الاحتجاجات الأخيرة ضد السيسي.. نقطة تحول أم غضب عابر؟

اضيف الخبر في يوم الأحد 04 اكتوبر 2020. نقلا عن: الخليج الجديد


الاحتجاجات الأخيرة ضد السيسي.. نقطة تحول أم غضب عابر؟

اندلعت احتجاجات في العديد من المحافظات والقرى في مصر في 20 سبتمبر/أيلول ضد الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة في البلاد، وجاءت المظاهرات بمناسبة الذكرى الأولى للاحتجاجات التي دعا إليها رجل الأعمال المصري المنفي "محمد علي" في سبتمبر/أيلول 2019.

وبدءًا من محافظة الجيزة، امتدت المظاهرات إلى صعيد مصر، بما في ذلك مناطق أسيوط وسوهاج وقنا والمنيا وبني سويف والفيوم وأسوان.

وبالرغم من القمع الشديد والاستبداد الذي ساد منذ وصول الرئيس "عبد الفتاح السيسي" إلى السلطة، تمكن المتظاهرون من النزول إلى الشوارع والمطالبة برحيل "السيسي"، وبلغت المسيرات ذروتها في 25 سبتمبر/أيلول فيما عُرف بـ"جمعة الغضب" التي دعا إليها "علي".

فلماذا نزل الناس إلى الشوارع وسط أجواء القمع السياسي القاسية في مصر؟ هناك العديد من الأسباب، معظمها تتعلق بالظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يعاني منها المتظاهرون، والتي تفاقمت خلال الأشهر القليلة الماضية بسبب جائحة "كورونا".

تسبب فيروس "كورونا" في اضطرابات اقتصادية بالبلاد. وبحلول أغسطس/آب الماضي، فقد نحو مليوني ونصف المليون شخص وظائفهم، وفقًا لبيان صادر عن الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء. كما أظهر البيان أنه خلال الأشهر الستة الماضية، قفز معدل البطالة من 7.7% إلى 9.6%، في عدد سكان يزيد عن 100 مليون نسمة. ويقول البعض إن أرقام البطالة الحقيقية أعلى من ذلك.

ويشير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أيضًا إلى أن حوالي 26% من العاملين الذين لديهم أسر فقدوا وظائفهم بسبب فيروس كورونا. وقد عمل معظمهم في الصناعات التحويلية، بما في ذلك المواد الغذائية والمنسوجات والملابس والمنتجات الزراعية والبناء والتشييد، وكذلك في قطاعي النقل والتخزين.

كان لـ"كورونا" أيضًا آثار كارثية على قطاع السياحة، الذي يشكل 12% من الناتج المحلي الإجمالي لمصر، وحقق حوالي 13 مليار دولار من الإيرادات لمصر العام الماضي. وقد توقعت دراسة رسمية خسائر فادحة في قطاع السياحة نتيجة فيروس "كورونا"، تصل إلى أكثر من 70%.

تأثر العديد من العاملين في قطاع السياحة والطيران، الذين يبلغ عددهم حوالي 3 ملايين، بتراجع عائدات السياحة؛ وخاصة من سكان الجيزة الذين تعتمد دخولهم بشكل رئيسي على السياحة. لذلك لم يكن مفاجئًا أن تكون المظاهرات قد اندلعت في جميع أنحاء محافظة الجيزة.معدلات الفقر

وبالنظر إلى خريطة الفقر في مصر، هناك ارتباط قوي بين معدلات الفقر وأماكن الاحتجاجات، خاصة في صعيد مصر.

ووفقًا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ معدل الفقر عام 2017-2018  حوالي 32.5%، مما يعني أن ثلث السكان المصريين يعيشون تحت خط الفقر البالغ حوالي 735 جنيهًا مصريًا (47 دولارًا) في الشهر.

وتعاني العديد من المحافظات في جميع أنحاء مصر من معدلات فقر عالية، بما في ذلك أسيوط (67%) وسوهاج (60%) والأقصر (55%) والمنيا (54%) وقنا (41%). 

