قفز سعر الدولار في البنوك المصرية صباح اليوم الأحد ليتجاوز 52 جنيهاً لأول مرة في البنوك المصرية، في تحرك مفاجئ يراه اقتصاديون أنه "يعكس هشاشة سوق الصرف أمام أي توترات خارجية"، رغم إعلان وصول شريحة تمويل جديدة من صندوق النقد الدولي بقيمة 2.3 مليار دولار قبل أيام فقط. وظهر الارتفاع السريع للدولار في ظل مخاوف من قدرة التدفقات المالية الجديدة على تهدئة سوق الصرف، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الجيوسياسية والمالية التي تحدثها الحرب الاسرائيلية الأميركية على إيران، والتي امتدت آثارها للمنطقة على الاقتصاد المصري، الذي يعتمد على التدفقات الدولارية للحفاظ على توازن سوق العملة، بينما أعادت شرارة الحرب الدولار إلى مسار الصعود.
وبحسب بيانات البنوك التي رصدها "العربي الجديد" صباح اليوم، سجل سعر الدولار بالبنك المركزي 52.11 جنيهاً للشراء، و52.21 جنيهاً للبيع، وفي البنك الأهلي المصري 52.11 جنيهاً للشراء، و52.21 جنيهاً للبيع. وفي مصرف أبو ظبي الإسلامي 52.15 للشراء و52,25 للبيع، وفي البنك التجاري الدولي "CIB" سجل 52.11 للشراء و52.21 للبيع. وأعادت قفزة الدولار أمام الجنيه المصري اليوم إلى الأذهان موجات التذبذب التي صاحبت التعويم الأخير للجنيه في مارس/ آذار 2024، حينما سجل سعره التاريخي عند 51.72 جنيهاً في البنوك لفترة امتدت عدة أسابيع إلى أن تراجع إلى مستويات عند حدود أقل من 47 جنيهاً، حتى اندلعت الحرب.
ويشير محللون إلى أن الارتفاع عند الحدود القياسية لسعر الدولار جاء بعد أيام قليلة من إعلان صندوق النقد الدولي صرف شريحة جديدة لمصر بقيمة 2.3 مليار دولار ضمن برنامج التمويل الممتد، وهو ما كان يفترض أن يخفف الضغط على سوق العملة الأجنبية.
أعادت قفزة الدولار أمام الجنيه المصري اليوم إلى الأذهان موجات التذبذب التي صاحبت التعويم الأخير للجنيه في مارس/ آذار 2024
ويرجع خبير التمويل والاستثمار وائل النحاس ذاك إلى أن أموال الصندوق لا تدخل مباشرة إلى السوق، بل تضاف أساساً إلى احتياطيات البنك المركزي وتستخدم في سد فجوة التمويل وسداد التزامات خارجية، بما يجعل تأثير القروض الجديدة على سعر الصرف محدوداً على المدى القصير.
وأشار النحاس إلى أن "صعود الدولار اليوم يرتبط بالتصعيد العسكري في الشرق الأوسط، واحتمالات اتساع الحرب في الخليج، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى الاتجاه نحو الدولار باعتباره ملاذاً آمناً، وهو ما يضغط عادة على الجنيه وعملات الأسواق الناشئة، وخروج الأموال الساخنة من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية خلال الأسابيع الأخيرة وهو ما يقلّل المعروض من الدولار في السوق المحلية وزيادة الطلب على الدولار من قبل الدولة والمستثمرين لتغطية واردات الغذاء والسلع الاستهلاكية والمواد الخام للمصانع، في ظل حساسية الاقتصاد المصري لأي تغيرات خارجية، خصوصاً في ظل اعتماد جزء من استقرار سوق الصرف على تدفقات الاستثمار الأجنبي قصيرة الأجل".ويرى مصرفيون أن الدولار قد يتحرك في نطاق 50 إلى 52 جنيهاً خلال الأسبوع الجاري، لكن المسار الحقيقي للعملة سيتحدد وفق تطورات الحرب وحجم تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى أدوات الدين المصري وقدرة الحكومة على جذب استثمارات مباشرة وصفقات بيع أصول.
