حذرت منظمة حقوقية عراقية في بغداد، اليوم الأحد، من ظاهرة عمالة الأطفال التي اعتبرتها واحداً من أخطر التحديات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية التي تواجه المجتمع العراقي خلال الفترة الماضية. حيث يحتل العراق المرتبة الرابعة عربياً في "عمالة الأطفال"، رغم أن قانون العمل يشدد على أهمية القضاء على كلّ مظاهرها، إذ يحدّد سنّ العمل بـ15 سنة، وحسب إحصائية لوزارة التخطيط، فإنّ نحو 1.1 مليون طفل عراقي محرومون من حقوقهم في التعليم والصحة. وسبق أن حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" من تأثيرات ارتفاع نسب الفقر على أطفال العراق، داعية إلى العمل لبناء بيئة شاملة لحماية الأطفال الذين يشكلون الغالبية بين نحو 4.5 ملايين عراقي معرضين لخطر الفقر من جراء تداعيات النزاع.
وذكر المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق، في بيان له، أن "عمالة الأطفال تتخذ أشكالاً متعددة، من بينها العمل في الأسواق والشوارع، وورش الحدادة والنجارة والميكانيك، ومواقع البناء، وجمع النفايات والمواد القابلة للتدوير، والأعمال الزراعية، والعمل المنزلي، فضلاً عن التسول المنظم الذي يُعد من أخطر أشكال الاستغلال الاقتصادي للأطفال، كما أن بعض الأطفال يتعرضون لأعمال خطرة تؤثر بشكل مباشر على صحتهم الجسدية والنفسية وتحرمهم من حقهم في التعليم والنمو السليم"، مبيناً أن "ظاهرة عمالة الأطفال لا تقتصر على الأطفال العراقيين فحسب، بل تشمل أطفالاً من جنسيات أخرى موجودة في العراق، لا سيما من الأسر النازحة واللاجئة وبعض الجاليات الأجنبية المقيمة، الأمر الذي يستوجب تعزيز آليات الحماية الاجتماعية والرقابة القانونية لجميع الأطفال دون تمييز".
الصورة
القانون العراقي يدعو للقضاء على عمالة الأطفال، 2 يونيو 2006 (Getty)
القانون العراقي يدعو إلى القضاء على عمالة الأطفال، 2 يونيو 2006 (Getty)
وأضاف أن "أسباب انتشار عمالة الأطفال تعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها الفقر والبطالة وتدني مستويات الدخل الأسري، والتفكك الأسري، والنزوح الداخلي، وآثار النزاعات المسلحة، وضعف الحماية الاجتماعية، والتسرب من المدارس، فضلاً عن استغلال بعض أرباب العمل الأطفال بسبب انخفاض أجورهم وسهولة تشغيلهم خارج الأطر القانونية". وكشف المركز أن "منظمة العمل الدولية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أعلنتا في أحدث تقاريرهـما لعام 2025 أن عدد الأطفال العاملين حول العالم بلغ نحو 138 مليون طفل خلال عام 2024، من بينهم ما يقارب 54 مليون طفل يعملون في أعمال خطرة تهدد صحتهم وسلامتهم ونموهم الطبيعي، الأمر الذي يؤكد أن عمالة الأطفال ما زالت تمثل تحدياً عالمياً كبيراً رغم الجهود الدولية المبذولة للحد منها".
وتابع أن "أحدث البيانات والتقارير الدولية المتاحة بشأن العراق تشير إلى استمرار الظاهرة بمعدلات مقلقة، حيث تبلغ نسبة الأطفال العاملين ضمن الفئة العمرية "5 سنوات - 14 سنة" نحو 4.8% من إجمالي الأطفال، فيما تبلغ نسبة الأطفال الذين يجمعون بين الدراسة والعمل نحو 4.2%، في حين تصل نسبة الالتحاق بالتعليم إلى 78.4% ضمن هذه الفئة العمرية، كما تتركز عمالة الأطفال في قطاعات الزراعة والبناء والورش الصناعية والحرفية الصغيرة، وجمع النفايات، والعمل في الشوارع والتسول والعمل المنزلي، وهي أعمال تعرض الأطفال لمخاطر صحية ونفسية واجتماعية جسيمة".
