دم سيف الإسلام القذافي
بعد مقتل الوريث ليبيا بين عدالة الدولة ومنطق الثأر

شادي طلعت في الخميس ٠٥ - فبراير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

في المشهد الليبي المضطرب، لم يكن مقتل سيف الإسلام القذافي حدثاً أمنياً عابراً، بل زلزالاً سياسياً وقبلياً أعاد فتح جراح لم تندمل منذ عام 2011. 

فالرجل الذي ظل لسنوات يعيش في الظل، متوارياً بين الحسابات الدولية، والاصطفافات المحلية، تحول بغيابه المفاجئ إلى سؤال كبير عن الدولة، والقبيلة، والعدالة، وحدود الصبر الاجتماعي في ليبيا.

 

اختار (سيف الإسلام) الإقامة في الغرب الليبي، وتحديداً في مدينة (الزنتان)، لا بدافع الانتماء السياسي بقدر ما كان ذلك نتاجاً لميزان أمني فرض نفسه منذ لحظة أسره عقب سقوط النظام.

 

فمدينة (الزنتان) لم تكن مجرد مدينة، بل مساحة رمادية وفرت له قدراً من الحماية الواقعية، بعيداً عن الشرق الذي تهيمن عليه سلطة عسكرية صارمة لا ترى في رموز النظام السابق شريكاً طبيعياً، وبعيداً في الوقت نفسه عن قلب السلطة التنفيذية في طرابلس حيث تتقاطع الحسابات الدولية مع الفصائل المسلحة. 

 

هكذا عاش (سيف الإسلام القذافي) في منطقة لا هي حاضنة كاملة، ولا هي معادية صريحة، معتمداً على توازن هش بين القبيلة والواقع المسلح.

 

وفي بلد يقترب عدد سكانه اليوم من سبعة ملايين ونصف المليون نسمة، لا يمكن فهم وزن (سيف الإسلام) خارج سياق البنية القبلية والاجتماعية. 

 

فأنصاره لم يكونوا حزباً منظماً ولا تياراً أيديولوجياً واضح المعالم، بل خليطاً من قبائل كبرى وصغرى، ومن مواطنين أنهكتهم الفوضى وحنوا إلى الدولة الغائبة، ومن فئات رأت في عودته المحتملة فرصة لاستعادة التوازن لا لإحياء النظام القديم بحرفيته. 

هذا التأييد، وإن اختلف في شدته من منطقة إلى أخرى، ظل رقماً صعباً في أي معادلة انتخابية أو تسوية سياسية.

 

طريقة اغتياله، بما أحاطها من غموض، فتحت باب الشك أكثر مما قدمت إجابات. 

فالرجل لم يكن يعيش بلا حراسة، لكن الحراسة في ليبيا لا تعني بالضرورة جهازاً نظامياً واضح السلسلة، بل شبكة ولاءات محلية يمكن أن تتآكل في لحظة. 

كيف اخترق المسلحون المكان ؟ وكيف غابت الحماية في التوقيت الأخطر ؟ أسئلة لا تزال معلقة، وخطورتها لا تكمن في تفاصيلها الأمنية فقط، بل في أثرها النفسي على أنصاره وقبيلته، لأن الغموض في المجتمعات القبلية يولد الريبة، والريبة قد تتحول إلى غضب.

 

وفي الأفق السياسي، تقف ليبيا مرة أخرى أمام استحقاق انتخابي مؤجل.

الحديث يدور عن انتخابات وطنية شاملة، رئاسية وبرلمانية معاً، متى ما توفرت القاعدة الدستورية والظروف الأمنية. 

غير أن مقتل شخصية بحجم (سيف الإسلام) يعقد المشهد، إذ يضيف عنصراً جديداً إلى معادلة الثقة المنهارة أصلاً بين الفرقاء، ويعيد طرح سؤال : هل يمكن الذهاب إلى صناديق الاقتراع بينما الدم لم يجف بعد ؟

 

أما هاجس الــ ثأر، فهو السؤال الأخطر والأكثر حساسية. 

منطق القبيلة في ليبيا لا يتحرك بعشوائية، ولا يقفز مباشرة إلى استهداف رؤوس الكتل الكبرى في الشرق أو الغرب. 

فاغتيال شخصية بحجم رئيس حكومة أو قائد عسكري كبير يعني فتح أبواب حرب شاملة، وهو خيار تعرف القبائل كلفته جيداً. 

والاحتمال، إن انزلقت الأمور، أن يكون الغضب موجهاً نحو رموز أقل وزناً، أو أطراف محلية يشتبه بتورطها المباشر، أو أن يأخذ شكل ضغط قبلي وسياسي لا دموي في مرحلته الأولى. 

 

لكن الخطر الحقيقي يظل في الأفعال المنفلتة، حين يغيب اليقين وتتعثر العدالة.

وفي هذا السياق، يظل عامل العائلة حاضراً، فسيف الإسلام .. لم يكن الابن الوحيد لمعمر القذافي، ولا آخر من بقي من رموز العائلة. 

له أشقاء أحياء، رجالاً ونساءً، بعضهم داخل ليبيا وبعضهم خارجها، وهو ما يعني أن اسمه لن يطوى بسهولة من الذاكرة العامة أو الحسابات السياسية. 

وجود العائلة يضيف بعداً رمزياً، لكنه في الوقت ذاته يفرض عليها مسئولية ثقيلة في ترجيح كفة الحكمة على كفة الانتقام.

 

في النهاية :

لا يقف الليبيون أمام جريمة قتل فحسب، بل أمام اختبار جديد لمعنى الدولة. 

فإما أن يفضي التحقيق إلى حقيقة واضحة تُسمي الفاعل وتُخضعه للمحاسبة، فتغلق دائرة الدم.

وإما أن يظل الغموض سيد الموقف، وحينها لن يكون السؤال عن الثأر سؤالاً نظرياً، بل احتمالاً مفتوحاً في بلد اعتاد أن يدفع ثمن غياب العدالة أضعافاً مضاعفة.

 

وعلى الله قصد السبيل

 

شادي طلعت

 

#شادي_طلعت

#بعد_مقتل_الوريث_ليبيا_بين_عدالة_الدولة_ومنطق_الثأر

#دم_سيف_الإسلام_القذافي