السرد و التتبع في آيات القران الكريم .. نهي الذين آمنوا من ( موالاة ) اليهود و النصارى أنموذجاً .
في مدرسة الدكتور أحمد صبحي منصور - حفظه الله و بارك في عمره - تعلمنا معنى التدبر و هو تتبع الايات في موضوع البحث مع قراءة موضوعية للآيات التي تسبق و التي تلي موضوع البحث مع تجميع كل الايات موضوع البحث ليتضح لك المعنى و يظل ما توصلت اليه هو رأي شخصي لا تفرضه على أحد و لا تطلب عليه أجراً كما و أنك تجعل الاية أمامك و أنت خلفها و أن تجعل الاية إمامك .
و ما أجمل التدبر في القران الكريم عطفا على هذه الطريقة العلمية الرائعة و لتطبيق ذلك عمليا نأخذ مثالا في تدبر آيات سورة المائدة بدءا من الاية ٥١ : ( يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض و من يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) ، من أسف أن يتم الاستشهاد ببعض آيات القران الكريم لاصدار أحكام ما أنزل الله بها من سلطان و من أسف أن يتم استخدام الايات في غير موضعها أو ما يسمى ( لي الاية من عنقها ) و لنتتبع الايات مستحضرين المشهد الدرامي للحدث التاريخيّ الذي أرخه القران الكريم فالمشهد فيه :
الذين آمنوا ممن اتخذوا اليهود و النصارى أولياء .
بديهيا هناك كذلك : الذين آمنوا ممن لم يتخذوا اليهود و النصارى أولياء .
بديهيا كذلك هناك من أهل الكتاب غير اليهود و النصارى الذين نهى الله الذين آمنوا من موالاتهم بمعنى ليس كل اليهود و النصارى نهى الله عن موالاتهم و الدكتور أحمد صنف مصطلح اليهود بأنهم الفئة الضالة من بني إسرائيل و سيتضح في تدبرنا للآيات حين نصل للآية ٨٢ بأن النصارى منهم قسيسين و رهبانا و أنهم لا يستكبرون و إذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق بل إنهم يقولون : ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين و لأنهم قالوا ذلك : فالله جل و علا أثابهم بما قالوا جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها .
المشهد كذلك فيه رسول الله عليه السلام متمثلا في رؤيته لهم : ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) . يبدأ المشهد بخطاب الله عز و جل لفئة من الذين آمنوا و هذه الفئة اتخذت من اليهود و النصارى أولياء و يتصاعد الخطاب و الإنذار :( و من يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين ) و لمعرفه هذه الفئة من الذين آمنوا و الذي وصفهم الله جل و علا بالذين في قلوبهم مرض : ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة ) ثم يأتي خطاب من فئة أخرى من الذين آمنوا و هم الذين لم يوالوا اليهود و النصارى للفئة التي والت اليهود و النصارى : أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين . ثم يأتي خطاب الله جل و علا المباشر لتلك الفئة من الذين آمنوا ممن اتخذ اليهود و النصارى أولياء : ( يا أيها الذين امنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و الله واسع عليم ) و بما أن الموضوع كله عبارة عن نهي فئة من الذين آمنوا عن موالاة اليهود و النصارى يؤكد الله جل و علا أن ولي هذه الفئة هم الله جل و علا و رسوله و كذلك الذين آمنوا و هم الفئة التي لم توالي اليهود و النصارى الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون لأحظ بساطة و وضوح المعنى بعيداً عن التأويل الذي اعتمد عليه المذهب الشيعي و الذي حصر الذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون في علي و ال البيت ! و لان الموضوع كله في ( نهي فئة من الذين آمنوا عن موالاة اليهود و النصارى ) يقول الله جل و علا لهذه الفئة : ( و من يتول الله و رسوله و الذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ) لاحظ كيف احتكر الشيعة مفهوم حزب الله ! ثم يبين الله جل و علا سبب نهيه هذه الموالاة فيقول لهم - للفئة الذين نهاهم عن موالاة اليهود و النصارى برغم خطابه جل و علا لهم بالذين امنوا - : ( يا أيها الذين امنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً و لعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم و الكفار أولياء و اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) هنا يظهر مصطلح ( الذين أوتوا الكتاب و الكفار ) مع النهي عن ( موالاتهم ) و واضح سياق الايات أن اليهود و النصارى هم من أهل الكتاب لكن ليس كل أهل الكتاب يهودا و نصارى و كذلك ليس كل النصارى فئة تتصف بالضلال لذا السلوك هو الذي يحدد قربنا و بعدنا من هؤلاء بغض النظر عن دينه و هذا الخطأ الجسيم الذي وقع فيه الكثير من المسلمين فتصنيف الناس يجب أن يكون على ( سلوكهم ) و ليس على ( اعتقادهم ) هذا مع أن كلمة عقيدة لم ترد في القران الكريم و هي من مصطلحات التراث و كذلك يساورني الشك في معنى الإيمان و ربطه بالاعتقاد !! فالحساب كله سيكون على العمل و ليس على الاعتقاد لذا شخصيا أذهب إلى أن معنى الإيمان هو معنى متعدي و ليس لازم و هو : من يمنح الأمن لغيره و أن معنى الإسلام هو من يمنح السلم لغيره و كثيرا ما كان يوضح الدكتور أحمد هذا المعنى و المسلم هو المسالم أي الذي لا يعتدي بغض النظر عن ما بداخله