عبد الطاغوت

رضا البطاوى البطاوى في الجمعة ١٥ - مايو - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

عبد الطاغوت
من الأمور التى تقابل الإنسان في تفسير القرآن تفسير بعض التعبيرات مثل :
عبد الطاغوت في قوله تعالى :
"قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل"
في التفاسير المختلفة نجد أن تعبير عبد الطاغوت فسر عدة تفسيرات :
الأول : عبدة أو عباد الشيطان
الثانى : أصحاب العجل
الثالث الكهنة
الرابع خدم الشيطان
الخامس عبدة العجل
وتلك التفسيرات وردت في التفاسير المعروفة عند الفرق المختلفة ولم يتفقوا على معناها ومن الفقرات التى وردت فيها تلك التفاسير :
"(من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير): مسخهم (وعبد الطاغوت): ومن عبد الطاغوت وهو الشيطان. قيل: هم أصحاب العجل، كما أن القردة والخنازير أصحاب السبت والمائدة (أولئك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل) أريد بالتفضيل مطلق الزيادة. (وإذا جاءوكم قالوا ءامنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به): يخرجون من عندك دخلوا، لا يؤثر فيهم ما سمعوا منك"التفسير الأصفى ج 1ص331
وأيضا :
"{و} جعل منهم أيضًا من {عبد الطاغوت} ، وهم عباد العجل ، أو الكهنة ، أو كل من أطاعوه في معصية الله "البحر المديد في تفسير القرآن المجيد ج 2 ص 371
وأيضا :
"أي وجعل منهم من عبد الطاغوت ، والموصول محذوف عند الفراء. وقال البصريون : لا يجوز حذف الموصول ؛ والمعنى من لعنه الله وعبد الطاغوت.
وقرأ ابن وثاب النخعي {وَأُنَبِّئُكُمْ} بالتخفيف. وقرأ حمزة : {عَبُدَ الطَّاغُوت} بضم الباء وكسر التاء ؛ جعله اسما على فعل كعضد فهو بناء للمبالغة والكثرة كيقظ وندس وحذر ، وأصله الصفة ؛ ومنه قول النابغة :
من وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
بضم الراء ونصبه بـ {جَعَلَ} ؛ أي جعل منهم عبدا للطاغوت ، وأضاف عبد الى الطاغوت فخفضه. وجعل بمعنى خلق ، والمعنى وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت. وقرأ الباقون بفتح الباء والتاء ؛ وجعلوه فعلا ماضيا ، وعطفوه على فعل ماضي وهو غضب ولعن ؛ والمعنى عندهم من لعنه الله ومن عبد الطاغوت ، أو منصوبا بـ {جَعَلَ} ؛ أي جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. ووحد الضمير في عبد حملا على لفظ {مِنْ} دون معناها. وقرأ أُبي وابن مسعود {وَعَبَدُوا الطَّاغُوتَ} على المعنى. ابن عباس : {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} ، فيجوز أن يكون جمع عبد كما يقال : رهن ورهن ، وسقف وسقف ، ويجوز أن يكون جمع عباد كما يقال : مثال ومثل ، ويجوز أن يكون جمع عبد كرغيف ورعف ، ويجوز أن يكون جمع عادل كبازل وبزل ؛ والمعنى : وخدم الطاغوت. وعند ابن عباس أيضا {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} جعله جمع عابد كما يقال شاهد وشهد وغايب وغيب. وعن أبي واقد : وعباد الطاغوت"الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص235
وأيضا :
"وأما "وعَبُد الطاغوتِ" فاسم على فَعُل. قال أبو الحسن : جاء به نحو حَذُر وفَطُن.
قال : وأما "وعُبُدَ" فجمع عبيد ، وأنشد :
انسب العبدَ إلى آبائه أسود الجلد ومن قوم عُبُد
هكذا قال أبو الحسن ، وقد يجوز أن يكون عُبُد جمع عَبْد ، كرَهْن ورُهُن ، وسَقْف وسُقُف ، ومن جهة أحمد بن يحيى : عُبُد جمع عابد ، وهذا صحيح ، كبازل وبُزُل ، وشارف وشُرُف.
وقال أبو الحسن : والمعنى - فيما يقال - خَدمُ الطاغوت.