عدد الأطفال العاملين حول العالم بلغ نحو 138 مليون طفل خلال عام 2024
وأضاف المركز أن "هناك ارتباطاً وثيقاً بين عمالة الأطفال وجريمة الاتجار بالبشر، إذ تستغل بعض الشبكات الإجرامية الأطفال في أعمال السخرة والتسول القسري والاستغلال الاقتصادي والعمل القسري، وقد تتحول بعض حالات عمالة الأطفال إلى جرائم اتجار بالبشر عندما يجرى استغلال الأطفال أو نقلهم أو إيواؤهم أو تشغيلهم بصورة تنتهك حقوقهم الأساسية لتحقيق منافع مالية غير مشروعة، كما أن الأطفال العاملين في الشوارع والأماكن غير المنظمة يكونون أكثر عرضة للاستغلال والعنف والاتجار والاستغلال الجنسي وسائر أشكال الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان".وختم المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق بيانه مشيراً إلى أن "عمالة الأطفال لا تمثل مجرد مخالفة قانونية لأحكام التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية، بل تشكل انتهاكاً خطيراً لحقوق الإنسان وتهديداً مباشراً لمستقبل التنمية المستدامة في العراق، إذ تؤدي إلى زيادة معدلات التسرب المدرسي والأمية والفقر وإعادة إنتاج الحرمان الاجتماعي عبر الأجيال، ولهذا يجب على الحكومة العراقية ومجلس النواب والجهات المعنية تشديد الرقابة على أماكن تشغيل الأطفال، وتفعيل النصوص القانونية الخاصة بحماية الطفل، وتطبيق العقوبات بحق المخالفين، وزيادة برامج الدعم الاجتماعي للأسر الفقيرة، وتوسيع مظلة الرعاية الاجتماعية، وإعادة الأطفال المتسربين إلى مقاعد الدراسة، وتعزيز إجراءات مكافحة الاتجار بالبشر، وإطلاق استراتيجية وطنية شاملة للحد من عمالة الأطفال وحماية الطفولة بما ينسجم مع التزامات العراق الدولية في مجال حقوق الإنسان".من جهته، قال المتحدث باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية العراقية حسن خوام، لـ"العربي الجديد"، إن "الوزارة تتابع هذا الملف باهتمام بالغ من خلال برامج وآليات متعددة تهدف إلى الحد من انتشار الظاهرة ومعالجة أسبابها، وفي مقدمتها الفقر والتسرب من التعليم والأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تدفع بعض الأسر إلى الزج بأطفالها في سوق العمل في سن مبكرة". وأوضح أن "وزارة العمل تعمل بالتنسيق مع الجهات الحكومية والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني على تنفيذ خطط تستهدف حماية الأطفال المعرضين للاستغلال الاقتصادي، فضلاً عن تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للأسر الأكثر هشاشة، بما يسهم في تقليل الدوافع الاقتصادية المؤدية إلى عمالة الأطفال".
وأضاف أن "فرق الوزارة المختصة تنفذ حملات ميدانية لرصد حالات عمالة الأطفال ومتابعتها، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين وفق التشريعات النافذة، فحماية الأطفال مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تضافر جهود جميع المؤسسات الرسمية والمجتمعية"، مشدداً على أن "الوزارة ماضية في تطوير برامج الدعم الاجتماعي والتوعية المجتمعية لضمان توفير بيئة آمنة للأطفال وتمكينهم من الحصول على حقهم في التعليم والنمو السليم، وعلى الأسر التعاون مع الجهات المختصة والإبلاغ عن أي حالات استغلال للأطفال حفاظاً على مستقبلهم وحقوقهم الأساسية".