لعبت السياسات والقرارات الحكومية الأخيرة، خاصة تلك المتعلقة برفع الأسعار وهدم المنازل، دورًا كبيرًا في إثارة الاحتجاجات. وأصدرت الحكومة قرارًا بهدم المباني التي يُنظر إليها على أنها غير قانونية،في حال عدم دفع غرامات باهظة، مما كان له تأثير سلبي كبير على العديد من المجتمعات الفقيرة وذات الدخل المنخفض.

كما تحدث "السيسي" حول هذا الموضوع بطريقة فجة وهدد السكان بنشر الجيش لهدم منازلهم. وبحسب التقارير الرسمية، سجلت مصر مليوني مخالفة بناء بين عامي 2000 و 2017. وتعهدت الحكومة بهدم هذه المنازل ما لم يقم أصحابها بتعديل أوضاعهم وتسوية القضية بدفع الغرامات.

ويمكن وصف الاحتجاجات الأخيرة في مصر بأنها انتفاضة للفقراء، حيث تتركز بين أولئك الذين يتحملون وطأة الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة. ويشار إلى أن الطبقة الوسطى لم تشارك لأسباب مختلفة منها القمع والخوف من رد فعل النظام، على غرار ما حدث قبل عام عندما اعتقلت الدولة آلاف المتظاهرين الذين طالبوا برحيل "السيسي".

ومن الأسباب الأخرى وجود جو عام من اليأس والإحباط من فشل ثورة 2011 وخيبة أمل العديد من الشباب الذين شاركوا فيها.غياب الطبقة الوسطى

بالرغم من جهود الحشد التي بذلها "محمد علي" والمعارضة في الخارج في الأسابيع الأخيرة، إلا أن قلة مشاركة الطبقة الوسطى ربما تكون قد ساهمت في فشل "انتفاضة الفقراء" وعدم قدرتها على تحقيق مطلبها الرئيسي: "رحيل السيسي".

ومع ذلك، تمثل هذه الانتفاضة نقطة تحول في المشهد السياسي في مصر بعدة طرق. أولاً، هذه هي المرة الأولى التي تحدث فيها احتجاجات تطالب برحيل "السيسي" في أكثر من محافظة مصرية في نفس الوقت، لا سيما وسط حملة أمنية غير مسبوقة وتضييق على المجال العام.

كما أنها واحدة من المرات القليلة التي انتفضت فيها الجماهير الفقيرة ضد ظروفها الاقتصادية والاجتماعية، وفعلت ذلك عبر منطقة جغرافية واسعة، مما جعل من الصعب على النظام قمعهم بالوسائل التقليدية.

ولم يكن أمام النظام خيار سوى قمع المتظاهرين: تم اعتقال أكثر من 700 شخص من بينهم حوالي 68 طفلاً ومراهقًا تم إطلاق سراحهم لاحقًا. فيما قتل اثنين من المتظاهرين واحد في الجيزة يوم "جمعة الغضب" والثاني، "عويس الراوي"، الذي أصيب برصاصة في رأسه من قبل ضابط شرطة في الأقصر يوم الأربعاء الماضي.

في غضون ذلك، حاولت وسائل الإعلام الموالية للنظام تشويه الاحتجاجات، واصفة إياها بأنها مؤامرة أجنبية دبرها "الإخوان المسلمون" من الخارج للإطاحة بالنظام. ويصعب تصديق أن "الإخوان" كانوا وراء هذه الاحتجاجات لعدة أسباب أهمها أن الجماعة ليس لها حضور كبير بين الطبقات العاملة.

كما يعاني "الإخوان" من قيود تنظيمية وتعبوية شديدة بسبب قمع الدولة. وفي حين أن أعضاء الجماعة ربما شاركوا، إلا أنه من المحتمل أن ذلك فقط بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحلية.

وتمثل الاحتجاجات الأخيرة خطوة جديدة نحو استعادة المجال العام من الدولة البوليسية في مصر.و قد يمهد ذلك الطريق لمزيد من الاحتجاجات، وربما لثورة تطيح بـ"السيسي" ونظامه.

اجمالي القراءات 201
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق