برياً وبحرياً، ويربط تجارة الهند بروسيا عبر أراضيها وموانئ بحر قزوين، بديلاً لنقل البضائع الآسيوية بعيدا عن منطقة الشرق الأوسط المضطربة.

وتحدثت دولة الاحتلال عن بدائل لقناة السويس منها قناة بن غوريون، وهي مشروع يربط بين ميناء (وخليج) إيلات على البحر الأحمر بموانئ إسرائيل على البحر المتوسط مثل أسدود وحيفا، وهناك حديث عن تدشين خطوط سكك حديدية وشاحنات نقل سريعة بين إيلات وموانئ أسدود وحيفا، وهو ما يعرف بالخط البري السككي، كما تدعم دولة الاحتلال والولايات المتحدة بقوة الممر الاقتصادي العالمي الذي يربط بين موانئ الهند والشرق الأوسط ودول الخليج ثم إسرائيل وصولاً إلى أسواق أوروبا.

وهناك حديث عن مشروعات إقليمية منها مشروع طريق التنمية والذي يربط بين موانئ دول الخليج وأسواق أوروبا وعبر العراق، وهو طريق بري يسهل نقل تجارة آسيا بالبحر المتوسط وأوروبا في بديل جزئي سريع للبضائع وتبلغ تكلفته نحو 17 مليار دولار وتدعمه العراق وتركيا ودول خليجية. وعقب إغلاق مضيق هرمز وتهديد الحوثي بغلق مضيق باب المندب، زاد الحديث عن بدائل لقناة السويس وضرورة التوسع في استخدام بدائل بحرية وبرية أخرى منها خطوط الأنابيب البرية الاستراتيجية مثل خط أنابيب سوميد في مصر وطريق رأس الرجاء الصالح.

ورغم الحديث الإعلامي المكثف عن تلك البدائل فإنها لا ترقى إلى تهديد قناة السويس من وجهة نظري، فطريق الشمال الذي يمر عبر الدائرة القطبية الشمالية موسمى وصيفي ويظل محدود النشاط وحركة الملاحة مقيدة، ولذا يظل الاعتماد على مسار بحر الشمال محدودا وهامشيا بفعل عوامل المناخ والطبيعة، بما لا يسمح بتهديد قناة السويس، ويظل مشروع "طريق الحرير القطبي الجليدي" الصيني بحاجة إلى تكاليف اقتصادية ضخمة وكاسحات جليد عملاقة إذا ما أرادت الصين أن يتحول إلى مشروع تجاري طوال العام.

قناة السويس المصرية، الإسماعيلية في 16 إبريل 2025 (فرانس برس)
موقف
ترامب يهدد قناة السويس... ما أسلحة الرد المصرية؟

وتظل المشروعات الإسرائيلية البديلة حبرا على ورق بسبب التكلفة الضخمة وصعوبة التضاريس والعقبات الجغرافية والجدوى الاقتصادية مقارنة بقناة السويس، إضافة إلى تعثر مشروع التطبيع بين بعض دول الخليج مثل قطر والسعودية ودولة الاحتلال، ولا ننسى أن إسرائيل تخرج هذه المشروعات وغيرها من وقت لآخر لاستخدامها أوراق ضغط سياسية واقتصادية ضد دول المنطقة.

المؤكد أن اعتماد تجارة العالم على قناة السويس سيظل لسنوات طويلة، وأن الممرات المائية والبرية البديلة الأخرى ستظل محدودة مقارنة بالقناة المصرية، وأن معظم المشاريع تظل حبراً على ورق ومكلفة وغير مجدية اقتصادياً، وأن تجارب كثيرة لم يكتب لها النجاح وربما لن ترى النور في السنوات المقبلة، ومنها مشروعات دولة الاحتلال سواء كانت قناة بن غوريون أو مشاريع التطبيع.