في السياق، قال مصدر مصرفي إن التطورات الأخيرة جاءت بعد موجة بيع كثيفة لأدوات الدين والأسهم المصرية قاربت قيمتها مليار دولار. وأضاف المصدر لنشرة إنتربرايز الاقتصادية المحلية أن حجم التدفقات الخارجة نهاية التعاملات يوم الخميس الماضي فاق متوسط الأسبوع ليقترب من المستويات المسجلة عندما فتحت الأسواق أبوابها لأول مرة، عقب اندلاع الحرب في المنطقة يوم السبت الماضي.
وبلغ إجمالي أحجام التداول في سوق الإنتربنك نحو 3.5 مليارات دولار الأسبوع الماضي، من 1.6 مليار دولار في الأسبوع السابق له، وذلك لتلبية البنوك طلبات تخارج المستثمرين الأجانب من السوق. وقال مصدر مصرفي آخر للنشرة ذاتها، إن التدفقات الخارجة للأموال الساخنة ارتفعت إلى 3 مليارات دولار منذ اندلاع الحرب في المنطقة. وفسر خبراء بنوك أسباب خروج الأموال الساخنة بعزوف المستثمرين عالمياً عن المخاطرة، واتجاه الأجانب لبيع ما لديهم من أسهم وسندات في مصر أسوة ببقية الأسواق الناشئة مع تصاعد الحرب، مدفوعين بارتفاع علاوات المخاطر عالمياً، وتراجع تقييمات الأسهم وأدوات الدين، وتوقعات باستمرار الضغوط في المنطقة على المدى القريب.
يرى مصرفيون أن الدولار قد يتحرك في نطاق 50 إلى 52 جنيهاً الأسبوع الجاري، لكن المسار الحقيقي للعملة سيتحدد وفق تطورات الحرب وحجم تدفقات الاستثمار الأجنبي وصفقات بيع أصول
وخفض محللو "جي بي مورغان"، الخميس الماضي، توصية البنك بشأن عملات الأسواق الناشئة والديون بالعملة المحلية من "زيادة الاستثمارات" إلى "الإبقاء على مستوى الاستثمارات"، وذلك بعد اندلاع الحرب في المنطقة.
وقال البنك الاستثماري الأميركي إن حالة الضبابية لا تزال قائمة بالنسبة للاقتصادات الناشئة بعد ستة أيام من بدء الصراع. وقالت سونال ديساي، كبيرة مسؤولي الاستثمار في الدخل الثابت لدى شركة فرانكلين تمبلتون: لوكالة أسوشييتد برس، الأسبوع الماضي: "سيتم الآن اختبار قدرة الأسواق الناشئة على الصمود. وقد نشهد هذا التأثير الأقوى بعد بداية قوية للغاية لهذا العام". بينما أكدت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، الخميس الماضي، أن الحرب في المنطقة تثير مخاطر ائتمانية جديدة بالأسواق الناشئة.كما يتوقع أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط بسبب تداعيات الحرب في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز إلى الضغط على المالية العامة المصرية التي قدرت سعر برميل النفط بنحو 75 دولاراً في موازنة 2025/2026، بينما ارتفع السعر في نهاية تعاملات الأسبوع، أول من أمس الجمعة، إلى 92 دولاراً للبرميل.
وقال بنك غولدمان ساكس، أول من أمس الجمعة، إن أسعار النفط من المرجح أن تتجاوز 100 دولار للبرميل الأسبوع المقبل إذا لم تظهر أي بوادر لحل الأزمة الحادة التي تعطل تدفق النفط عبر مضيق هرمز، محذراً من أن المخاطر الصعودية لتوقعاته الأساسية تتزايد بسرعة أكبر. بينما قال بنك باركليز إن خام برنت قد يصل إلى 120 دولاراً للبرميل إذا استمر الصراع في الشرق الأوسط لعدة أسابيع أخرى.