دخلت أسواق المال والسلع في مصر مرحلة أكثر تعقيداً مع دخول حرب المنطقة يومها الرابع، وقد دفعت مصر إلى قلب "عاصفة اقتصادية"، أدت إلى كسر الدولار حاجز الـ50 جنيها لأول مرة منذ مارس/آذار 2024، وأفقدت الجنيه 4% من قيمته أمام الدولار والعملات الرئيسية، وتسببت في تراجع حركة السياحة لمصر.
أما الضغوط الجديدة على أذون وسندات الخزانة فقد أدت إلى رفع البنك المركزي متوسط سعر العائد على السندات لأجل عامين من 21.89% إلى 22.42% وتأجيله بيع سندات خزينة لأجل 5 سنوات تستهدف جمع 10 مليارات جنيه، لارتفاع تكلفة الإقراض على الآجال الطويلة.
وسجل سعر صرف الدولار ارتفاعاً جديداً في بنوك مصر اليوم الثلاثاء، في ظل التوترات الجيوسياسية ومخاوف المستثمرين من استمرار عدم الاستقرار الاقتصادي، حيث بلغ 49.16 جنيهاً للشراء و49.3 جنيهاً للبيع في البنك المركزي المصري، وفي البنوك الخاصة سجل 49.9 للشراء و50 للبيع بينما كسر سعر الدولار في الصاغة حدود الخمسين، حيث بلغ 50.53 جنيهاً.
ويأتي ارتفاع سعر صرف الدولار مع التزام الحكومة بسداد مستحقات الدولة لشركات البترول العاملة في مصر، بقيمة 500 مليون دولار الأسبوع الجاري، وهي قيمة استهلاك حصة الشركاء الأجانب في آبار الغاز والنفط المصرية، تزامناً مع موجة تخارج جزئي من أذون الخزانة وأدوات الدين قصيرة الأجل من جانب المستثمرين الأجانب، بلغت قيمته 284 ملين دولار اليوم، بما يعكس تراجعاً في شهية المخاطرة تجاه الأصول المصرية.
وقد جاءت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى سحب مواطنيه من 16 دولة من بينها مصر بمثابة صدمة لموسم السياحة الذي بدأ ذروته خلال الشهر الجاري وحتى نهاية إبريل/نيسان المقبل.
وأفاد مسؤول في الغرف السياحية "العربي الجديد"، مفضلاً عدم كشف اسمه، بأن تعليمات ترامب وبثها في القنوات الدولية أصابت وكلاء السفر بصدمة من مخاوف توسع الأعمال العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، واكبها وقف كافة الرحلات القادمة من الخليج ودول جنوب وشرق آسيا لأجل غير مسمى، بما أفقد القطاع نحو 20% من تعداد القادمين لمصر خلال الموسم الشتوى، بينما بدأت أعداد من السائحين الغرببين في التراجع، مفضلة انتظار نهاية الحرب.ولليوم الثالث على التوالي، تسجل البورصة المصرية هبوطاً جماعياً في مؤشرات التداول الرئيسية الثلاثاء، بحسب مؤشر إيجي إكس 30 الرئيسي الذي انخفض بنحو 2.19% في تعاملات منتصف الجلسة، مع خسائر في قطاعات السلع الأساسية والبنوك والطاقة، ما أدى إلى فقد 35 مليار جنيه من رأس المال السوقي في الجلسة الصباحية، مع توسّع في نطاق البيع من قبل المتعاملين المحليين والأجانب، بما يشير إلى مستوى متصاعد القلق لدى المستثمرين تجاه تأثيرات الحرب على أرباح الشركات والتوقعات الاقتصادية الكلية، خاصة مع ارتفاع تكاليف التمويل وضعف الجنيه.
وفي هذا الصدد، تؤكد خبيرة اللوجيستيات نادية المرشدي في اتصال مع "العربي الجديد" أن الهزات الاقتصادية في مصر تتسارع مع ارتفاع أسعار الطاقة والذهب والسلع الأساسية، بما يعكس شدة تأثير الأزمة على الأسواق المحلية والمستويات المعيشية.
موجة تخارج جزئي من أذون الخزانة وأدوات الدين قصيرة الأجل من جانب المستثمرين الأجانب، بلغت قيمتها 284 مليون دولار اليوم، بما يعكس تراجعاً في شهية المخاطرة تجاه الأصول المصرية.
كما تنسب المرشدي تراجع الجنيه إلى مخاطر على مسار انخفاض التضخم، الذي سجل 11.9% في يناير/كانون الثاني مقابل 12.3% في ديسمبر/كانون الأول، في وقت يستهدف البنك المركزي الوصول إلى 7% بنهاية 2026، وفق اتفاقه مع صندوق النقد الدولي. ويُضاف إلى ذلك ارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية المصرية، الأمر الذي كثف تعاملات البنوك في سوق الإنتربنك لإعادة ترتيب مراكزها.
وهي تتوقع أن يؤدي ارتفاع الدولار وأسعار النفط مباشرة إلى زيادة تكلفة واردات مصر من الوقود والمواد الخام، بما يضغط على ميزان المدفوعات بسبب ارتفاع فاتورة الاستيراد والتضخم العام نتيجة نقل تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات وربحية الشركات المستوردة التي تواجه تفاقم تكاليف التشغيل.
كما ترجّح أنه مع أي ارتفاع جديد للدولار فوق 50 جنيهاً ستزيد الضغوط الاقتصادية في المدى القريب وقد بدأت تمتد آثارها اليومية إلى الأسواق برفع أسعار السلع الغذائية الأساسية، مثل الدواجن التي شهدت زيادات طفيفة بنحو 10 جنيهات الكيلوغرام ورفع أسعار الهواتف المحمولة والإلكترونيات بنسبة 20% تحت ضغط صعود الدولار، فضلاً عن مخاوف من ارتفاع تكلفة الواردات مع قلة المخزون من مكونات الشرائح الإلكترونية.
وتؤكد الخبيرة الاقتصادية أن الضغوط على المستهلك تعكس عدم جاهزية الحكومة للتعامل مع الأزمة بشكل احترافي، إضافة إلى ما تخلفه الحرب من تأثير سلبي على الواقع المعيشي للمواطنين.
بدأت الحكومة تتحسّب بشدة للتغيرات الكبيرة التي طرأت على أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية، بعد أن قفز برميل النفط فوق 80 دولاراً جراء اتساع حرب المنطقة واستمرار المخاطر في مسار الإمدادات
وشهدت أسواق الذهب تقلبات محدودة، في تعاملات الثلاثاء، عكست انقسام المستثمرين بين الطلب على الذهب كملاذ آمن وقوة الدولار المتصاعدة بقوة. وبلغ السعر الفوري لأونصة الذهب في الأسواق عند 262 ألفاً و662 جنيهاً رغم تراجع الأونصة في المعاملات الفورية اليوم الثلاثاء، وهبطت أكثر من 3% إلى 5163.29 دولاراً.
وفي السوق المصرية، بلغ غرام الذهب عيار 21 الأكثر تداولاً 7340 جنيهاً للشراء و7390 جنيهاً للبيع، وعيار 24 قيراطاً 8388 جنيهاً للشراء و8445 جنيهاً للبيع، والجنيه الذهب 59 ألفاً و120 جنيهاً.
وبدأت الحكومة تتحسّب بشدة للتغيرات الكبيرة التي طرأت على أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية، بعد أن قفز برميل النفط فوق 80 دولاراً جراء اتساع حرب المنطقة واستمرار المخاطر في مسار الإمدادات في سياق مخاوف عالمية من انخفاض الإمدادات وعدم قدرة بعض ناقلات النفط على عبور المضائق الحيوية بأمان.ويشير خبراء الطاقة إلى أن ارتفاع أسعار النفط يُعد أحد أبرز عوامل الضغط على الاقتصاد المصري المعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، ويزيد من كلفة الاستيراد، بعد أن قررت إسرائيل تمديد قطع الغاز الطبيعي عن مصر لمدة 12 يوماً إضافية، بعد تجديد رئيس وزراء الكيان حالة الطوارئ التي تسمح للطرف الإسرائيلي بمنع الإمدادات عن مصر في "الظروف القاهرة".
وفي هذا السياق، يؤكد خبير البترول الدكتور عبد الحميد الجويلي لـ"العربي الجديد" أن وزارة البترول كلفت كافة رؤساء الشركات الحكومية والخاصة بالعمل على زيادة انتاجها من النفط والغاز، بما يضمن رفع قدرات الإنتاج بقدر المستطاع والحفاظ على مستوى تدفقات الغاز والنفط لكافة المشروعات الإنتاجية والخدمية في البلاد.
هشاشة الاقتصاد الذي يتحرك تحت ضغط الحرب مع عدم ثقة المستهلكين في طمأنة الجهات الرسمية عن توافر السلع وقدرتها على ضبط الأسواق، قد أوجدا حالة من القلق من ارتفاع قريب في الأسعار
ويؤكد الجويلي "وجود صعوبات في تحديد سقف لسعر النفط والغاز في ظل استمرار العمليات العسكرية، مبيّناً أن الأسعار ستتغير لحظياً مع امتداد فترة الحرب، وطالما تأخر المجتمع الدولي في الوصول إلى هدنة، لن يكون لدينا سعر محدد لبرميل البترول، حيث ترغب إيران في وصوله إلى 200 دولار للبرميل، وهناك توقعات بأن يزيد سعر الغاز إلى معدلات غير مسبوقة خاصة بعد توقف قطر عن ضخ إنتاجها، ووجود صعوبات في حركة الإمدادات، يقابلها نقص في عدد السفن القادرة على شحن الغاز المسال الذي يكفي الأسواق الدولية.
كما يذكر الجويلي أن وزارة البترول شكلت لجنة عمليات قائمة على مدار الساعة لمتابعة تطورات الحرب واحتياجات مصر من المحروقات يومياً، والإمدادات من الشركات المحلية وستتوقف قدرتها على المناورة في ضوء العقود المبرمة مع مورّدي الغاز، في حالة امتلاكها عقودا طويلة الأجل، لن تتغير أسعارها إلا في ضوء تغير سعر الشحن بينما العقود الفورية ستتأثر وفقاً لحجم الطلب والعرض في البورصات الدولية.وتشير خبيرة اللوجيستيات نادية المرشدي إلى أن "هشاشة الاقتصاد الذي يتحرك تحت ضغط الحرب مع عدم ثقة المستهلكين في طمأنة الجهات الرسمية عن توافر السلع وقدرتها على ضبط الأسواق، قد أوجدا حالة من القلق من ارتفاع قريب في الأسعار".
وتدعو الخبيرة الاقتصادية من خلال "العربي الجديد" الحكومة إلى تسريع عملية إنقاذ الاقتصاد المصري من الداخل، بمزيد من الاعتماد على الإنتاج المحلي وترشيد النفقات الحكومية، بدلاً من اللجوء إلى اقتراض مليارات الدولارات التي تذهب هباء في دعم السلع الأجنبية وسداد فوائد الديون المتصاعدة، من دون أن تتسرّب فوائدها إلى المشروعات الصناعية والإنتاجية التي تحصّن الاقتصاد المأزوم من الانهيار مع كل أزمة دولية.