وأما "عُبَّد الطاغوت" فجمع عابد ، ومثله عُبَّاد ، كضارب وضُرَّب وضُرَّاب ، وعليه القراءتان : "عُبَّد الطاغوت" و"عُبَّاد الطاغوت" ، وعليه قراءة من قرأ : "وعِبَادَ الطاغوت" ، عابد وعباد ، كقائم وقيام ، وصائم وصيام. وقد يجوز أن يكون "عِبَادَ الطاغوت" جمع عَبْد ، و قلما يأتي عِباد مضافًا إلى غير الله. وقد أنشد سيبويه :
أتوعدني بقومك يابن حَجْل أُشَاباتٍ يُخالون العِبادَا"الحاوى في تفسير القرآن ج186 ص41
وأيضا :
"{ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير } أي مسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت وبعضهم خنازير وهم كفار مائدة عيسى عليه الصلاة والسلام وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المسخين كانا في أصحاب السبت ، مسخت شبانهم قردة وشيوخهم خنازير ، وضمير { مِنْهُمْ } راجع إلى من باعتبار معناه كما أن الضميرين الأولين له باعتبار لفظه ، وكذا الضمير في قوله سبحانه : { وَعَبَدَ الطاغوت } فإنه عطف على صلة من كما قال الزجاج ، وزعم الفراء أن في الكلام موصولاً محذوفاً أي ومن عبد ، وهو معطوف على منصوب { جَعَلَ } أي وجعل منهم من عبد الخ ، ولا يخفى أنه لا يصلح إلا عند الكوفيين ، والمراد بالطاغوت عند الجبائي العجل الذي عبده اليهود ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن أنه الشيطان ، وقيل : الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى "الحاوى في تفسير القرآن ج207 ص61
وأما تفسيرها في تفسيرى :
طلب الله من النبى(ص)أن يقول لأهل الكتاب:
هل أنبئكم أى أعلمكم بشر من ذلك مثوبة والمراد بأسوأ من المؤمنين جزاء عند أى لدى الله ؟
والغرض من السؤال هو أن يخبرهم بأصحاب الجزاء السيىء وهم كما قال مجيبا:
من لعنه الله وفسره الله بأنه من غضب عليه أى عاقبه أى عذبه وجعل منهم القردة والخنازير والمراد وخلق منهم من له أجسام القردة والخنازير وفسرهم بأنهم عبد الطاغوت أى ومتبع الشيطان والمراد ومطيع حكم الكفر وهؤلاء هم شر مكانا أى أسوأ مقاما أى هم فى النار وهم أضل عن سواء السبيل والمراد أبعد عن متاع الجنة وهذا يعنى أنهم لا يدخلون الجنة ويدخلون النار.
وهذا التفسير الذى فسرته هو :
مخرج من مشكلة وهى :
أن عبد الطاغوت لابد حسب سياق الكلام أن يكونوا حيوانات تم مسخ طائفة من بنى إسرائيل إليهم كما تم مسخ أصحاب السبت إلى قردة كما قال تعالى :
"وسئلهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر إذ يعدون فى السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يهتدون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم"
وتم مسخ طائفة أخرى إلى خنازير وقد اتفقت الكثير من التفاسير على كونهم أصحاب المائدة الذين كفروا بها وهو ما يخالف أنهم الحواريون ولم يكفر أحدا منهم كما قال تعالى :
"يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بنى إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين"
وقال :
"فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا فاكتبنا مع الشاهدين"
الحواريون لم يكفر منهم أحد وهو ما يجعل من حولوا إلى خنازير طائفة مجهولة للناس ومنهم أنا
وبالتالى كان المفروض أن يكون تفسير عبد الطاغوت هو الأخر حيوان كالقردة والخنازير ولكن لما كان لا وجود لحيوان بهذا الاسم إلا من خلال تحويرات لا يساعدنا عليها النص مثل :
الأول عبد الطاغوت هو الحمير فهى تتبع القسورة وهو صاحبها الطاغية الظالم الذى يضربها لتطيعه ومن ثم كان المعنى :
ومطيع القسورة
الثانى وهو مستبعد لكونه نبات وليس حيوان وهو ما يسمونه :
عباد الشمس والذى يسمونه في بلدان أخرى :
دوار الشمس
الثالث وهو مستبعد أيضا وهى الطيور التى تتبع بعض الحيوانات كالطائر الذى ينظف أسنان التمساح
وقد استبعدت هذه المعانى لأن الله فسر الطاغوت بكونه الشيطان :
" والذين كفروا يقاتلون فى سبيل الطاغوت"
فقال :
" وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا"
وفسره بأنها أئمة الكفر في قوله تعالى :
"فقاتلوا أئمة الكفر"
كما أن الله لم يصف المخلوقات غير الإنس والجن بكونهم شياطين وإنما خص النوعين بهذا الاسم فقال تعالى :
"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ"
ومن ثم كان لابد أن يكون تفسير عبد الطاغوت بعيد عن الحيوانات ولابد أن سكون جامع للمتحولين للقردة والخنازير وغيرهم من كفار بنى إسرائيل وهو :
الجامع بين الكفار هو :
انهم يعبدون الشيطان وهو الطاغوت كما قال تعالى :
"وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا"
وقال الله أن ما يعبده الناس غيره هو الشيطان كما قال :
"أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ"
وعليه تعبير عبد الطاغوت يعنى مطيعو الشيطان وهم متبعو هوى النفس الضال