القتل تعزيرًا بين القرآن والفقه: أيهما يُحكِّم الآخر؟
دفعتني قراءة خبر تنفيذ عقوبة القتل في المملكة العربية السعودية بحق أحد الأشخاص تحت مسمى"القتل تعزيرًا"إلى إعادة النظر في هذا المصطلح. ولم يكن السؤال عن الواقعة نفسها، بل عن أصل التسمية: ما معنى "التعزير" في القرآن الكريم؟ وهل هو المعنى نفسه الذي استقر في كتب الفقه وقوانين العقوبات؟
كنت أعلم من قبل أن هناك فارقًا بين المعنى القرآني لمصطلح التعزير والمعنى الفقهي الشائع، لكن الخبر أعاد إحياء السؤال في ذهني: كيف انتقل مصطلح قرآني يرتبط بالنصرة والتأييد إلى مصطلح قانوني قد يصل عند بعض الفقهاء إلى عقوبة القتل؟ وهل يتفق ذلك مع دلالة القرآن الكريم أم ماذا حدث؟
وأثناء جلوسى مع نفسى لإعادة التفكير في الموضوع إذ بحضور صديق صحفى ليُسلم علي فهو يعلم أنى في بيتنا في القرية دائما في أجازات الأعياد .
فبعد السلام والتحية وووو رآنى شارد الذهن فسألنى مشغول في إيه ؟
فقلت :
في خبر قرأته عن تنفيذ حكم (القتل تعزيرا) في وافد مُقيم في السعودية .
فقال :
ومشغول فيه ليه ، فهذا طبيعى عندهم طالما يستحق العقوبة .
فقلت :
ما يشغلنى هو التكييف القانوني للحكم .فهو طبقا للمنشور عنه أنه قتل زوجته ووالدتها طعنا بالسكين حتى الموت ،وأنه إعتدى عليهما من قبل عدة مرات بالضرب ،وخنق زوجته ،لكنهم أسعفوها سريعا في المستشفى من أسفكسيا الخنق . وبالتالي فهى جريمة قتل عمد ،فلابد أن يكون الحكم (القتل قصاصا) .هذه واحدة :والثانية : أن السعودية تقول أنها تحتكم للشريعة الإسلامية في العقوبات ، وليس في الإسلام عقوبة تُسمى (القتل تعزيرا ) .
صديقى الصحفى إعتدل في جلسته وإلتفت إليا وقال :كيف ،وماذا تقول ؟؟ نحن نعرف أن الفقه الإسلامي فيه عقوبة (التعزير) حتى لو وصلت (للقتل تعزيرا) ،فكيف تقول أنه لا يوجد في الإسلام عقوبة (القتل تعزيرا) ؟؟
قلت له:
هذا موضوع طويل، ولكن سأختصره لك في الآتى .
طبقا للقرءان الكريم ما معنى التعزير ؟؟
كلمة ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ في القرآن لا تعني العقوبة أو القتل،فوردت في قوله تعالى:﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ الفتح:8-9.
أي بمعنى لتنصروه وتؤيدوه وتمنعواعنه الأذى.
فقال:
وما معناها في الفقه ؟
قلت:
التعزير في كتب الفقه تعنى عقوبة غير مقدرة يحددها القاضي أو السلطة بحسب الجريمة.
وبهذا يكون معناها في الفقه مخالفا لمعناها في القرءان الكريم .
فقال :
ومن أين ومتى بدأت تلك العقوبة المُستحدثة ؟
قلت :
القرآن الكريم لم يذكر عقوبة اسمها "القتل تعزيرًا"، وإنما ذكر القتل في حالات محددة مثل القصاص وبعض صورالحرابة. فالقتل المشروع في القرآن يدور حول حالات محددة، أهمها:
القصاص من القاتل عمدًا.
القتال المشروع أثناء الحرب.أما إذا انتهى القتال أو استسلم الطرف الآخر أو ألقى السلم، فإن الاعتداء عليه يصبح محرمًا قال تعالى ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
من ثم فإن إدخال نوعا جديدا من القتل تحت اسم "القتل تعزيرًا" يحتاج إلى دليل قرآني صريح، لا إلى مجرد اجتهادات فقهية أو ممارسات سياسية تاريخية.
التوسع في القتل بغير ما جاء في القرءان الكريم بدأ مع فتوحات الخلفاء ،ثم في عصر الأمويين ،ثم في عصر العباسيين ،ولكنهم وضعوا له مُسوغا فقهيا وسموه عقوبة (التعزير) ووصلوا فيها لعقوبة (القتل تعزيرا ) ، ثم دافع عنه وتوسع فيه (إبن تيمية ) ثم وصل للوهابية والوهابيين ،والسعودية ما زالت تحكم بفقه وأراء إبن حنبل،وإبن تيمية ،وإبن عبداوهاب .
فكان العباسيون يقتلون معارضيهم والمتمردين عليهم بهذه العقوبة تحت ذريعة القتل تعزيرا،لأنهم خرجوا على الحاكم ورفضوا طاعته، وليُظهروا عصا الحاكم الغليظة في وجه الشعب والناس ليُرهبوهم ،وليجعلوهم أكثر طاعة وخضوعا للحاكم ورؤيته وسياساته .
قال صديقى :
معنى هذا أن القضية عندك تفرعت للتفكير في مخالفة الفقهاء في تعريفهم لمعنى( التعزير) لمعناه في القرءان الكريم ، وتحويله للنقيض تماما ،فبدلا من النُصرة والتأييد ،تحول ليكون معنى للعقوبة الشدية المُغلظة ......... ولإختلاق عقوبة بالقتل خارج الإطار والدائرة التي حددها القرءان تحديدا واضحا وصريحا ومُباشرا لحالات (القتل ) وهى القصاص ، والقتال لرد العدوان ، والحرابة ........ وعندما يختلف المعنى الفقهى عن المعنى القرءانى فأيهما نعتمد ، وبأيهما نأخذ ؟
قلت :
نعم وإليك بعض التفاصيل لتوضيح تلك الموضوعات .
بما أن الفقهاء يرون أنهم يتحدثون عن الشريعة ،فكان عليهم أن يلتزموا بمعانى مصطلحاتها كما هى ،ولا يخرجوا عليها من النقيض للنقيض . فهذه سقطة منهجية كبيرة منهم.
فلا يجوز لمفسر أو فقيه يدّعي الاشتغال بالشريعة أن يفصل المصطلح الشرعي عن دلالته القرآنية الأصلية إلى درجة يصبح فيها المعنى المتداول مختلفًا جذريًا عن معنى النص المؤسس.
إذا كان القرآن قد بيّن معاني ألفاظه بنفسه، فما المبرر لإعادة تعريف هذه الألفاظ تعريفًا آخر ثم بناء منظومات تشريعية كاملة على التعريف الجديد؟
هل تكون نقطة الانطلاق هي مراجعة التراث على ضوء القرآن؟
أم قراءة القرآن من خلال التراث ؟
فقال صديقى :
من أين نأخذ تعريفات المفاهيم المؤسسة للدين، من القرآن مباشرة أم من الاصطلاحات الموجودة في الروايات وكُتب الفقه؟
فقلت :
أنت رأيك إيه ؟
فقال صديقى :
من القرءان بكل تأكيد .
قلت :
خلاص كده الصورة وضحت والرسالة وضحت ،ولا إيه ؟؟
الباحث الحقيقى هو الذى يمشى دُبر القرءان،ويكون القرءان إمامه وأمامه ، وليس هو إماما للقرءان، ولدية فكرة يريد إثباتها من القرءان . بل العكس. نحن نقرأ القرءان ،ونرى ماذا يقول لنا ،ثم نستنتج ونستخلص منه الحقائق.
الباحث ينبغي أن يكون تابعًا للنص لا متبوعًا من النص؛ أي أن يدخل إلى القراءة دون أن يفرض على القرآن نتائج مسبقة يريد إثباتها، بل يحاول أن يستخرج ما يفهمه من دلالات الآيات وسياقاتها ثم يبني استنتاجاته على ذلك.
فقال صديقى :
لكن الإنسان نادرًا ما يقرأ من فراغ تام؛ فلكل قارئ خلفيات وافتراضات ومناهج تؤثر في فهمه.
