لأن المضي في ولوج تلك المتاهات التي ابتدعها المبتدعون قد تتحول إلى اتهامات مفادها " أننا فعلا وجدنا في القرءان اختلافا كثيرا".
إنــه مجرد ســؤال، ليس إلاّ

يحي فوزي نشاشبي في السبت ١٤ - مارس - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

بسم  الله  الرحمن  الرحيم.

****

إنــه  مجــرد  ســؤال ؟

===

 

      عندما  يكون  المرء  منهمكا  في  الاستماع  للقرآن  العظيم  أو  يقرأ  ما  تيسر  منه،  تخترق  ذهنه  شبه  تعليقات  أو  خواطر  أو  تساؤلات،  من  بينها  مثلا:

      ما  دام  هذا  الحديث  المنزل  من  عنده  سبحانه  وتعالى،  نزل  على  نبيه  ورسوله  كاملا  شاملا  مهيمنا  محكما  لا يشوبه  أي  تفريط ، (ما  فرطنا  في  الكتاب  من  شيء)  الأنعام رقم: 38. و :( سورة  أنزلناها  وفرضناها  وأنزلنا  فيها  ءايات  بينات  لعلكم  تذكرون) -  سورة النور  رقم 01-  ( ولقد  أنزلنا  إليكم  ءايات مبينات  ومثلا  في  الذين  خلوا  من  قبلكم  وموعظة للمتقين ) – النور رقم: 34. (ولقد  أنزلنا  إليك  ءايات  بينات  وما  يكفر  بها  إلا  الفاسقون) – البقرة  رقم 99.

      وعليه،  عندما  نكون  مؤمنين  وموقنين  بأن  الكتاب  الذي أنزله  الله  تعالى  جاء  كاملا  محكما  خاليا  من  أي  تفريط،  وأنه  يشتمل  على  ءايات  بينات  ومبينات  وليس  به  أي  حشو  أو  أي  ترادف ،  فإن  التساؤل  الذي  سيُطل  علينا  منتظرا  منا  ردا  مقنعا،  يكون  من  هذا  القبيل:

      لماذا  يجنح  أغلب  متدبري  القرآن  إلى  الالتفات  يمينا  وشمالا،  وكأنّ  لسان  حالهم  يلمح  بأنهم  غير  مقتنعين  بما  يتلونه  من  ءايات،  أو  كأنهم  يشيرون  إلى  أن  ذلك  لم  يكن  ليكفيهم،  أو  كأنهم  يتطلعون  إلى  من  ينجدهم  أو  حتى  ينقذهم  ويساعدهم  ليعبروا  عما  فهموه  من  قول  الله  ذلك !؟ أو كأنهم مجبرون أو  ملزمون  على  إضافة  ما  يمكن  إضافته  من  عنديتهم  أو  من  عندية  غيرهم  ممن  سبق  أن  تدبر  تلك  الآيات ؟

      ولماذا  لا  يلتزم  ذلك  المتدبر،  ذلك  الذي  يحاول  أن  يعظ  استنادا  على  تلك  العبارات  التي  اختارها  الله  العظيم  وأرادها  هي  كما  هي  وألفها  كما  جاءت  في  الكتاب  المنزل ؟  وهل  من  الضروري  والحتمي  أن  لكل  آية  سببا  من  الأسباب  يبرر  نزولها ؟  ومن  هو  ذلك  المقر  الذي  وضع  لتلك  الآية  ذلك  السبب ؟.  بل  كيف  حدث  وأن  استقر  هناك  اطمئنان  واسع  وكأنه  متفق  عليه  من  طرف  الجميع  بأن  هناك  أسباب  النزول ؟  بل  وهل  هناك  سبب  سحري  عجيب  جعل  الجميع  متفقين  ومذعنين  بأن  تلك  الأسباب  هي  التي  كانت  وراء  ذلك  التنزيل.                                                                       

