ب3 : إمتداد المعركة خارج الأزهر. كتاب الأزهر عدو الإسلام الأكبر.
عصر الفرسان بين فرج فودة وفهمي هويدي

آحمد صبحي منصور في الخميس ٢٩ - يناير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

ب3 : إمتداد المعركة خارج الأزهر. كتاب الأزهر عدو الإسلام الأكبر

عصر الفرسان بين فرج فودة وفهمي هويدي  

 

بين أزمة  د. نصر أبو زيد ومأساة  د. أحمد صبحي منصور :

* حين تأخرت ترقية الدكتور نصر حامد أبو زيد للأستاذية بسبب آرائه ومؤلفاته ثار الرأى العام وأرغى وأزبد ، وتحدث الجميع عن حرية الرأى والعقيدة واحترام البحث العلمى .

   ولكن عندما أحالتني جامعة الأزهر إلى التحقيق في 5/5 /1985م . بسبب خمسة كتب أصدرتها ، وحين أوقفتني عن العمل ، ثم فصلتني بعدها بسنتين في 16/ 3/1987 م.  وحين تدخلت لدى السلطات بكل نفوذها حتى وضعتني في السجن بتهمة ملفقة هى إنكار السنة . حين حدث كل هذا قبل موضوع الدكتور نصر أبو زيد بعشر سنوات لم يقف إلى جانبي من الرأى العام إلا قلة شجاعة تمثلت في إثنين فقط  من أنبل الفرسان ، لم تكن لى معرفى شخصية بهما في ذلك الوقت، وهما الدكتور فرج فودة والأستاذ جلال الدين الحمامصي في جريدتي الأهالي والأخبار .

هذا بينما قاد المعركة ضدي الشيوخ وأتباعهم ومحترفي التجارة بالدين في الصحف القومية ، وهم نفس الرموز والأشخاص الذين ثاروا على الدكتور نصر أبو زيد، مع اختلاف الموضوع ، ومع اختلاف المناخ، فبينما كان المناخ كله ـ تقريباً ـ  ضدي يساند الشيوخ وأعوانهم ، فإن ذلك المناخ حدث فيه تغيير بحيث تعاطف مع الدكتور نصر أبوزيد وحماه من البطش الذي تعرضت له ..

* على أنه قبل الدخول في التفصيلات لابد من التأكيد على الاختلاف الفكري بيني وبين الدكتور نصر حامد أبوزيد ، فهو يرى تاريخية النص طبقاً للمنهج العلماني الذي ينتمي إليه ، بينما أنا أؤمن بالقرآن نصَّاً ولفظاً حقيقة مطلقة ، وأرى في النصوص في البشرية في التراث حقائق نسبية يجوز عليها الخطأ، وتحتاج إلى النقد والمراجعة ، وذلك ما كان يفعله الأئمة من قبل في عصور الاجتهاد ، ولكن الاجتهاد في عصرنا الردئ أصبح تهمة تستوجب العزل من الوظيفة والسجن والتشرد والاغتيال المعنوى .. والمادى إذا أمكن ..

* إذن فالقضية العلمية  مختلفة بيني وبين الدكتور نصر حامد أبو زيد ، ولكنها متفقة من حيث أنها قضية حرية رأى وحرية بحث علمي ، واجتهاد يكافأ صاحبه إذا أخطأ وإذا أصاب . ولكن الشيوخ ومريديهم في الصحافة القومية ضد الاجتهاد بكل أنواعه ، لأنهم طالما حرموا الاجتهاد على أنفسهم مكتفين بالتجارة بقشور التدين فإنه حرام أيضاً على كل مفكر ، وإذا كان ذلك المفكر المجتهد تحت سلطانهم فالويل له خصوصاً إذا كان المناخ مواتياً لهم ، وذلك ما حدث لي فيما بين 1985 : 1987 م .. أما إذا كان المناخ مختلفاً والمؤلف بعيداً عن سلطانهم فليس أمامهم إلا اغتياله معنويا في الصحافة وفي أروقة القضاء كما حدث مع الدكتور نصر أبوزيد

