الوداع
لهذه الأسباب قررت التوقف عن النشر!

محمد عبد المجيد في الجمعة ١٤ - أغسطس - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

لهذه الأسباب توقفت عن النشر!
توقفي للكتابة عن الهموم المصرية، وامتناعي النهائي عن أي إشارة سلبية عن الحاكم، استجابة لنصائح ودموع ورعشات ورعب المصري!
بعد أكثر من نصف قرن  من الكتابة والنشر تلقيت طلبات واستجداءات وتمنيات من الأهل والأقارب والأصدقاء والزملاء والأحباب أن أبتعد بقلمي وتحليلاتي ورؤيتي وغضبي عن مصر والمصريين، وأن أتركهم في سلامهم وحياتهم اليومية وخوفهم!
لقد أديت مهمتي الإعلامية بشرف ومهنية وشجاعة أدبية ومَحبة للوطن الأم، مصر، طوال عشرات الأعوام، وبعد نصف عام من الآن أكمل عامي الثمانين مستريحا ومحتضنا قلمي وكتبي وهجرتي!
لم تبقَ في العُمر مساحة زمنية أو مكانية لمعارك حقيقية أو من يطلق عليها أحبابي حروب دون كيخوتية!
عن غير رغبة مني، واستجابة لطلبات يومية ومُلحّة أقول لكل الذين تابعوني بأنني أتوقف الآن عن النشر والإشارة إلى مصر وأهلها ورئيسها، حتى يحملني حفّارُ القبور لحفرتي الصغيرة الباردة في النرويج حيث لا قلم فيها، ولن يخاف معارفي وأصدقائي أن أصعد منها وأكتب من جديد!
لم يعرف الخوفُ طريقــَـه إلى قلبي في 65 عاما خلتْ مما سيجعل دودَ الأرض يتعجب وهو يلتهم جسدي النائم نوماً أبدياً.
سيرقص كثيرون فرحا وسعادة وراحة بقراري النهائي، وفي المقدمة منهم أقرب الناس لي، وستحزن عشرات الآلاف من المقالات وكذلك عشرون كتابا من مؤلفاتي لأنها ستصبح يتيمة من بعدي!
نجوت بفضل الله من محاولات تصفية كثيرة: برزان التكريتي شقيق صدام حسين الذي توعد بالقضاء عليّ، العقيد معمر القذافي الذي فشلتْ أجهزة أمنه في استدراجي لليبيا لتصفيتي، زين العابدين بن علي الذي هدد أيَّ صحيفة تونسية تنشر مقالاتي، حسني مبارك الذي كنت على رأس خصومه، وكاد فيصل القاسم أن ينجح في القضاء عليَّ عندما استضافني في اتجاهه المعاكس مع اللواء مجدي البسيوني في مصيدة لصالح أجهزة أمن مبارك، وفشلتْ أماني الخياط في ارباكي من أجل القضاء المصري ولم يحدث شيء عندما قال لي شرطي أمن في مطار دمشق( أخيرا وقعت في أيدينا يا أستاذ محمد) وخجل عندما سألته عن اعتقال ضيوف قلب العروبة النابض، وكانت يدُ الله تربت علىَ كتفي طوال نصف قرن!
وأتشرف بأنني طلبت من نيلسون مانديلا في 26 أغسطس 1990 عندما التقيته أن يسافر إلى بغداد لاقناع صدام حسين بالانسحاب من الكويت، لكن العرب والغرب رفضوا هذه الوساطة!
وأتشرف بأنني عندما اتصلت من أوسلو بشباب الثورة أنهم أكدوا لي اجتماع بعضهم في ميدان التحرير لدراسة كتاباتي ضد الطاغية مبارك.
وأتشرف بأن اللواء حسن عبد الرحمن رئيس مباحث أمن الدولة بلاظوغلي قال بأن محمد عبد المجيد يكتب ما نتمنى جميعا كتاباته، وقال مثل قوله الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود عندما كان أميراً لمنطقة الرياض، وقال مثل قولهما الدكتور منصف المرزوقي!
أول من شجعني بعد والدي ،رحمه الله، الذي غاب عن الدنيا عام 1974 كان رئيس مباحث أمن الدولة بالاسكندرية في عيد ميلادي العشرين عام 1967 الذي نصحني أن استمر حتى لو انتقدت الأكبر، يقصد جمال عبد الناصر، شريطة أن لا أنضم لأي حزب أو جماعة سياسية أو دينية!
وخلال الستين عاما المنصرمة لم أضع توقيعي في جمعية أو هيئة أو جماعة!
وكان لي شرف مقاطعة معظم الإعلاميين المصريين لكتاباتي طوال الوقت، وعدم التفاعل معها، وكراهية رجال الدين لقلمي رغم أنني مسلم ولست مثلهم في إسلامي!
ولي شرف مقاطعة ولو ذرة من انتاج إسرائيل، الكيان العنصري الاستعماري!
اليوم هو الأخير في كتاباتي بالشؤون والهموم المصرية، وأعترف بأن أكبر عقبة قابلتني في كل الأوقات كانت وستظل الخوف الشديد للمصريين، مسؤولين وإعلاميين ورجال دين وأصدقاء ودبلوماسيين وأقارب وزملاء كأن عفريتاً من الجن ملتصق بالمصري وهو يحمل هراوة ينزل بها على رأسه كلما تحدث في هموم الوطن والدين.
