بقلم : شادي طلعت
ليس اللهيب هو الخطر بل ما أشعله

شادي طلعت في الجمعة ٠٧ - أغسطس - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

لم يكن المشهد الذي شهدته محافظة بورسعيد يوم 3 أغسطس 2026 مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث، بل كان صورة موجعة لإنسان وقف بين نارين، نار يخشى معها ضياع مورد رزقه، ونارٍ أوقدها بيديه في جسده، لعلها تبلغ من لا تبلغهم الكلمات.

 

في ذلك اليوم، أقدم رجل تجاوز الستين من عمره، بحي المناخ ببورسعيد، يعمل في مهنة التنجيد، على إشعال النار في نفسه أثناء تنفيذ قرار إزالة الكشك الذي كان يقتات منه.

 

وفي لحظات، تحولت الواقعة من مأساة شخصية إلى قضية رأي عام، وأصبح السؤال الذي يتردد على كل لسان : ماذا يدفع إنساناً إلى أن يجعل من جسده رسالة احتجاج ؟

 

حين تعجز الكلمات :

ليس من اليسير أن يحكم أحد على الدوافع النفسية لإنسان لم يجلس إليه، ولم يستمع إلى حكايته كاملة.

غير أن علم النفس يكاد يجمع على أن إحراق الإنسان نفسه هو أحد أقصى أشكال الاحتجاج التي قد يقدم عليها البشر عندما يبلغ الإحساس بالعجز، واليأس ذروته.

إنه الفعل الذي يولد عندما يشعر صاحبه بأن أبواب الشكوى قد أغلقت، وأن صوته لم يعد يسمع، وأن ما يراه حقاً له يوشك أن يضيع دون أن يجد من يصغي إليه.

وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الجسد هو الرسالة، ويصبح اللهيب هو اللغة، ويغدو الألم وسيلة للفت الانتباه إلى معاناة لم تنجح الكلمات في نقلها.

 

بين الحادثة والظاهرة :

ومع ما تحمله الواقعة من قسوة، فإن الإنصاف يقتضي ألا تتحول حادثة فردية إلى حكم عام على مجتمع بأكمله.

فلا يجوز القول إن الناس جميعاً قد بلغوا حد الانفجار، كما لا يجوز في المقابل تجاهل الرسالة التي تحملها مثل هذه الوقائع.

 

إن الحوادث الفردية قد تكون، في أحيان كثيرة، أجراس إنذار مبكرة، تدعو إلى مراجعة الأوضاع قبل أن تتراكم المشكلات وتتسع دوائر الإحساس بالضيق لدى قطاعات أوسع من المواطنين.

ولهذا، فإن الحكمة تقتضي قراءة الحدث باعتباره مناسبة للتأمل والمعالجة، لا مناسبة للمبالغة أو للإنكار.

 

هل يشعل اللهيب الشوارع ؟

يعلمنا التاريخ أن الشرارة لا تكفي وحدها لإشعال الحريق.

فقد شهد العالم حوادث فردية تحولت إلى رموز غيرت مجرى التاريخ، كما شهد حوادث أخرى انتهت بانتهاء يومها، ولم تترك أثراً يتجاوز حدود مكانها.

والفارق بين الحالتين لا تصنعه الواقعة وحدها، وإنما تصنعه البيئة المحيطة بها، فالظروف الاقتصادية، وحجم الاحتقان الاجتماعي، وطريقة تعامل الدولة مع الأزمة، وسرعة تداول المعلومات، كلها عوامل تحدد ما إذا كانت الحادثة ستظل مأساة فردية أم تتحول إلى رمز يتجاوز صاحبها.

ولهذا، لا يمكن الجزم بأن ما وقع في بورسعيد سيؤدي إلى احتجاجات أو اضطرابات، كما لا يصح استبعاد ذلك لمجرد الرغبة في الاطمئنان.

فالمستقبل لا يُقرأ بالأمنيات، وإنما تحدده الوقائع وكيفية التعامل معها.

 

الحكمة قبل القوة :

لقد أثبتت تجارب الدول أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على تنفيذ القانون وحده، وإنما يقوم كذلك على شعور الناس بأن العدالة تطبق بروحها قبل نصوصها، وأن كرامة المواطن لا تقل أهمية عن أي إجراء إداري.

ومن هنا، فإن التعامل الحكيم مع مثل هذه الحوادث يقتضي التعاطف الإنساني مع الضحية وأسرته، والتحقيق بشفافية في ملابسات الواقعة، والاستماع إلى المتضررين، والعمل على معالجة الأسباب التي دفعت رجلاً إلى أن يرى في النار أهون من الإحساس بفقدان مصدر رزقه.

فالدولة القوية ليست هي التي تمنع وقوع الأزمات فحسب، وإنما هي التي تستوعب رسائلها، وتحولها إلى فرصة للإصلاح قبل أن تتحول إلى أسباب لاحتقان أكبر.

 

في النهاية :

قد تخبو النار التي اشتعلت في جسد رجل من بورسعيد، لكن السؤال الذي أشعلته سيبقى حاضراً : ماذا يشعر به الإنسان حتى يختار أن يحرق نفسه أمام الناس ؟

 

إن الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تكون بحثاً عن مذنب، بقدر ما ينبغي أن تكون بحثاً عن الأسباب التي أوصلت إنساناً إلى تلك اللحظة.

فالأوطان لا تصان بتجاهل الصرخات، ولا تبنى بالانفعال، وإنما تحفظ حين تُسمع أصوات الناس، ويصان القانون، وتصان معه كرامة الإنسان.

وعندئذ فقط، يصبح اللهيب ذكرى أليمة، لا مقدمة لحرائق أكبر.

 

وعلى الله قصد السبيل

 

شادي طلعت

 

#شادي_طلعت

#ليس_اللهيب_هو_الخطر_بل_ما_أشعله

#بورسعيد

#حي_المناخ

#النار

#أشعل_النار_في_نفسه