هجوم على سجين الرأي المظلوم :

* في قضيتي مع جامعتي ، كنت النموذج المثالي للمفكر الشاب (36 عاماً في بداية الأزمة) الذي لا يملك إلا قلمه وإيمانه بما يقول ، لا يعرفه أحد خارج الجامعة ، متفرغ تماماً للبحث والتأليف ، وكان الأزهر في قمة سلطانه ، ثم إزداد هذا النفوذ بعد عودة العلاقات مع السعودية سنة 1987 م ، لذلك كان سهلاً عليهم أن يفعلوا ما شاءوا من وقف عن العمل وإحالة لتحقيق استمرت عامين إلى أن تم الفصل ، ثم ضغطوا على الدولة فألقت بي إلى السجن حيث ظللت تحت التحقيق المكثف ابتدا من أول نوفمبر 1987 ...

وفي تلك الأثناء انهالت علىّ الصحف القومية بالتجريح والسباب ، تنقل آرائي من سجلات التحقيق وتحرف فيها كيفما شاءت  وأعطتني لقب " منكر السنة"  وكانت مجلة اللواء الاسلامي أشدها افتراءاً وظلما ً ، ففي عددها الصادر بتاريخ 10/12 / 1987 م. عنوان يقول في الصفحة الأولى " مفاجأة في قضية منكري السنة "  مع تنويه في المقال الافتتاحي عنها ، وفي الاسبوع التالي جاء المقال الافتتاحي يفتح النيران ويوحي بان المجلة ستتفرغ بالهجوم على منكر السنة مع عنوان يتهم المؤلف ( كاتب هذه السطور) بالعمالة والخيانة والردة، وفي الاسبوع الثالث 24/12 1987 م. ، تحريف لأقوال المؤلف في التحقيقات بعنوان " منكر السنة اعترف بأنه أخطأ سبع مرات" وأرسل محامي المؤلف رداً للتوضيح فأغفلوا رده ..... واستمرت على هذا المنوال .

أما مجلة (منبر الاسلام) الأزهرية فقد دعا رئيس تحريرها إلى قتل المؤلف مع الرفق بالمتطرفين ، وكان ذلك في عددها الصادر في يناير 1988 م , تحت عنوان " نماذج من تطرف حقيقي " .

وذلك بالاضافة إلى ما كتبه الشيخ عبدالجليل شلبي في عموده اليومي في الجمهورية " قرآن وسنة .. " وهو لايخرج عما قاله الآخرون من هجوم وتشفٍ وحدث كل ذلك والمؤلف في السجن وقد أفلس من المال والأصدقاء وأحوج ما يكون إلى فرسان يدافعون عن حقه الضائع كانسان ومفكر وعالم مجتهد يقول ما يعتقده حقاً ولايفرض فكره على أحد ..

المستجير من الرمضاء بالنار :

* وحين كان المؤلف في سجنه كان ينتظر من بعض الأقلام العاقلة المستنيرة أن تنصفه ، وتركزت آماله في الاستاذ فهمي هويدى في مقاله الأسبوعي في الأهرام خصوصاً ، وكان المؤلف قد بعث للأستاذ هويدي نسخة من كتابه الأول " السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة" حين كان الأستاذ هويدي مسئولاً عن مجلة العربي بالكويت، وذلك قبل محنة المؤلف بعامين ، وصحيح أن الأستاذ هويدي لم يستجب لرغبة المؤلف في الإشارة لكتاب" السيد البدوي بين الحقيقة والخرافة " في باب الاصدارات الجديدة في مجلة ( العربي) ولكن المؤلف وهو في غياهب السجن كان يتعلق بقشة في أن يكون الأستاذ هويدي قد تذكره في محنته ، وقرر إنصافه في مقاله بجريدة الأهرام ..