قلت بأنني لم أقابل في حياتي كلها، في الوطن وفي المهجر أخوف وأجبن من شعبنا المصري، ويتبرع المصري بالوشاية ضد أهله وزملائه وأحبابه، ولو ذُبِحَ أحب الناس إليه أمام عينيه فلن تُحركه نخوة أو وطنية أو إيمان أو دين!
اليوم أقوم بوداع الكتابة عن مصر والمصريين، وأهنيء الذين  يكرهون كتاباتي فقد نجحوا وانتصروا، فالخوف هو السيد المعبود.
شكرا لكل من تابعني طوال السنوات الطويلة الماضية!
أتوقف، فقد وصل إيمان المصريين بأن الحاكم أقدس وأسمىَ وأكبر من الله، عز وجل!
إنهم لا ينصحونني، إنما يحمّلونني مهانته إياهم واعتقالهم وتعذيبهم، ويرجون قلمي أن لا يعاتبه، ولو كنت أغط في نوم عميق وأنشر رمزاً!
في كل عصور الطغيان كان هناك أمل، أما الآن فالأمل عبث وانتحار!
الديكتاتور طاعون العصر، والاستعمار وباء الدهر.
قال لي والدي، غفر الله له، منذ ستة عقود: أنا أصفح عنك في أي خطأ ترتكبه، لكنني أغضب عليك في حالة اكتشافي أن ابني جبان!
ورحل عن دنيانا بعدما ترك لي هذا الإرث الرباني العظيم.
المصريون لا يسامحون من يدافع عنهم، فغضبوا مرتين في أقل من مئة عام، عام 1952 ضد الملكية والاحتلال البريطاني وعام 2011 ضد الحرامي حسني مبارك الذي اعتقل الشعب لمدة ثلاثين عاما، لم يخفت أو يهدأ أو يسامح المصريون أبناءهم المدافعين عن كرامة أمةٍ!
إذا حكم حمارٌ مصرَ فإن المصريين سيطيعونه طاعة الماشية لراعيها، لكنهم سيرفضون وصفهم بالجُبن!
لم يتأرنب المصريون في خمسة آلاف عام أكثر مما هم الآن !
تمنيت أن أستمر في العطاء القلمي ومازالت في جعبتي موضوعات ومعارك لم أخضها ضد الطغاة بعد، لكنني خشيت أن ينتحر من أنتقد أمامه الديكتاتور، لذا اكتفيت بستين عاما من الكتابة والنشر!
ما أسوأ حياة من رفض روح الله، واستبدل بها روح فأر يحتضر.
الأحزن هو اعتراض وانتقاد وغضب أصدقاء مني دفاعا منهم عن النقاب وكأن لسان حالهم يقول بأن جرائم اخفاء هوية الوجه لارتكاب جرائم ارهابية وجنسية وخيانات زوجية لا يكترثون لها ما دامت طاعة الله في الصوم والصلاة والحج تشفع لهم، فالله كما يتصورون يأمر بالفحشاء والمنكر والبغي والسجود تحت أقدام أي ديكتاتور!
الهوس الديني في مصر أصبح حالة كراهية وجهل وأمية، وقد تفوق المصريون على داعش بموافقة ورضا ودعم من الديكتاتور!
إذا بدأ الديكتاتور خطابه الموجه للجماهير قائلا: السلام عليكم يا أولاد الكلب ،  ثم بصق عليهم، فسيصفقون له حتى تدمى أيديهم!
يسألونني عن سبب عدم نشري أخبار نجاحات أبنائي وأحفادي، قلت لا أريد مزيدا من تعليقات الكراهية والغيرة، فأبناء وطني الأم يميزون حسدا من أخبار الفرح والفخر والسعادة في حال نشري إياها!
بعد آلاف السنين من بدء حضارات متميزة، ما يزال العرب والمصريون يتصارعون عن الهوية التي حيرتهم، فالحُكم هو الذي يحدد لهم ملامحها وفقا لأهواء الحاكم الوطنية أو السلفية أو الداعشية أو الدينية أو الفكرية أو الجاهلية!
تحتفل بعض الشعوب مع سيد القصر وإمام الجامع بجثث حيــّـة لا تضحك أو تبكي، لكنها تصفق لمن يصفعها ،لعل خطره الوهمي على جسدها المسجى يزول أو يخفت أو يختفي.
تبحث بعض الشعوب عمن يسحقها، ويدوس على كرامتها، ويهين ما بقي لها من إنسانيتها، وهناك طريق واحد مُيسَر  يرفع حذاء الحاكم فوق الرؤوس حتى لو كانت تؤدي الصلاة، إنه الجُبن والخوف والوشاية وأجهزة الأمن والجيش الذي يرى أبناءه الأعداء الحقيقيين!
معظم الشعوب الإسلامية لم تبرح زمن الرق، ولم تغادر أقدامها سلاسل العبودية.
في مصر يكره المصريون عيدهم الوطني فقد حررهم من الاستعمار والذي يشعر كثيرون منهم بحنين شديد لزمن الأقدام الهمجية!
مضى الآن شهر كامل( 12 يونيو 2026) منذ أن توقفت عن النشر في الفيسبوك بناء على طلب الخائفين والفزعين والمرتعشين من أحبابي وزملائي وأصدقائي وأقاربي فيصقة من ديكتاتورهم على وجوههم أفضل من مئة مقال نقدي في هموم الوطن والمواطن!
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
عضو اتحاد الصحفيين النرويجيين
أوسلو في 12 يونيو 2026 عرض أقل