بعد أشهر من الجدل في مصر حول التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي، تتجه الحكومة إلى تأجيل تنفيذ واحدة من أكبر عمليات إعادة هيكلة منظومة الدعم في مصر منذ تطبيق البطاقات الذكية، بعد مواجهة صعوبات عميقة في قدرتها على استكمال البنية الرقمية، ومراجعة قواعد بيانات المستحقين، وتجنب تكرار المشكلات التي صاحبت تنقية بطاقات التموين وحرمت ملايين المصريين الدعم خلال السنوات الماضية، وهي المشكلات التي أثارت موجات واسعة من غضب المواطنين وشكاواهم واستجوابات البرلمان.
ويأتي ذلك في وقت أثارت فيه قرارات شطب ملايين المواطنين من بطاقات التموين موجة غضب واسعة، بعد اعتماد الحكومة معايير استبعاد لا تعكس الواقع المعيشي الفعلي. وأدت أخطاء قواعد البيانات وتأخر البت في التظلمات إلى حرمان أسر مستحقة الدعم في مصر، في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة، ما دفع البرلمان والخبراء إلى المطالبة بمراجعة شاملة وضمانات عادلة.
جوانب فنية معقدة للدعم النقدي
كشف المتحدث باسم شعبة المخابز بالغرف التجارية خالد صبري، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أن منظومة الدعم النقدي التي أرادت الحكومة تنفيذها مع بداية يوليو/ تموز 2026 وتأجلت لمرتين، لا تزال قيد الدراسة، وأن الاتجاه الحكومي المطروح حالياً يستهدف بدء تطبيقها مع بداية السنة المالية الجديدة في الأول من يوليو 2027، مؤكداً أن الملف لم يصل بعد إلى مرحلة التنفيذ، نظراً لارتباطه بجوانب فنية وتنظيمية معقدة يستلزم استكمالها قبل اتخاذ القرار النهائي.وقال صبري إنّ المناقشات التي جرت خلال الاجتماعات الأخيرة مع وزارة التموين والتجارة الداخلية، وشعبة المخابز بالغرف التجارية، أكدت أن التحول إلى الدعم النقدي لن يحصل بصورة متعجلة؛ لأن الأمر لا يتعلق فقط بتغيير وسيلة صرف الدعم، بل بإعادة بناء المنظومة بالكامل، سواء من حيث قواعد البيانات أو وسائل الصرف أو آليات الرقابة وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه. وأضاف أن الاتجاه الحالي يقوم على استغلال الفترة المتبقية من العام المالي الجاري في استكمال المنظومة الرقمية، وإجراء حوار مجتمعي حول معايير الاستحقاق، والانتهاء من التجهيزات الفنية اللازمة قبل بدء التنفيذ الفعلي، مشيراً إلى أن الهدف تجنب أي أخطاء قد تؤثر في ملايين المواطنين المستفيدين من منظومة الدعم في مصر.
تحولات منظومة الدعم في مصر
وأوضح أن الاجتماعات تناولت كذلك مشروع "كاري أون" الذي سيصبح المسؤول الأول عن منظومة الدعم الحكومي، وأحد المحاور الرئيسية لإعادة تنظيم منظومة توزيع السلع المدعمة، مؤكداً أن المشروع سيحوّل "كاري أون" إلى شركة قابضة تدير حلقات الإمداد والتوزيع وشبكات الدفع الفوري وربطها بالمنظومة الرقمية الجديدة. وأضاف أن الفكرة تستهدف عدم وجود أكثر من نظام لتوزيع الدعم أو أكثر من آلية للصرف، مع التوسع في مشاركة البقالين التموينيين داخل المنظومة الجديدة، بما يحقق قدراً أكبر من الانضباط والرقابة على حركة السلع المدعمة.
وأكد صبري أن منظومة إنتاج الخبز ستظل مستقلة عن مشروع "كاري أون"، موضحاً أن الخبز يخضع لآليات تشغيل مختلفة، وإن كانت الدولة تعمل في الوقت نفسه على إحكام الرقابة عليه، باعتباره أهم سلعة مدعمة يستفيد منها ملايين المواطنين يومياً.
تأتي تصريحات المتحدث باسم شعبة المخابز بعد سلسلة من التصريحات الحكومية التي أكدت أن التحول إلى الدعم النقدي لن يحصل إلا بعد تهيئة البيئة التشريعية والفنية والتنفيذية اللازمة. فقد شدد وزير التموين والتجارة الداخلية، شريف فاروق، في تصريحات صحافية أول من أمس، على أن الحكومة لن تتعجل تطبيق الدعم النقدي، وأن المنظومة الجديدة ستسبقها مناقشات موسعة مع مجلس النواب والخبراء ومؤسسات المجتمع، للوصول إلى أفضل صيغة تحقق العدالة الاجتماعية وتحافظ على حقوق الفئات الأولى بالرعاية. وأكد الوزير أن نجاح التحول لا يرتبط بإقرار النظام الجديد فقط، بل بضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، وعدم تكرار الأخطاء التي شهدتها مراحل سابقة من تنقية قواعد البيانات.
إعادة ترتيب منظومة التداول
في الوقت نفسه، يكشف مسار الاجتماعات الحكومية أن الدولة بدأت بالفعل في إعادة ترتيب منظومة تداول السلع المدعمة، بالتوازي مع الاستعداد للتحول إلى الدعم النقدي. ففي اجتماعه، ظُهر الأربعاء، في مدينة العلمين الجديدة، تابع رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي، جهود توفير المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، بحضور وزراء التموين والزراعة والصناعة، وهيئة السلع التموينية، وجهاز مستقبل مصر، مؤكداً استمرار تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالحفاظ على مخزون آمن من السلع وضبط الأسواق.
واستعرض الاجتماع جهود توفير السلع عبر المنافذ الحكومية الثابتة والمتحركة، وزيادة الإنتاج المحلي من السلع الغذائية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، إلى جانب استمرار الحملات الرقابية على الأسواق والمخابز لضمان التزام الأسعار والأوزان ومنع أي ممارسات احتكارية. وأكد رئيس الشعبة العامة للمخابز، عبد الله غراب، استمرار التنسيق الكامل مع وزارة التموين، مشدداً على أن الهدف تحقيق التوازن بين حماية المستهلك وضمان استمرار نشاط المخابز.يرى مراقبون أن هذا الاجتماع يعكس أن الحكومة لا تنظر إلى الدعم النقدي باعتباره مجرد وسيلة جديدة لصرف الدعم، بل باعتباره جزءاً من إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الأمن الغذائي، وإدارة المخزون الاستراتيجي، وآليات توزيع السلع المدعمة.
في السياق نفسه، كثفت وزارة التموين حملاتها على المخابز الخاصة بعد إصدار التوجيه الوزاري رقم (5) لسنة 2026، مساء الثلاثاء الماضي، الذي حدد لأول مرة أسعاراً استرشادية وأوزاناً ملزمة للخبز الحر. وشدد وزير التموين على عدم السماح بأي تجاوزات في الأسعار أو الأوزان، مؤكداً اتخاذ إجراءات قانونية رادعة ضد المخالفين، مع متابعة يومية للحملات في جميع المحافظات.
حذف ملايين المواطنين
يشير مسؤولون في الغرفة إلى أن التحول إلى الدعم النقدي يواجه تحديات تتجاوز الجوانب الفنية، إذ لا تزال أزمة بطاقات التموين تمثل أحد أبرز الملفات التي تثير مخاوف المواطنين والبرلمان على حد سواء، مشيرين إلى أنه على مدار السنوات الماضية، شهدت منظومة التموين في مصر حذف ملايين المواطنين من البطاقات التموينية استناداً إلى معايير مثل: استهلاك الكهرباء، أو امتلاك سيارة، أو سداد مصروفات تعليمية، أو مؤشرات دخل لم تعكس في كثير من الحالات الواقع الاقتصادي الفعلي للأسر.ويؤكد مسؤولو الغرف التجارية أن ذلك أدى إلى تقديم مئات الآلاف من التظلمات، قبل أن تعيد الحكومة بالفعل عدداً من المواطنين إلى منظومة الدعم في مصر بعد مراجعة بياناتهم وثبوت استحقاقهم. كذلك واجهت وزارة التموين خلال الشهرين الماضيين شكاوى متكررة تتعلق بتأخر إصدار بطاقات التموين الجديدة، وتعطل استخراج بدل الفاقد والتالف، ومشكلات الفصل الاجتماعي، وإضافة المواليد، وتأخر تحديث قواعد البيانات، وهو ما تسبب في حرمان بعض الأسر الحصول على الدعم لفترات طويلة.
ترى مصادر برلمانية مطلعة أن هذه المشكلات كانت من بين الأسباب الرئيسية وراء الاتجاه إلى التريث قبل تطبيق الدعم النقدي، حتى لا تنتقل الأخطاء نفسها إلى النظام الجديد، خصوصاً أن الدعم النقدي سيكون أكثر حساسية، إذ سيعتمد بصورة كاملة على دقة قواعد البيانات وربطها الإلكتروني بين الجهات المختلفة.
كذلك حذر عدد من أعضاء مجلس النواب، خلال مناقشات وطلبات إحاطة تقدموا بها على مدار الأسابيع الأخيرة، من الإسراع في تطبيق الدعم النقدي قبل الانتهاء من مراجعة قواعد بيانات المستحقين بصورة شاملة، مطالبين بوجود معايير واضحة وشفافة للاستحقاق، وإعلانها للرأي العام، مع إنشاء آلية سريعة للفحص والتظلمات، حتى لا تتكرر أزمة استبعاد الأسر المستحقة.
وأكد نواب أن التجربة السابقة أثبتت أن بعض معايير الاستبعاد لم تكن كافية للحكم على المستوى المعيشي الحقيقي للأسر، خصوصاً في ظل التغيرات الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية.
ويحذر خبراء الحماية الاجتماعية بدورهم من أن نجاح أي تحول إلى الدعم النقدي لن يتحقق بمجرد استبدال السلع بمبالغ مالية، وإنما يتطلب قاعدة بيانات دقيقة، وتحديثاً مستمراً للمعلومات، وربطاً إلكترونياً بين الجهات الحكومية، فضلاً عن وجود نظام رقابي يمنع التلاعب ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.
يأتي ذلك في وقت تشهد فيه الأسر المصرية ضغوطاً معيشية متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الكهرباء والطاقة والخدمات، واستمرار معدلات التضخم، وهو ما يجعل أي تغيير في منظومة الدعم محل اهتمام مباشر لملايين المواطنين.