وصحيح أيضاً أن الأستاذ فهمي هويدي لابد وأنه قرأ كل تلك الصفحات الهجومية على المؤلف ، ولكنه ـ فيما يعتقد المؤلف ـ لن ينساق إلى التيار السائد ، بل  سيقرأ التحقيق مع المؤلف ويكتشف الظلم الذي حاق به ، خصوصاً وأن الأستاذ فهمي هويدي لابد وأن يكون قد قرأ مقال الأستاذ جلال الدين الحمامصي في الأخبار في عمود  " دخان في الهواء" تحت عنوان " النار ليست في حاجة إلى مزيد من الزيت" بتاريخ 6/12/ 1987 م

 ولكن الأستاذ فهمي هويدي لم يكتف بوضع المزيد من الزيت على النار بل وضع فوقها قنابل متفجرة ضد مؤلف مظلوم ذاق السجن بسبب اجتهاده في توضيح حقائق الاسلام .. فماذا قال الأستاذ فهمي هويدي ؟؟  . في جريدة الأهرام بتاريخ 29/12 /1987 م. وفي صفحته المشهورة ذات التأثير الضخم وتحت عنوان " السنة بين الاجتراء والافتراء " كتب الاستاذ هويدي مقالا سبق أن نشرناه سابقا   .

هويدي والاغتيال المعنوي:

* هذه هى النوعية المفضلة لكتابة  فهمي هويدي حين يريد الاغتيال المعنوي لشخصية ما بمسدسه الكاتم للصوت حسبما وصفه الاستاذ ابراهيم عيسى في رزاليوسف ـ إذ يقول تحت عنوان " مسدس فهمي هويدي كاتم للصوت" بتاريخ 11/4 / 1994 م .( يتمتع فهمي هويدي بقدرة عالية وفذة وحرفية مدهشة ومثيرة للإعجاب وبموهبة حقيقية أصيلة في تلبس الحق بالباطل ، حتى يظن البعض ـ أحيانا ـ أنه مصمم أزياء الحق والباطل شخصياً ، فالرجل في مقالات عدة يعرض لأفكار وآراء المختلفين معه ويبرز مقاطع من كتاباتهم وجوانب من رؤاهم تدعو اى متعصب أو حتى أي قارئ يشعر ببعض الضيق لأن زوجته أغضبته على الغداء إلى أن ينفجر، ويصب جام غضبه على هؤلاء المفكرين، بل ويحلف إذا ظهر واحد منهم أمامه لأن يطبق على زمارة رقبته.)  إلى أن يقول الاستاذ ابراهيم عيسى عن فهمي هويدي : ( ولم ترحم سطور فهمي هويدي أياً من المفكرين الذين وقعوا تحت مقصلة الجماعات المتطرفة.. فها نحن نفهم أنه يتحدث عن د. سعيد العشماوي ود. نصر حامد أبوزيد  و د. أحمد صبحي منصور وعن د . جابر عصفور وعن رزواليوسف ..).   ثم ينقل الاستاذ ابراهيم عيسى فقرات من كتابي " حد الردة" يثبت بها غيرتي على الاسلام ، وهى التي ينساها عمدا فهمي هويدي حين يريد الهجوم على شخصي وكتبي . وهذا هو منهج فهمي هويدي في الاغتيال المعنوي لخصومه بمسدسه كاتم الصوت على حد تعبير الكاتب البارع  الاستاذ ابراهيم عيسى ..

* ونتوقف مع تحليل سريع لمقال فهمي هويدي أو مسدسه كاتم الصوت الذي أطلقه علىّ َ حين خرجت من السجن لأجده يترصدني بالدعوة للإغتيال .

ـ فالواضح أن الاستاذ فهمي هويدي كانت لديه كل الصور المتاحة لوثائق التحقيق معي وهو ينقل عنها في اطمئنان وثقة ، ومع ذلك فلم يتكلم برأيه فيها إلا بعد خروجي من السجن ، ولقد ظلت التحقيقات المكثفة معى وأنا في السجن مستمرة وتعرضها النيابة أولا بأول على المسئولين في الأزهر للرد عليها ، وهم يرفضون الرد عجزاً ورغبة في استبقائي في السجن لأطول مدة ممكنة.. ولو كان الاستاذ فهمي هويدي حريصاً على اطلاق صراحي كما يدعي لكتب ذلك وأنا في السجن ، ولكنه انتظر إلى أن تم إطلاق سراحي فكتب ينتقد ولاية الأمن على الفكر ويمتدح قرار النيابة في الإفراج عني . فأين كان هذا الكلام الجميل طوال شهرين مضتا وأنا  سجين مظلوم بسبب اجتهاد قلته في قضية خلافية بين المسلمين كما يعترف هويدي نفسه ؟ .