و الله جل و علا هو العليم بالسر و أخفى . نعود لموضوعنا هو تتبع ( نهي الله جل و علا بعض المؤمنين عن موالاة اليهود و النصارى كحدث تاريخي ) لقد نهاهم عن تلك ( الموالاة ) لأنهم إذا ناديتم إلى الصلاة اتخذ - أهل الكتاب هنا لم يقل الله جل و علا اليهود و النصارى بل قال أهل الكتاب - أهل الكتاب و الكفار هذه الصلاة هزوا و لعبا لذا الاية ٥٨ عطفا على الاية ٥٧ يقول جل و علا موضحا و مبينا للذين آمنوا الذين نهاهم عن المولاة سبب النهي : ( و إذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً و لعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) ثم يتحول المشهد و الذي كان بين ( النبي عليه السلام و تلك الفئة من الذين امنوا و الذين والوا اليهود و النصارى تارة و بين الذين آمنوا و لم يوالوا اليهود و النصارى و بين الذي والوا ) يتحول المشهد إلى مواجهة فكرية أشبه بالمناظرة بين النبي عليه السلام و بين أهل الكتاب : النبي عليه السلام لأهل الكتاب : هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله و ما أنزل إلينا و ما أنزل من قبل و أن أكثركم فاسقون . يواصل النبي عليه السلام مناظرته بوحي من الله جل و علا لأهل الكتاب : ( هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنة الله و غضب عليه و جعل منهم القردة و الخنازير و عبد الطاغوت أولئك شر مكانا و أضل عن سواء السبيل ) لاحظ أن الأساس في هذا الحوار هو ( نهي الله جل و علا للذين آمنوا بعدم موالاة بعض أهل الكتاب اليهود و النصارى ) و هنا يدرك القارئ أن استشهاد النبي عليه السلام بوحي من الله جل و علا ب : هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله هو ليس صداما و لا وصمة عار في أهلهم حاشا و كلا لان ( و لا تزر وازرة وزر أخرى ) هنا مرونة في الحوار حتى يدرك اليهود و النصارى أن استمالتهم لبعض المؤمنين ليس فيها خير لهم و لا لمن استمالوهم و هنا يقول الحق جل و علا حقيقة هؤلاء الحقيقة المخفية التي لا يراها النبي عليه السلام :( و إذا جاءوكم قالوا ءامنا و قد دخلوا بالكفر و هم قد خرجوا به و الله أعلم بما كانوا يكتمون و ترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم و العدوان و أكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ) لاحظ كثيرا منهم أي أن هناك قلة منهم لا يسارعون في الإثم و العدوان ثم تأتي الاية :( لولا ينهاهم الربانيون و الأحبار عن قولهم الإثم و أكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) لاحظ الربانيون و الأحبار هم من أهل الكتاب و لكنهم قطعا لا يستميلون بعض الذين امنوا بالموالاة لأنهم لا يضمرون الشر للنبي عليه السلام و لا للذين آمنوا . ثم يبين الله جل و علا صفات ( اليهود / الفئة الضالة من بني إسرائيل وفق توصيف الدكتور أحمد ) ففي الاية ٦٤ وصف دقيق لهم و أن هذا القران كلما نزل على النبي عليه السلام زادهم طغيانا و كفرا و أن العداوة و البغضاء بينهم قد ألقاها الله جل و علا بينهم إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله و يسعون في الأرض فسادا و الله لا يحب المفسدين ثم يقول الله جل و علا : ( و لو أن أهل الكتاب امنوا و اتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم و لأدخلناهم جنات النعيم و لو أنهم أقاموا التوراه و الانجيل و ما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم و من تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة و كثير منهم ساء ما يعملون ) ثم آية في شكل نصيحة نهائية : ( قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة و الانجيل و ما أنزل إليكم من ربكم ) و هنا يذكر الله جل و علا الحقيقة مرة أخرى : ( و ليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا و كفرا ) ثم تنتهي الاية : ( فلا تأس على القوم الكافرين) ثم تأتي الاية التي يغفل عنها الكثيرون و التي تنسف الكثير من أفكار التراث : ( إن الذين ءامنوا و الذين هادوا و الصابئون و النصارى من آمن بالله و اليوم الآخر و عمل صالحا فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون ) .. ثم تتوالى الايات في سورة المائدة توضح و تبين أهل الكتاب و إضافة جديدة ( الذين كفروا ) و أحداث تاريخيّة كلها من أجل العظة و العبرة و ما أجمل وصفه جل و علا للقسيسين و الرهبان( و إذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا امنا فاكتبنا مع الشاهدين و ما لنا لا نؤمن بالله و ما جاءنا من الحق و نطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين فأثابهم الله بما قالوا جنات تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها و ذلك جزاء المحسنين ) بينما الذين كفروا و كذبوا بأياتنا : أولئك أصحاب الجحيم . كل ما أرت قوله هو تتبع الحدث التاريخيّ في القران الكريم و تفرعه لأحداث جانبية في ربط غاية في الروعة و الجمال يضعك في المشهد الدرامي و كأنك جزء منه تراقب سير الأحداث في ربط مذهل و تنقل مكاني سلسل و شخصيات عامة و أخرى مذكورة بالاسم ليكتمل المشهد للقارئ ليقول دائما صدق الله العظيم .