ب3 : إمتداد المعركة خارج الأزهر. كتاب الأزهر عدو الإسلام الأكبر.
عصر الفرسان بين فرج فودة وفهمي هويدي (2 من 2 )

آحمد صبحي منصور في الأربعاء ٢٨ - يناير - ٢٠٢٦ ١٢:٠٠ صباحاً

ب3 : إمتداد المعركة خارج الأزهر. كتاب الأزهر عدو الإسلام الأكبر

عصر الفرسان بين فرج فودة وفهمي هويدي (2 من 2 )

بسم الله الرحمن الرحيم

د . أحمد صبحي منصور

القاهرة في 30/12/ 1987 م.

الرّد المرسل الى جريدة الأهرام :

                          الأخ الاستاذ / ابراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام،

                            سلام الله عليكم ورحمته وبعد ..

فقد نشر في الأهرام يوم 29/12/1987م. مقال للأستاذ فهمي هويدي عنوانه " السنة بين الإفتراء والإجتراء" وفيه مساس بشخصي وآرائي  مما يجعلني أطمع في السماح لي باستخدام حقي القانوني في الرد للتوضيح .. وشكراً.

1ـ وبداية فإنني مع الاستاذ هويدي في أنه ليس لجهاز الأمن ولاية على القضايا الفكرية، كما أنني أسامحه فيما وصفني به من الشطط والجموح والخطأ بغير علم ولا هدى ، وأسأل الله تعالى لي وله العلم والهدى .

2ـ إلا أن بعض ما وصفنى  به الاستاذ هويدي يستحق التفنيد ، فهو يقول أنني حسبت نفسي مجتهداً ، أى يستكثر علىّ أن أكون مجتهداً ، بينما يبيح لنفسه أن يجتهد ، وبعض اجتهاداته مقبول ولكنه ينسى أنني بحكم القانون أحق بالاجتهاد ، فجامعة الأزهر التي أعطتني الدكتوراه  ينص قانونها على أن الاجتهاد في توضيح حقائق الاسلام هو الواجب الوظيفي لأمثالي .

3 ـ ويقول أن تخصصي العلمي هو التاريخ حسب موضوع رسالتي للدكتوراه وهو " أثر التصوف في مصر في العصر المملوكي" ثم يأتي في نهاية المقال ليناقض نفسه حين يقول أنني رددت آرائي عن السُنّة في رسالتي للدكتوراه التي حصلت عليها بمرتبة الشرف الأولى ، ومعنى ذلك أنه اعترف أنني بحثت موضوعات السنة علمياً في رسالتي للدكتوراه ، وأن آرائي فيها أجازتها الجامعة بمرتبة الشرف ، إذ أنا متخصص في الموضوع ولست دخيلاً عليه ، ويرى الأستاذ هويدي أنها مصيبة أن تجيز جامعة الأزهر رسالة علمية فيها مثل هذه الآراء ، وينسى أن الآراء العلمية الموثقة تفرض نفسها حين يكون صاحبها واثقاً من نفسه متمسكاً برأيه حتى إذا كان في جامعة تراثية مثل جامعة الأزهر ، وأطمئنه أن ذك لم يكن سهلاً علىَّ ، فلقد عانيت ثلاث سنوات كاملة (1977 ـ 1980) ومعي حججي ووثائقي حتى انتصرت في النهاية وهو موقف يستحق الإشادة  والتكريم لااللوم والتأنيب.

4ـ ويعترف بأن موضوعات السٌّنة والشفاعة والخلود في النار قضايا خلافية، ويعترف بخلو الساحة من الفقهاء الثقاة ليملأوا الفراغ الدينى وفى نفس الوقت ينقم علىَّ أن أقوم بدورى فى الإجتهاد في هذه المساحة المقفرة ، مع أننى مؤهل للإجتهاد بدراستى وكتبى وأبحاثى ومواقفى في جامعة الأزهر ، ومعنى ذلك أن صحفياً كالأستاذ هويدى أعطى نفسه السلطة لمنح براءات الأجتهاد للعلماء والمفكرين ، فمن يتفق منهم مع وجهة نظره فهو مجتهد ، والويل لمن يأتى بجديد في الفكر لا يعرفه الأستاذ هويدى ، إذن يتهمه بالشطط والخطأ والتطاول.!!