ـ والمعروف لدى هويدي وغيره أن القضايا الخلافية بين المسلمين لا تستوجب الاتهام بالكفر والردة ، خصوصا وقد اختلف المفكرون المسلمون في كل شئ ، مع اعتمادهم على القرآن والتراث ، ولقد وضعني في نفس الخندق مع الاستاذ أحمد أمين والشيخ محمود أبو رية فيما يخص موضوع الاحتجاج بالسُنة ..

ومع ذلك فقد حرص هويدي على اتهامي بالكفر مستعيناً بنصوص نقلها عن جلال الدين السيوطي .

ـ  والاستاذ هويدي يعرف من قراءته في التحقيقات التي أجريت معي ومن قراءته  لكتابي " المسلم العاصي " أن تهمة إنكار السنة لا تنطبق علىَ ، وكان ذلك من حيثيات النيابة في الإفراج عني ،وقد قرأ بعض بعض الأحاديث التي استشهدت بها واعتبرتها موافقة لقرآن ، وأن هذا هو منهج المحققين من الأئمة طوال الحضارة الاسلامية كل هذا ما عرفه الاستاذ فهمي هويدي بنفسه ، ولكنه أخفاه ، وقرر بجراءة شديدة اتهامي بالكفر والردة، وأن أقوال السيوطى ينطبق علىَ ، ثم أضاف إلى قائمة الاتهامات أنني أسير في طريق الخوارج والشيعة والزنادقة والمستشرقين ، أى أنه مع كل الاختلافات الجذرية بين الشيعة والخوارج وبين زنادقة العصر العباسي واجتهادات المستشرقين المحدثين فقد اتفقوا على رأى واحد هو هدم الاسلام ، وأخذت أنا عنهم هذا الرأى ، وبالتالي فإذا كان جهاز الأمن قد أطلق سراحي فلا ينبغي أن أظل حياً ، وإلا ما فائدة حد الردة وإقامة بالمعروف ..

* وحين قرأت المقال وما فيه من دعوة صريحة لتصفيتي واغتيالي أسرعت بإرسال مقال للأهرام لأردَ به عن نفسي وأدافع عن حياتي ، وتأكدت من وصول المقال للأستاذ فهمي هويدي شخصياً ، وانتظرت أن ينشر ، فلم ينشر ..

وخفت على حياتي فأسرعت بالهجرة لأمريكا ، وظللت فيها عشرة أشهر حتى ضاع مفعول مسدس الهويدي فعدت إلى وطنى .. فماذا قلت في

* الرد الذي يرى النور لأول مرة !!

 بسم الله الرحمن الرحيم

د . أحمد صبحي منصور

القاهرة في 30/12/ 1987 م.

الرّد المرسل الى جريدة الأهرام :

                          الأخ الاستاذ / ابراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام،

                            سلام الله عليكم ورحمته وبعد ..

فقد نشر في الأهرام يوم 29/12/1987م. مقال للأستاذ فهمي هويدي عنوانه " السنة بين الإفتراء والإجتراء" وفيه مساس بشخصي وآرائي  مما يجعلني أطمع في السماح لي باستخدام حقي القانوني في الرد للتوضيح .. وشكراً.

1ـ وبداية فإنني مع الاستاذ هويدي في أنه ليس لجهاز الأمن ولاية على القضايا الفكرية، كما أنني أسامحه فيما وصفني به من الشطط والجموح والخطأ بغير علم ولا هدى ، وأسأل الله تعالى لي وله العلم والهدى .

