انفجرت قبل عقود وما زالت تفاجئ العلماء.. بقايا نجوم تزداد سطوعا بدل أن تخفت

في الخميس ١٨ - يونيو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

كشفت دراسة فلكية جديدة استندت إلى بيانات مرصد تشاندرا للأشعة السينية التابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا عن سلوك غير متوقع في بقايا عدد من النجوم المنفجرة داخل مجرة "مسييه 83″، إذ أظهرت هذه الأجسام تغيرات كبيرة في سطوعها على مدى 14 عاما، في ظاهرة تخالف ما يتوقعه العلماء عادة من بقايا المستعرات العظمى.

وتُعد المستعرات العظمى من أعنف الانفجارات الكونية المعروفة، وقد لاحظها البشر منذ آلاف السنين بوصفها نجوما تظهر فجأة ثم تتلاشى. وبعد الانفجار، تترك وراءها سحبا من الغاز والحطام شديد السخونة تتوهج بأطوال موجية مختلفة قبل أن تخفت تدريجيا مع مرور الزمن. غير أن الرصد طويل الأمد لمجرة "مسييه 83" كشف أن بعض هذه البقايا لا تتبع هذا السيناريو المعتاد.

مجرة نشطة تكشف مفاجآت غير متوقعة
تقع مجرة مسييه 83، المعروفة أيضا باسم "الدولاب الجنوبي" (Southern Pinwheel Galaxy)، على بعد نحو 15 مليون سنة ضوئية من الأرض، وتُعد واحدة من أكثر المجرات نشاطا في تشكيل النجوم.

تكشف هذه الصورة الفسيفسائية روعة المجرة الحلزونية المعروفة بـ"الدولاب الجنوبي"، حيث تُظهر ألوانها الزهرية والزرقاء الزاهية نشاطًا هائلًا في تكوّن النجوم (تلسكوب هابل الفضائي)
وقد اعتمد الباحثون على مشاهدات جمعها مرصد تشاندرا بين عامي 2000 و2014، حيث درسوا عددا من بقايا المستعرات العظمى داخل المجرة. وكان المتوقع أن تتراجع انبعاثاتها من الأشعة السينية بمرور الوقت، إلا أن النتائج أظهرت تباينات كبيرة وغير متوقعة في مستويات السطوع.

وقالت أندريا بريستويتش، الباحثة الرئيسية في الدراسة من الجامعة الكاثوليكية الأميركية، إن العلماء كانوا يعلمون أن بعض مصادر الأشعة السينية يمكن أن تتغير بشدة، لكن العثور على هذا العدد الكبير من بقايا المستعرات التي تتصرف بهذه الطريقة كان مفاجأة حقيقية، مشيرة إلى أن تحديد السبب لا يزال تحديا بسبب بُعد المجرة وصعوبة رصد تفاصيلها الدقيقة.

اصطدامات كونية أم نجوم نجت من الانفجار؟
تمكن الباحثون من تفسير حالة واحدة على الأقل، وهي بقايا المستعر الأعظم "إس إن 1957 دي" (SN 1957D) الذي شوهد لأول مرة قبل نحو 70 عاما. وتشير البيانات إلى أن الحطام الناتج عن الانفجار يصطدم حاليا بمواد تحيط به، ما يؤدي إلى زيادة انبعاث الأشعة السينية.

أما بقية الحالات فما زالت لغزا مفتوحا، فيطرح العلماء احتمالا يتمثل في وجود أنظمة نجمية ثنائية، حيث نجا أحد النجمين من الانفجار بينما تحول الآخر إلى بقايا نجمية، وفي هذه الحالة يتشكل ما يعرف بالثنائي السيني عالي الكتلة وهو نظام يمكن أن ينتج تغيرات ملحوظة في الأشعة السينية.

ورغم أن هذه الأنظمة معروفة منذ عقود، فإن ربطها بهذا العدد من بقايا المستعرات العظمى يعد أمرا غير مألوف ويستحق مزيدا من الدراسة.

إعادة تدوير كونية حول الثقوب السوداء
يفكر الباحثون أيضا في تفسير آخر يتمثل في حدوث نوع من "إعادة التدوير الكونية"، ففي بعض الحالات قد يترك انفجار النجم وراءه ثقبا أسود أو نجما نيوترونيا.

ومع مرور الوقت قد تجذب هذه الأجسام جزءا من المادة التي قذفتها أثناء الانفجار، فتعود المادة لتسقط نحو الجسم المركزي، مطلقة كميات إضافية من الأشعة السينية أثناء ذلك.

مجرة الدوامة هي مجرة حلزونية تبعد نحو 31 مليون سنة ضوئية، وتُعد مثالا رائعا للمجرات الحلزونية بأذرعها الملتفة الأنيقة ومناطق تشكل النجوم الوردية والعناقيد النجمية الزرقاء اللامعة (ناسا)
ويرى الباحثون أن بعض البقايا قد تكون ناتجة عن هذا السيناريو، في حين قد تنشأ حالات أخرى بسبب النجوم الثنائية، ما يعني أن أكثر من آلية قد تكون مسؤولة عن الظاهرة.

ويشير العلماء إلى أن دراسة لاحقة رصدت سلوكا مشابها في مجرة "مسييه 51" (Messier 51) المعروفة باسم "مجرة الدوامة" (Whirlpool Galaxy)، ما يوحي بأن هذه الظاهرة قد تكون أكثر انتشارا مما كان يُعتقد سابقا.

نافذة جديدة لفهم دورة حياة النجوم
تمثل هذه النتائج تذكيرا بأن الكون لا يزال يحتفظ بالكثير من الأسرار حتى في الظواهر التي ظن العلماء أنهم فهموها جيدا. فبقايا النجوم المنفجرة ليست مجرد آثار خاملة لأحداث وقعت في الماضي، بل قد تستمر في التطور والتفاعل بطرق معقدة لعقود أو حتى قرون.

ومع تطور المراصد الفضائية وامتداد فترات الرصد، يصبح العلماء أكثر قدرة على تتبع هذه التحولات الدقيقة وفهم دورة حياة النجوم بصورة أعمق. ويؤكد هذا الاكتشاف أن البحث العلمي ليس مجرد جمع للمعرفة، بل رحلة مستمرة لاكتشاف المجهول، حيث يمكن لملاحظة صغيرة في ضوء قادم من أعماق الفضاء أن تغيّر فهمنا للكون بأسره.