5ـ ثم يقول عن كتابى " المسلم العاصى : هل يخرج من النار ليدخل الجنة؟" ومثل هذا الكلام ليس فيه من الاجتهاد شئ لكنه قراءة رديئة لمقولات  ترددت في أزمنة قديمة" ، وأقول ان الكتاب عبارة عن( 26) صفحة من القطع الصغير احتوت على (120) آية قرآنية ، بحيث لا يكاد يخلوا سطر منها من آية قرآنية ، أى كله استشهاد بالقرآن ، أى أن الأستاذ هويدى ـ غفر الله له ـ يتهم (120) آية قرآنية ـ هى مجموع الكتاب ـ بأنها قراءة رديئة لمقولات ترددت في أزمنة قديمة" وبأنها شطط وشذوذ فكرى  !!

6ـ ويستعين الأستاذ هويدى بالأدلة المعتادة والقديمة في حجية الأحاديث وليسمح لنا بمناقشتها :

( أ ) ـ فالأوامر القرآنية بطاعة الرسول (ص) تقترن بطاعة الله ، أى طاعة الرسالة أو القرآن ، فالله تعالى هو الذى أنزل القرآن على الرسول فأبلغه للناس ، والناس حين يطيعون الرسول انما يطيعون الله " من يطع الرسول فقد أطاع الله " والرسول يحكم بالقرآن فقط  "وأن أحكم بينهم بما أنزل الله  ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله اليك " " أفغير الله ابتغى حكماً ؟وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً ؟." .

فالمطاع واحد وهو الله تعالى في كتابه الذي ينطق به رسوله ، ودليلنا على ذك قوله تعالى " وإذا دعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون"  فالفعل  "يحكم"  جاء مفرداً منسوباً لله وحده ، فلم يقل الله تعالى واذا دُعوا الى الله ورسوله ليحكما ..

 

(ب)  وقوله تعالى " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " نزلت في توزيع الفئ ، وننصح بمراجعة الآية وما قبلها وما بعدها في سورة الحشر وحتى لو رأوا عموم الاستشهاد بها فإن ما آتانا به الرسول هو القرآن  وهم يقولون أن النبي "كان خلقه القرآن" وأنه نهى عن كتابة غير القرآن وقال " من كتب عني غير القرآن فليمحه" وهو حديث صحيح مذكور في خمسة من الكتب (الصحاح) ، ويؤكده أن النبي (ص ) مات ولم يكن مكتوياً إلا القرآن  أو " ما بين الدفتين" كما جاء في البخاري .. وأن جمع الحديث والسنة قد انتشر في القرن الثالث من الهجرة .. في عصور الفتن في العقائد والسلوك .

(ج) وقوله تعالى "وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِل إليهم" يعني أن تلك الأحاديث تبين القرآن ، وعلينا أن نرجع للآيات بأكملها لتعرف السياق ، يقول تعالى عن الأنبياء السابقين وأهل الكتاب "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لاتعلمون، بالبينات والزبر" أي أرسلناهم بالكتب السماوية ، ثم يقول تعالى بعدها عن مهمة القرآن بالنسبة لتلك الكتب " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم" فالقرآن يبين لأهل الكتاب ما جاء في كتبهم ، ويؤكد رب العزة نفس المعنى في نفس السورة ـ سورة النحل ـ فيقول " تالله قد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم ، وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختفوا فيه" ويقول أيضاً في نفس المعنى لأهل الكتاب " ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير" ويقول لليهود "إن هذا القرآن يقصُ على بني اسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون." .

* وفي النهاية .. فما أهدف إليه في كتبي إنما هو إجراء حوار حول التراث وكثير من الأفكار التي اكتسبت قدسية بمجرد الاعتياد والتداول عبر الأجيال وأن نحتكم فيها إلى كتاب الله، ولايعقل أن يكون جزائي على ذك السجن ، بل ما هو أقسى منه ، وهو أن يتطاول علىَّ كاتب أحترمه مثل الأستاذ فهمي هويدي غفر الله  له ..

وشكرا..

           أحمد صبحي منصور ... 

هذا ما كتبته للأهرام وللأستاذ فهمي هويدي عقب خروجى من السجن في 30/12/ 1987. ولم يؤثر ذلك شيئاً في الكاتب الفارس فهمي هويدي .وهذا هو موقف فهمي هويدي الذي لم يتغير معي ومع كل مخالفيه في الرأى .. والويل للجميع من مسدسه كاتم الصوت ومن منهجه في الاغتيال المعنوي لخصومه ، أو الذين يختارهم بنفسه خصوماً له ،والسبب أنهم تجرأوا على كتابة ما يخالف مفهومه أو جاءوا بفكر جديد لم يعرفه .. عندها ستنطلق الرصاصات من صفحته الملاّكي في الأهرام .. مع أن مبلغ علمنا أن الأهرام ملك للشعب .. وليس لتصفية الحسابات الشخصية ..