2ـ إلا أن بعض ما وصفنى  به الاستاذ هويدي يستحق التفنيد ، فهو يقول أنني حسبت نفسي مجتهداً ، أى يستكثر علىّ أن أكون مجتهداً ، بينما يبيح لنفسه أن يجتهد ، وبعض اجتهاداته مقبول ولكنه ينسى أنني بحكم القانون أحق بالاجتهاد ، فجامعة الأزهر التي أعطتني الدكتوراه  ينص قانونها على أن الاجتهاد في توضيح حقائق الاسلام هو الواجب الوظيفي لأمثالي .

3 ـ ويقول أن تخصصي العلمي هو التاريخ حسب موضوع رسالتي للدكتوراه وهو " أثر التصوف في مصر في العصر المملوكي" ثم يأتي في نهاية المقال ليناقض نفسه حين يقول أنني رددت آرائي عن السُنّة في رسالتي للدكتوراه التي حصلت عليها بمرتبة الشرف الأولى ، ومعنى ذلك أنه اعترف أنني بحثت موضوعات السنة علمياً في رسالتي للدكتوراه ، وأن آرائي فيها أجازتها الجامعة بمرتبة الشرف ، إذ أنا متخصص في الموضوع ولست دخيلاً عليه ، ويرى الأستاذ هويدي أنها مصيبة أن تجيز جامعة الأزهر رسالة علمية فيها مثل هذه الآراء ، وينسى أن الآراء العلمية الموثقة تفرض نفسها حين يكون صاحبها واثقاً من نفسه متمسكاً برأيه حتى إذا كان في جامعة تراثية مثل جامعة الأزهر ، وأطمئنه أن ذك لم يكن سهلاً علىَّ ، فلقد عانيت ثلاث سنوات كاملة (1977 ـ 1980) ومعي حججي ووثائقي حتى انتصرت في النهاية وهو موقف يستحق الإشادة  والتكريم لااللوم والتأنيب.

4ـ ويعترف بأن موضوعات السٌّنة والشفاعة والخلود في النار قضايا خلافية، ويعترف بخلو الساحة من الفقهاء الثقاة ليملأوا الفراغ الدينى وفى نفس الوقت ينقم علىَّ أن أقوم بدورى فى الإجتهاد في هذه المساحة المقفرة ، مع أننى مؤهل للإجتهاد بدراستى وكتبى وأبحاثى ومواقفى في جامعة الأزهر ، ومعنى ذلك أن صحفياً كالأستاذ هويدى أعطى نفسه السلطة لمنح براءات الأجتهاد للعلماء والمفكرين ، فمن يتفق منهم مع وجهة نظره فهو مجتهد ، والويل لمن يأتى بجديد في الفكر لا يعرفه الأستاذ هويدى ، إذن يتهمه بالشطط والخطأ والتطاول.!!

5ـ ثم يقول عن كتابى " المسلم العاصى : هل يخرج من النار ليدخل الجنة؟" ومثل هذا الكلام ليس فيه من الاجتهاد شئ لكنه قراءة رديئة لمقولات  ترددت في أزمنة قديمة" ، وأقول ان الكتاب عبارة عن( 26) صفحة من القطع الصغير احتوت على (120) آية قرآنية ، بحيث لا يكاد يخلوا سطر منها من آية قرآنية ، أى كله استشهاد بالقرآن ، أى أن الأستاذ هويدى ـ غفر الله له ـ يتهم (120) آية قرآنية ـ هى مجموع الكتاب ـ بأنها قراءة رديئة لمقولات ترددت في أزمنة قديمة" وبأنها شطط وشذوذ فكرى  !!

6ـ ويستعين الأستاذ هويدى بالأدلة المعتادة والقديمة في حجية الأحاديث وليسمح لنا بمناقشتها :

( أ ) ـ فالأوامر القرآنية بطاعة الرسول (ص) تقترن بطاعة الله ، أى طاعة الرسالة أو القرآن ، فالله تعالى هو الذى أنزل القرآن على الرسول فأبلغه للناس ، والناس حين يطيعون الرسول انما يطيعون الله " من يطع الرسول فقد أطاع الله " والرسول يحكم بالقرآن فقط  "وأن أحكم بينهم بما أنزل الله  ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك " " أفغير الله ابتغى حكماً ؟وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً ؟." .