      ولماذا  لا يقتصر  المتدبر  على  الآيات  المنزلة  كما  هي  مضبوطة  بالمصحف ؟  ولماذا  يعطي  المتدبر  لنفسه  حرية  أية  إضافة  أو  أي  نفي  أو  أي  تغطية  لأية  حالة  أو  أية  حادثة ؟

      هذه  هي  الأسئلة  التي  كثيرا  ما  تتبادر  إلى  ذهن  المستمع  للقرآن  يُقرأ  أو  إلى  ذلك  الذي  يقرأ  القرآن،  لاسيما  عندما  يكون  في  حالة  الاستماع  إلى  ذلك  المتدبر  المعلق  على  تلك  الآيات.

      ولماذا لا يلتزم  المتدبر  بما  هو معقول  ومنتظر ومطلوب  ومشروع، كالبحث  عن  المعني  الحقيقي  للكلمة  كما  جاء  في  اللسان  العربي،  ما  دام  ذلك  الحديث  المنزل  نزل  بلسان  عربي  ممبين،  (وإنه  لتنزيل  رب  العالمين  نزل  به  الروح  الأمين  على  قلبك  لتكون من  المنذرين  بلسان  عربي  مبين ) – 192/195- في  سورة  الشعراء. (قرءانا  عربيا  غير  ذي  عوج  لعلهم  يتقون) – سورة  الزمر رقم 28 – كما  يكون  للمتدبر  الحق  في  إجراء  مقابلات  بين  ما  جاء  في  مختلف  السور  المتناولة  نفس  الموضوع  بدون  أن  يخرج  عن  نصوص  الآيات  المنزلة، وبهذه  الطريقة  يمكن  أن  نرجح  أن  تدبره  سليم .

      أما  عن  تلك  الأسباب  التي  جئ  بها  والتي  تجعل  المرء  غارقا  في  تلك  التساؤلات،  بل  ومطاردا  من  طرفها  بإلحاح  وبلا  هوادة،  فحدث  ولا  حرج،  ونكتفي  بذكر  ما  يلي  من  أمثلة :

      01)- (ما  فرطنا  في  الكتاب  من  شيء)  الأنعام  رقم:  38. وقبل  أن  يتناول  المرشد  المتدبر  معنى  هذه  الجملة  الظاهرة  المفهومة،  من  المنتظر  والراجح  أنه  لا يفرط  في  الاستناد  عما  قاله غيره  في  تلك  الأسباب  التي  جاءت  وراء  نزول  هذه  الآية،  وكأنه  أمام  ءايات  معقدة  غير بينات  وغير  مبينات !؟. في  حين  أن  المنتظر  منه  هو  أن  يتعمق  في  معنى  أو  معاني  فعل  فرط، والتفريط  وما  إلى  ذلك  من  سبر  المعاني.

      02)- بالنسبة  لأولئك  الفتية  المذكورة  قصتهم  في  سورة  الكهف،  لماذا  لا  يكتفي  المتدبرون  المرشدون  على  ما  قصه  علينا  الله  تبارك وتعالى؟  لماذا  يكلفون  أنفسهم  عناء  البحث  عن  اسم  ذلك  الملك  المشرك،  ويصرحون بأنه ( داقيوس)  الذي  حاول  إجبارهم  على  الكفر،  ألا  يكون  معنى  ذلك  التصرف  من  المتدبرين  هو  أن  الله  أغفل  ذكر  المهم ؟ ثم استمر المتدبر في  إيراد  مزيد  من تعليقات،  يعلم  الله  المصدر الــذي استقاها  منه، إلى أن  قال : "ثم إن راعيا أدركه المطر عند الكهـــف

فقال: لو فتحت هذا الكهف وأدخلت غنمي من المطر، فلم يزل يعالجه حتى فتح ما أدخله فيه، وردّ إليهم أرواحهم في أجسامهم من الغد حين أصبحوا، فبعثوا أحدهم بورق يشتري طعاما ، فلما أتى باب مدينتهم، رأى شيئا يُنكره، حتى دخل على رجل فقال: بعني بهذه الدراهم طعاما، فقال: ومن أين لك هذه الدراهم؟ قال: خرجت أنا وأصحاب لي أمس، فآوانا الليل، ثم أصبحوا، فأرسلوني، فقال: هذه الدراهم كانت على عهد  مُلك  فلان، فأنَّى لك بها، فرفعه إلى الملك، وكان ملكا صالحا. إلى  غير  ذلك ...   

       03)- ( وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يعلمون  (21)  سورة  يوسف.  وهكذا  انطلق  المتدبر  في  إلزام  نفسه  ما  لم  يكن ضروريا  ولا  مطلوبا،:  قال الضحاك : هذا الذي اشتراه ملك مصر ، ولقبه العزيز. السهيلي واسمه  قطفير. وقال ابن إسحاق : إطفير بن رويحب اشتراه لامرأته راعيل ; ذكره الماوردي . وقيل : كان اسمها  زليخاء . وكان الله ألقى محبة يوسف على قلب العزيز ، فأوصى به أهله ; ذكره القشيري . وقد ذكر القولين في اسمها الثعلبي وغيره . وقال ابن عباس : إنما اشتراه قطفير وزير ملك مصر ، وهو الريان بن الوليد . وقيل : الوليد بن الريان ، وهو رجل من العمالقة . وقيل : هو فرعون موسى ; لقول موسى : ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات وأنه عاش أربعمائة سنة. وقيل : فرعون موسى من أولاد فرعون يوسف.

       04)- وأما  عن  قصة  الافك  فحدث  في  ما  لا  يعني،  ولا  حرج،  لأن  الآية  القرآنية  لخصت  القصة  كما يلي:  (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ(11) لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) (13). ومن الغريب  كيف  يتجرأ  المتجرئون  فيخوضون  في  متاهات ليخرجوا  منها  بوصمة  الكذب،  ولماذا  لم  يكتفوا  بما  أخبره  الله  تعالى ؟  وكنموذج  فقط  على  سبيل  المثال  ما قيل  في  الأمر : (هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين ، رضي الله عنها، حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله تعالى لها  ولنبيه، صلوات  الله  وسلامه  عليه ، فأنزل [ الله عز وجل(براءتها صيانة لعرض الرسول ، عليه أفضل الصلاة والسلام

 فقال: ( إن الذين جاءوا بالإفك عصبةأي : جماعة منكم ، يعني : ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة ، فكان المقدم في هذه اللعنة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، إلى  غير  ذلك  مما  غير  مطلوب .

       وقس  على  ذلك  جميع  القصص  والمشاهد  والتعليمات  والوصايا  التي  شاء  الله  العظيم  إيرادها  في  كتابه  الكريم،  ومنها  ما  يتبادر  على  الذهن  مثل: إبراهيم،  ولوط ،  وموسى،  وعيسى،  ونوح،  وسليمان  وداود،  وأيــوب،  وإدريــس،  وغيرهم،  عليهم  جميعا  السلام ،  وما  إلى  ذلك  مـن 

تعليقات مما  هو مبعدنا  من  الأهم  والأصل، ومن العبر التي كان ينبغي  استخلاصها  من  هذه  القصة  أو تلك  الحادثة  أو ذلك  النبأ .    

ويمكن  أن  تكون  الخلاصة  المجيبة  لهذه  التساؤلات  في  تدبر  الآية  رقم  82  في  سورة  النساء :  (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا) (82). لأن المضي في ولوج تلك المتاهات  التي  ابتدعها  المبتدعون  قد  تتحول  إلى  اتهامات  مفادها  "  أننا  فعلا  وجدنا  في  القرءان  اختلافا  كثيرا".

                          ***********************