* وحتى تكتمل الصورة ويعتدل الميزان .. نأتي إلى  د. فرج فودة يرحمه الله..

 

فرج فودة .. الفارس في الزمن الردئ !!

* لم يكن الدكتور فرج فودة في ذلك الوقت يستطيع النشر بسهولة  ، ولم تكن له أدنى علاقة بي ، ومع ذلك بادر بنشر هذا المقال في الأهالي بتاريخ 16/12/ 1987 م. أى قبل أن يطلق فهمي هويدي مسدسه كاتم الصوت بأسبوعين تقريباً .. وبالتأكيد فإن فهمي هويدي قد قرأ هذا المقال الأعجوبة الذي يستحوذ على قلب القارئ وعقله ، فماذا قال فرج فودة تحت عنوان (أحمدك يا رب)..

 أذكر أنني في يوم 18/12/1987م. في سجن المزرعة في طرة كنت أعيش أسوأ حالات الاكتئاب ، وكانت صحف المعارضة ممنوعة ، ولم يتيسر لي إلا قراءة الصحف القومية ، وخصوصا الجمهورية حيث يصول ويجول الشيخ عبد الجليل شلبي في عموده "قرآن وسنة" متشفياً في سجني وفي محنتي .. وصحوت من خيالات الاكتئاب الأسود على نداء للزيارة، وانتهت الزيارة بأكياس الطعام المعتاد وإشارات بالعناية بالجرائد التي تغلف الطعام ، وفهمت الإشارة، وأخذت (الأهالي) بعناية وقرأت ما فيها وكان مقال (فرج فودة) أروع هدية تلقيتها في أسوأ وقت عصيب مررت به في تلك الأيام التي لا أنساها مطلقاً .. وأخذت أتساءل .. كيف يهاجمني من يعرفني ويقرأ  لي ويعرف أنني على الحق ؟ كيف يهاجمني وأنا مظلوم مسجون أعزل وهو يعرف ذلك ؟ وكيف يدافع عني من لم يعرفني ولم يقرأ لي ولم يسمع عني من قبل ؟ .. ثم كيف يكون الذي يظلمني رمزاً للإسلام  ويكون الفارس الذي يدافع عني رمزاً للعداء للإسلام ؟ وكيف تختلط الأمور إلى هذا الحد ، ويلبس الباطل ثوب الحق ، ويكتسي الحق بثوب الباطل ؟ ظللت أردد هذه التساؤلات في سجن مزرعة طرة .. ولأن العصر لايزال هو هو .. فإنني لا زلت أردد نفس الأسئلة حتى الآن .. والدليل أن الشيخ عبدالجليل شلبي  في موقفه وكذلك الاستاذ فهمي هويدي واللواء الاسلامي وغيرها لاتزال تحظى بالمصداقية ، وأضيف لها مجلات على منوالها مثل الحقيقة وعقيدتي .. ولازالت التجارة بالدين رائجة .. ولاتزال أصواتهم عالية.

ـ والدليل أنهم اغتالوا فرج فودة معنوياً قبل أن تغتاله الأيدي الآثمة مادياً .. ولايزالون يبحثون عن ضحايا لهم ..

وإلى متى يظل أولئك يؤدون هذه الوظيفة في الاغتيال المعنوي .. وإلى متى يظل المثقفون والمستنيرون يحسنون بهم الظن ؟ إن الأمر خطير ..

* ويبقى لنا موقف أخير مع الاستاذ فهمي هويدي الذي يجيد إقامة محاكم تفتيش لخصومه في الرأي..

لن نتعامل معه بنفس المنطق ، ونحن بالتأكيد أقدر منه على فهم النصوص والاستدلال بها بحكم الدراسة والتخصص والبحث والتأليف والمؤلفات .. لن نتعامل مع عقائده ونحتكم فيها للنصوص القرآنية ، وذلك مرجعه إلى الله تعالى يوم القيامة ، وإن كان الاستاذ فهمي يحلو له أن يتهم غيره في دينه ومعتقده ..

سنتعامل مع سلوكه ومواقفه التي شهدنا في هذه الدراسة جانباً منها ونشهد تكرارها في الماضي والحاضر الراهن ..