فالمطاع واحد وهو الله تعالى في كتابه الذي ينطق به رسوله ، ودليلنا على ذك قوله تعالى " وإذا دعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون"  فالفعل  "يحكم"  جاء مفرداً منسوباً لله وحده ، فلم يقل الله تعالى واذا دُعوا الى الله ورسوله ليحكما ..

 

(ب)  وقوله تعالى " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " نزلت في توزيع الفئ ، وننصح بمراجعة الآية وما قبلها وما بعدها في سورة الحشر وحتى لو رأوا عموم الاستشهاد بها فإن ما آتانا به الرسول هو القرآن  وهم يقولون أن النبي "كان خلقه القرآن" وأنه نهى عن كتابة غير القرآن وقال " من كتب عني غير القرآن فليمحه" وهو حديث صحيح مذكور في خمسة من الكتب (الصحاح) ، ويؤكده أن النبي (ص ) مات ولم يكن مكتوياً إلا القرآن  أو " ما بين الدفتين" كما جاء في البخاري .. وأن جمع الحديث والسنة قد انتشر في القرن الثالث من الهجرة .. في عصور الفتن في العقائد والسلوك .

(ج) وقوله تعالى "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِل إليهم" يعني أن تلك الأحاديث تبين القرآن ، وعلينا أن نرجع للآيات بأكملها لتعرف السياق ، يقول تعالى عن الأنبياء السابقين وأهل الكتاب "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون، بالبينات والزبر" أي أرسلناهم بالكتب السماوية ، ثم يقول تعالى بعدها عن مهمة القرآن بالنسبة لتلك الكتب " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم" فالقرآن يبين لأهل الكتاب ما جاء في كتبهم ، ويؤكد رب العزة نفس المعنى في نفس السورة ـ سورة النحل ـ فيقول " تالله قد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم ، وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختفوا فيه" ويقول أيضاً في نفس المعنى لأهل الكتاب " ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير" ويقول لليهود "إن هذا القرآن يقصُ على بني اسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون." .

* وفي النهاية .. فما أهدف إليه في كتبي إنما هو إجراء حوار حول التراث وكثير من الأفكار التي اكتسبت قدسية بمجرد الاعتياد والتداول عبر الأجيال وأن نحتكم فيها إلى كتاب الله، ولايعقل أن يكون جزائي على ذك السجن ، بل ما هو أقسى منه ، وهو أن يتطاول علىَّ كاتب أحترمه مثل الأستاذ فهمي هويدي غفر الله  له ..

وشكرا..

           أحمد صبحي منصور ... 

هذا ما كتبته للأهرام وللأستاذ فهمي هويدي عقب خروجى من السجن في 30/12/ 1987. ولم يؤثر ذلك شيئاً في الكاتب الفارس فهمي هويدي .وهذا هو موقف فهمي هويدي الذي لم يتغير معي ومع كل مخالفيه في الرأى .. والويل للجميع من مسدسه كاتم الصوت ومن منهجه في الاغتيال المعنوي لخصومه ، أو الذين يختارهم بنفسه خصوماً له ،والسبب أنهم تجرأوا على كتابة ما يخالف مفهومه أو جاءوا بفكر جديد لم يعرفه .. عندها ستنطلق الرصاصات من صفحته الملاّكي في الأهرام .. مع أن مبلغ علمنا أن الأهرام ملك للشعب .. وليس لتصفية الحسابات الشخصية ..

* وحتى تكتمل الصورة ويعتدل الميزان .. نأتي إلى  د. فرج فودة يرحمه الله..

 

فرج فودة .. الفارس في الزمن الردئ !!

* لم يكن الدكتور فرج فودة في ذلك الوقت يستطيع النشر بسهولة  ، ولم تكن له أدنى علاقة بي ، ومع ذلك بادر بنشر هذا المقال في الأهالي بتاريخ 16/12/ 1987 م. أى قبل أن يطلق فهمي هويدي مسدسه كاتم الصوت بأسبوعين تقريباً .. وبالتأكيد فإن فهمي هويدي قد قرأ هذا المقال الأعجوبة الذي يستحوذ على قلب القارئ وعقله وعنوانه  (أحمدك يا رب)..

 أذكر أنني في يوم 18/12/1987م. في سجن المزرعة في طرة كنت أعيش أسوأ حالات الاكتئاب ، وكانت صحف المعارضة ممنوعة ، ولم يتيسر لي إلا قراءة الصحف القومية ، وخصوصا الجمهورية حيث يصول ويجول الشيخ عبد الجليل شلبي في عموده "قرآن وسنة" متشفياً في سجني وفي محنتي .. وصحوت من خيالات الاكتئاب الأسود على نداء للزيارة، وانتهت الزيارة بأكياس الطعام المعتاد وإشارات بالعناية بالجرائد التي تغلف الطعام ، وفهمت الإشارة، وأخذت (الأهالي) بعناية وقرأت ما فيها وكان مقال (فرج فودة) أروع هدية تلقيتها في أسوأ وقت عصيب مررت به في تلك الأيام التي لا أنساها مطلقاً .. وأخذت أتساءل .. كيف يهاجمني من يعرفني ويقرأ  لي ويعرف أنني على الحق ؟ كيف يهاجمني وأنا مظلوم مسجون أعزل وهو يعرف ذلك ؟ وكيف يدافع عني من لم يعرفني ولم يقرأ لي ولم يسمع عني من قبل ؟ .. ثم كيف يكون الذي يظلمني رمزاً للإسلام  ويكون الفارس الذي يدافع عني رمزاً للعداء للإسلام ؟ وكيف تختلط الأمور إلى هذا الحد ، ويلبس الباطل ثوب الحق ، ويكتسي الحق بثوب الباطل ؟ ظللت أردد هذه التساؤلات في سجن مزرعة طرة .. ولأن العصر لايزال هو هو .. فإنني لا زلت أردد نفس الأسئلة حتى الآن .. والدليل أن الشيخ عبدالجليل شلبي  في موقفه وكذلك الاستاذ فهمي هويدي واللواء الاسلامي وغيرها لاتزال تحظى بالمصداقية ، وأضيف لها مجلات على منوالها مثل الحقيقة وعقيدتي .. ولازالت التجارة بالدين رائجة .. ولاتزال أصواتهم عالية.

ـ والدليل أنهم اغتالوا فرج فودة معنوياً قبل أن تغتاله الأيدي الآثمة مادياً .. ولايزالون يبحثون عن ضحايا لهم ..

وإلى متى يظل أولئك يؤدون هذه الوظيفة في الاغتيال المعنوي .. وإلى متى يظل المثقفون والمستنيرون يحسنون بهم الظن ؟ إن الأمر خطير ..

* ويبقى لنا موقف أخير مع الاستاذ فهمي هويدي الذي يجيد إقامة محاكم تفتيش لخصومه في الرأي..

لن نتعامل معه بنفس المنطق ، ونحن بالتأكيد أقدر منه على فهم النصوص والاستدلال بها بحكم الدراسة والتخصص والبحث والتأليف والمؤلفات .. لن نتعامل مع عقائده ونحتكم فيها للنصوص القرآنية ، وذلك مرجعه إلى الله تعالى يوم القيامة ، وإن كان الاستاذ فهمي يحلو له أن يتهم غيره في دينه ومعتقده ..

سنتعامل مع سلوكه ومواقفه التي شهدنا في هذه الدراسة جانباً منها ونشهد تكرارها في الماضي والحاضر الراهن ..

سنتعامل مع مواقفه باعتباره انساناً وباعتباره مؤمناً ..

ـ هل يصح في ميزان الفروسية والشهامة أن يستغل صفحته الأهرامية ذائعة الصيت والتأثير في تأليب الرأى العام على مؤلف قليل الحيلة ـ في وقتها ـ تعرض للظلم والاضطهاد بسبب آرائه التي حصَّنها بكل الأدلة والبراهين ، والتي عجز خصومه في الأزهر عن مواجهتها بالرأي فواجهوه بالعزل والتشريد والسجن.؟.

