لماذا يريدون محاكمة فيلم "برشامة"؟

عثمان محمد علي في الثلاثاء ٠٢ - يونيو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

لماذا يريدون محاكمة فيلم "برشامة"؟
أثار فيلم "برشامة" جدلاً واسعاً بين مؤيديه ومعارضيه، لكن القضية الحقيقية لا تتعلق بالفيلم نفسه بقدر ما تتعلق بمسألة أعمق: (من يملك حق الوصاية على المجتمع؟) ومن يحق له أن يقرر ما يجوز للناس مشاهدته أو مناقشته أو نقده؟
فقد طالب بعض المشايخ والتيارات السياسية ذات المرجعية الدينية(مثل حزب النور السلفى ) بمنع الفيلم ومحاكمة صُنّاعه، بدعوى أنه يسخر من الدين أو من بعض المفاهيم المرتبطة بالجنة والنار والثواب والعقاب. غير أن كثيراً من المشاهدين رأوا أن ما ورد في الفيلم لا يخرج عن إطار الدعابة الاجتماعية المتداولة بين الناس، وهي عبارات يسمعها المصريون يومياً في حياتهم العادية دون أن يقصد أصحابها إنكار اليوم الآخر أو السخرية الحقيقية من العقائد الدينية.
فالزوج قد يقول لزوجته مازحاً: "مش عايز أشوفك في الآخرة"، فترد ضاحكة: "لو شوفتك في الجنة هاطلب أروح النار"، ولا يفهم أحد من هذا الحوار أنه إنكار للجنة أو النار، وإنما هو نوع من المبالغة الكوميدية التي تُستخدم للتعبير عن ضيق مؤقت أو خلاف عابر.
كما اعترض بعض المنتقدين على تناول الفيلم لظاهرة الغش في الامتحانات وربطها بمؤسسات تعليمية دينية. غير أن عرض ظاهرة اجتماعية موجودة بالفعل لا يعني السخرية من الدين . فالغش ظاهرة معروفة في مدارس التعليم العام وفي المعاهد الأزهرية وغيرها من المؤسسات، وتناولها فنياً لا يختلف عن تناول الفساد أو الرشوة أو التعصب أو غيرها من الظواهر السلبية التي يعرضها الفن بهدف كشفها ومناقشتها للعمل على مواجهتها وإصلاحها .
وهنا يأتى سؤال مشروع: هل وظيفة الفن أن يقدم صورة مثالية للمجتمع، أم أن وظيفته الأساسية هي كشف العيوب والأخطاء والسلبيات حتى يراها الناس ويعملوا على إصلاحها؟
إن الخلط بين عرض الظاهرة والدعوة إليها يؤدي إلى نتائج خطيرة. فالفيلم الذي يعرض الغش لا يدعو إلى الغش، والرواية التي تتناول الفساد لا تدعو إلى الفساد، والعمل الذي يناقش التطرف لا يدعو إلى التطرف. الفن مرآة للمجتمع، وليس بالضرورة بياناً تأييدياً لكل ما تعرضه تلك المرآة.
والأكثر إثارة للتأمل أن القرآن الكريم نفسه عرض نماذج من أقوال وأفعال شديدة السوء دون أن يطالب المؤمنين بمعاقبة أصحابها لمجرد تلك الأقوال.
فالقرآن ذكر قول بعض بني إسرائيل: (إن الله فقير ونحن أغنياء)، وهو قول بالغ الخطورة من الناحية الإيمانية، ومع ذلك جاء الرد الإلهي ببيان بطلان القول ووعيد أصحابه بالحساب الإلهي، دون أمر للمؤمنين بمعاقبتهم على هذا القول في الدنيا.
كما عرض القرآن قصة مسجد الضرار الذي أُقيم للإضرار بالمؤمنين والتفريق بينهم والكيد للنبي عليه السلام، ومع ذلك لم ينشغل النص القرآني بفرض عقوبات على أصحابه بقدر ما انشغل بكشف حقيقتهم وفضح أهدافهم.
وكذلك تحدث القرآن عن المنافقين الذين آذوا النبي عليه السلام، وآذوا المؤمنين والمؤمنات، وأطلقوا الشائعات والإرجاف داخل المجتمع فى المدينة، وشككوا في وعود الله ورسوله، ومع ذلك ظل التركيز القرآني منصباً على كشف نفاقهم وبيان سوء أفعالهم والتحذير منهم، مع إرجاع الحساب النهائي إلى الله تعالى. ولعل من المفيد في هذا السياق إعادة قراءة الآيات الواردة في سورة الأحزاب.
وهنا ياتى سؤالاً مشروعاً: إذا كان القرآن نفسه يعرض أقوال المخالفين للدين والمستهزئين والمنافقين ويترك مساحة لوجودهم في المجتمع مع بيان خطئهم، فلماذا تصر بعض الجماعات اليوم على تحويل كل خلاف فكري أو فني إلى قضية مصادرة ومنع ومحاكمة وعقاب؟
إن من حق أي شخص أو جماعة أن ينتقد عملاً فنياً، وأن يرفضه، وأن يدعو إلى مقاطعته، وأن يكتب ضده المقالات والردود. لكن الانتقال من النقد إلى الوصاية، ومن الحوار إلى المطالبة بالقمع والمحاكمة والمصادرة، يفتح الباب أمام احتكار الحقيقة وإسكات المختلفين وإقصاء المختلفين وإعاقة تطور المجتمع.
فالحرية لا تعني الموافقة على كل ما يُقال، بل تعني الإيمان بحق الآخرين في التعبير عن آرائهم، مع الاحتفاظ الكامل بحق نقدها والاعتراض عليها.
==
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل تُواجه الأفكار بالأفكار، أم تُواجه بالمنع والعقوبات؟
إن المجتمعات التي تثق في قوة أفكارها لا تخشى الحوار، ولا تحتاج إلى إسكات مخالفيها. فالحقيقة لا يقويها القمع، وإنما يقويها النقاش الحر، والاحتكام إلى العقل، وترك الناس يميزون بأنفسهم بين الصواب والخطأ.
==
وأجدها فرصةً لنُعيد ونُكرر مطالبتنا بإعادة النظر في قانون «ازدراء الأديان» والعمل على إلغائه، بعدما أثبت الواقع أنه أصبح أداةً لتقييد حرية الفكر والرأي والتعبير أكثر من كونه وسيلةً لحماية الدين.
فالأديان لا يحميها السجن، ولا يحرسها المنع، وإنما تحميها قوة الحجة وحرية الحوار. أما القوانين التي تُستخدم لملاحقة المفكرين والكتّاب والفنانين وأصحاب الرأي والاجتهاد، فإنها لا تُنتج مجتمعًا أكثر إيمانًا، بل مجتمعًا أكثر خوفًا وأقل قدرةً على التفكير والنقاش.