قلت :
هناك فرق بين من يسأل القرآن: ماذا تقول؟
وبين من يسأل القرآن: كيف أجعلك تقول ما أريد؟
فالأول نستطيع أن نقول عنه أنه باحثا متدبرا حقيقيا للقرءان، بينما الثانى لديه فكرة يريد أن يستنطق القرءان بها ،ربما لهوى في نفسه ، ربما ليقول أنا أيضا باحث وعالم ووو ، ويريد أن يرضى غروره .
قال صديقى :
معنى هذا أنك تعتبر الباحث إذا توصّل — بعد الدراسة — إلى أن هناك تعارضًا حقيقيًا بين معنى قرآني ومعنى اصطلاحي لاحق، فعليه أن يكون مستعدًا لمراجعة الموروث لا أن يحمّل النص القرآني ما لا يحتمله حفاظًا على الرأي السائد.ومن داخل هذا المنهج، ترى أن المسألة لا تتعلق بمجرد احترام التراث أو رفضه، بل بمبدأ أولوية النص المؤسس. فلو ثبت عند الباحث أن القرآن يستعمل مصطلحًا بدلالة معينة، ثم وجد أن الاستعمال الفقهي الشائع أصبح مختلفًا عنها، فإن الأمانة العلمية — في نظرك — تقتضي إعادة النظر في المصطلح الفقهي لا إعادة تفسير القرآن ليتوافق معه؟؟
قلت :
نعم : لأن الموضوع مرتبط بالدين وفهمه وفهم مصطلحاته ، ومن ثم إعلان وتذكرة الناس بها في إطار التذكرة وإصلاح الفكر الدينى المُستمر .
ومن هنا أرى أنه ليس فى الإسلام الصحيح إسلام القرءان عقوبة تُسمى القتل تعزيرا . وأرى أن تراث الفقهاء في السُنة والفقه والسياسة الشرعية لا تُرفع على القرءان وأحكامه ،بل يجب أن تكون خاضعة له، وتحت وصايته ومظلته ،فإن خالفته، فلا يؤخذ بها ولا يُلتفت إليها إسلاميا في القانون ولا في العقوبات .
قال صديقى :
ماذا تريد أن تقوله خلاصة لهذا الموضوع ؟؟
قلت :
إن إصلاح الفكر الإسلامي لا يبدأ من الأحكام وحدها، بل يبدأ من تصحيح المفاهيم. فإذا اختلت المفاهيم اختلت الأحكام المبنية عليها ،وهنا تكون الخطورة. ومن ثم فإن إعادة الاحتكام إلى القرآن الكريم في فهم مصطلحاته ومفاهيمه ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة منهجية لكل مشروع إصلاح حقيقي.
وأرى أن أي الإصلاح الحقيقى للفكرالإسلامي لا يمكن أن يتم إلا بإعادة النظر في المفاهيم والمصطلحات على ضوء القرآن الكريم نفسه، لأن إصلاح الأحكام يبدأ من إصلاح المفاهيم التي تقوم عليها تلك الأحكام.
فالقرآن ليس مجرد مصدرا من مصادر المعرفة الإسلامية فقط، بل هو المرجع الأوحد الذي تُعرض عليه جميع الاجتهادات، وتُوزن به جميع المفاهيم، ويُصحح به كل ما يحتاج إلى تصحيح.
ومن هنا أرى أن وصف الحكم في هذه الواقعة بـ"القتل تعزيرًا" لم يكن دقيقًا من الناحية المفاهيمية. فإذا كانت الجريمة الأصلية هي القتل العمد، فإن التوصيف الأقرب إلى المفهوم القرآني هو (القصاص)، لا التعزير.
فقال صديقى :
وهل نحتكم في فهم الإسلام إلى القرآن، أم إلى المصطلحات والتفسيرات التي تراكمت عبرالقرون؟
قلت :
مُبتسما أترك لك التفكير بحيادية بنفسك في الإجابة، مع التذكرة بأن الموضوع موضوع دين،والدين متوقف عليه الحساب والثواب والعقاب يوم القيامة .
ثم دخلت إبنتى الصغيرة قائلة : بابا الغدا جاهز، تفضلوا .
قلت هيا يا صديقى فلحم الخروف والفتة تُنادينا ،وساعة البطون تتوه العقول .