ـ هل يصح في ميزان الفروسية والشهامة ـ أن يقرأ الاستاذ فهمي هويدي كل حجج المؤلف وكل أدلته وأن يعرف عقائد المؤلف من خلال تحقيق النيابة معه ، ثم بعد أن يعرف ويفهم يكتب ليساعد في ظلم المؤلف ، وهو يعرف ما يفعل ؟ .

ـ وهل يصح في ميدان الفروسية والشهامة أن يقرأ الاستاذ فهمي هويدي رد المؤلف عليه ويمنع ذلك من النشر ، ويعطل حقاً قانونياً للمؤلف في الدفاع عن نفسه ، وهو يعرف أن المؤلف خرج خالى الوفاض من السجن ولايستطيع أن يحصل على حقه بالقضاء ، فهل يصح أن يكون ضعف المؤلف وقتها مشجعاً للأستاذ فهمي هويدي في ظلم المؤلف سابقاً ولاحقاً ؟ .

* إن القرآن الكريم يحض المؤمنين على أن يقوموا بالقسط وأن يشهدوا بالحق ابتغاء مرضاة الله وألا يتبعوا الهوى " سورة النساء آية 125" ويحذرهم من أن تدفعهم كراهيتهم لأن يقولوا غير الحق على خصومهم في الرأى " ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون . المائدة 8. " ..

ـ فكيف غاب هذا التشريع القرآني على كاتب (إسلامي) مثل الأستاذ فهمي هويدي ؟ .    

نعليق منشور في جريدة الأهالي

21/7/1993

هويدي .. وتأصيل ما لا يؤصل

قرأت ما كتبه الأستاذ فهمي هويدي بالأهرام يوم 13/7 والذي يقارن فيه بين هجوم الدكتور فرج فودة على شيخ الأزهر وبين احترام الدكتور ميلاد حنا للبابا شنودة ، وليصل بذلك الأستاذ إلى تبرير اغتيال فرج فودة لأنه تطاول على " رموز الإسلام " بينما يحتفظ الأخوة الأقباط بالتقديس للبابا .. وما كتبه الأستاذ هويدي يؤكد، أنهم قتلوا فرج فودة لأنه آمن بالله وكفر بهم ، ولم يعتبرهم ظل الله على الأرض ، ولأنه يعرف أن الإسلام ليس فيه كهنوت أو رجال دين .والمؤسف أن الأستاذ فهمي هويدي اعترف بأن الأزهر مؤسسة مدنية وليس مؤسسة كهنوتية ، قال ذلك في الملتقى الفكري الذي عقدته الجمعية المصرية لحقوق الإنسان في العام الماضي حول حرية الفكر والتعبير والعقيدة . فلماذا ينسى الآن ما قاله منذ عام ؟ 

إن ما كتبه الأستاذ هويدي يثبت أنه لا يزال حانقا على الدكتور فرج فودة بسبب المساجلات الصحفية بينهما والتي شهدت مجلة أكتوبر طرفا منها .. مع أنه من أخلاق المسلم أن يفصل بين مشاعره الشخصية وبين شهادة الحق والعدل ، والله تعالى يقول " ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون : 5، 8

    ويا أخي العزيز الأستاذ فهمي هويدي: اتق الله ..)

كلمة أخيرة بعد كل هذه السنوات

عاش د فرج فودة 47 عاما . إغتالوه ولكن لا يزال حيا فاعلا بالفكر الجديد الذى أعلنه . أما فهمى هويدى فهو الآن يقترب من التسعين عاما ولا يزال يواصل دوره ، ويحسب أنه يحسن صُنعا . وموعدنا أمام الواحد القهار ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون. 

  شاهد قناة ( أهل القرآن / أحمد صبحى منصور )  https://www.youtube.com/@DrAhmedSubhyMansourAhlAlquran