سنتعامل مع مواقفه باعتباره انساناً وباعتباره مؤمناً ..

ـ هل يصح في ميزان الفروسية والشهامة أن يستغل صفحته الأهرامية ذائعة الصيت والتأثير في تأليب الرأى العام على مؤلف قليل الحيلة ـ في وقتها ـ تعرض للظلم والاضطهاد بسبب آرائه التي حصَّنها بكل الأدلة والبراهين ، والتي عجز خصومه في الأزهر عن مواجهتها بالرأي فواجهوه بالعزل والتشريد والسجن.؟.

ـ هل يصح في ميزان الفروسية والشهامة ـ أن يقرأ الاستاذ فهمي هويدي كل حجج المؤلف وكل أدلته وأن يعرف عقائد المؤلف من خلال تحقيق النيابة معه ، ثم بعد أن يعرف ويفهم يكتب ليساعد في ظلم المؤلف ، وهو يعرف ما يفعل ؟ .

ـ وهل يصح في ميدان الفروسية والشهامة أن يقرأ الاستاذ فهمي هويدي رد المؤلف عليه ويمنع ذلك من النشر ، ويعطل حقاً قانونياً للمؤلف في الدفاع عن نفسه ، وهو يعرف أن المؤلف خرج خالى الوفاض من السجن ولايستطيع أن يحصل على حقه بالقضاء ، فهل يصح أن يكون ضعف المؤلف وقتها مشجعاً للأستاذ فهمي هويدي في ظلم المؤلف سابقاً ولاحقاً ؟ .

 

* إن القرآن الكريم يحض المؤمنين على أن يقوموا بالقسط وأن يشهدوا بالحق ابتغاء مرضاة الله وألا يتبعوا الهوى " سورة النساء آية 125" ويحذرهم من أن تدفعهم كراهيتهم لأن يقولوا غير الحق على خصومهم في الرأى " ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون . المائدة 8. " ..

ـ فكيف غاب هذا التشريع القرآني على كاتب (إسلامي) مثل الأستاذ فهمي هويدي ؟ .    

المنشور في جريدة الأهالي

21/7/1993

هويدي .. وتأصيل ما لا يؤصل

قرأت ما كتبه الأستاذ فهمي هويدي بالأهرام يوم 13/7 والذي يقارن فيه بين هجوم الدكتور فرج فودة على شيخ الأزهر وبين احترام الدكتور ميلاد حنا للبابا شنودة ، وليصل بذلك الأستاذ إلى تبرير اغتيال فرج فودة لأنه تطاول على " رموز الإسلام " بينما يحتفظ الأخوة الأقباط بالتقديس للبابا .. وما كتبه الأستاذ هويدي يؤكد، أنهم قتلوا فرج فودة لأنه آمن بالله وكفر بهم ، ولم يعتبرهم ظل الله على الأرض ، ولأنه يعرف أن الإسلام ليس فيه كهنوت أو رجال دين .والمؤسف أن الأستاذ فهمي هويدي اعترف بأن الأزهر مؤسسة مدنية وليس مؤسسة كهنوتية ، قال ذلك في الملتقى الفكري الذي عقدته الجمعية المصرية لحقوق الإنسان في العام الماضي حول حرية الفكر والتعبير والعقيدة . فلماذا ينسى الآن ما قاله منذ عام ؟ 

إن ما كتبه الأستاذ هويدي يثبت أنه لا يزال حانقا على الدكتور فرج فودة بسبب المساجلات الصحفية بينهما والتي شهدت مجلة أكتوبر طرفا منها .. مع أنه من أخلاق المسلم أن يفصل بين مشاعره الشخصية وبين شهادة الحق والعدل ، والله تعالى يقول " ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون : 5، 8

    ويا أخي العزيز الأستاذ فهمي هويدي: اتق الله ..)

كلمة أخيرة بعد كل هذه السنوات

عاش د فرج فودة 47 عاما . إغتالوه ولكن لا يزال حيا فاعلا بالفكر الجديد الذى أعلنه . أما فهمى هويدى فهو الآن يقترب من التسعين عاما ولا يزال يواصل دوره ، ويحسب أنه يحسن صُنعا . وموعدنا أمام الواحد القهار ليحكم بيننا فيما نحن فيه مختلفون. 

  شاهد قناة ( أهل القرآن / أحمد صبحى منصور )  https://www.youtube.com/@DrAhmedSubhyMansourAhlAlquran

اجمالي القراءات 189