هكذا رسخ صندوق النقد والبنك الدوليين عروش الاستبداد في العالم

اضيف الخبر في يوم السبت 12 سبتمبر 2020. نقلا عن: ساسه


هكذا رسخ صندوق النقد والبنك الدوليين عروش الاستبداد في العالم

من رحم مؤتمر بريتون وودز، الذي أسس لجعل الدولار «عملة الاحتياط الدولية» في عام 1944، وُلِدَت مجموعة البنك الدولي (WBG) لتعمل مع البلدان النامية على «الحد من الفقر، وتعزيز الرخاء المشترك، وتشجيع التنمية المستدامة»، إلى جانب صندوق النقد الدولي (IMF) المعني بـ«ضمان استقرار النظام النقدي الدولي، ورصد حركة العملات في العالم». 

لكن بعد 27 عامًا نسف الرئيس نيكسون – في خطابه الشهير عام 1971 – إطار العمل النقدي الذي بُني عليه هذا النظام: التزام الولايات المتحدة بتحويل الدولار إلى ذهب عند سعر ثابت، وضمان حرية التحويل بين عملات الدول المختلفة، ووضع نظام لأسعار الصرف يمنع التقلبات العنيفة فيما بينها، وتحقيق التوازن في موازين المدفوعات، وتوفير السيولة الدولية.

وحين ينظر المؤرخ وأستاذ العلوم السياسية البلجيكي إريك توسان إلى مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي اليوم، بعد مرور 76 عامًا على تأسيسهما، يجد أنهما «خاضعان لهيمنة الولايات المتحدة وعدد قليل من القوى الكبرى المتحالفة التي تعمل على تعميم سياسات تتعارض مع مصالح سكان العالم». 

وتوسان ليس مؤرخًا وأستاذًا جامعيًا فقط، بل أيضًا متحدثًا باسم «الشبكة الدولية للجنة من أجل إلغاء الديون غير الشرعية»، وهو على درايةٍ بمخاطر القروض التي قدمها البنك الدولي وصندوق النقد بهدف «التأثير المنهجيّ» على الدول المدينة، وكيف أن «المديونية الأجنبية كانت ولم تزل تستخدم كأداة لإخضاع المقترضين». 

سياسة لا اقتصاد.. «تحايل منهجيّ» على المواثيق التأسيسية 

تنص القواعد المكتوبة على أنه «لا يجوز للبنك ولا لمسؤوليه التدخل في الشؤون السياسية لأي عضو، وألا تتأثر قراراتهم بالطابع السياسي للعضو أو الأعضاء المعنيين، وأن تسترشد قراراتهم بالاعتبارات الاقتصادية وحدها، وأن يقدروا هذه الاعتبارات بنزاهة».

لكن كتاب «البنك الدولي: انقلاب لا ينتهي» يخلُص إلى أن «البنك الدولي وصندوق النقد، منذ إنشائهما، ينتهكان المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ولا يتورعان عن دعم الديكتاتوريات». أما مشاريعهما فلها غرض سياسي أساسي هو: «كبح جماح أي حركات شعبية تتحدى سيطرة القوى الرأسمالية الكبرى». 

في 337 صفحة يرصد الكتاب الصادر عام 2007 «تحايلًا منهجيًا» من هاتين المؤسستين الدوليتين حتى على مواثقيهما التأسيسية، وهو ما يظهر من خلال دعمهما المالي للدكتاتوريات الحاكمة، بدءًا من تشيلي، والبرازيل، ونيكاراجوا، مرورًا بالكونغو، ورومانيا، وصولًا إلى دول العالم العربي. 

وليس هذا النهج جديدًا، بل رفض البنك الدولي – بُعَيْد تأسيسه – منح قروض لفرنسا في فترة ما بعد التحرير طالما أن الشيوعيين يشاركون في الحكومة المؤقتة (1944-1947)، وبمجرد مغادرتهم الحكومة في مايو (أيار) 1947 وافق البنك في اليوم التالي مباشرة على القرض الذي طلبته فرنسا، وكان هذا أول قرضٍ يصدره البنك في تاريخه.

سياسة

منذ سنتين
احذر من إشادات صندوق النقد.. 4 دول أشاد بها وهي على حافة الانهيار

ومنذ الخمسينات فصاعدًا، ركزت سياسة البنك الدولي على تأسيس وكالات شبه حكومية مستقلة نسبيًا، ولا تخضع حتى للبرلمانات الوطنية، وبالتالي كان لها «تأثير عميق على الهيكل السياسي والتنمية الاجتماعية في المنطقة بأكملها، بما يقوض المنظومة الحزبية السياسية، ويهمش دور السلطتين التشريعية والقضائية»، حسبما خلُصت دراسة أعدها المركز القانوني الدولي (ILC) ومقره نيويورك.

3 انتقادات رئيسة توجه للبنك الدولي وصندوق النقد

«الحكم الديمقراطي، وحقوق الإنسان، وحماية البيئة»؛ ثلاثة عناوين عريضة تلخص أبرز الانتقادات الموجهة للبنك الدولي وصندوق النقد، حسبما يرصدها «مشروع بريتون وودز»، وهي منظمة غير حكومية تتخذ من المملكة المتحدة مقرًا لها، وتناهض سياسات البنك الدولي وصندوق النقد، وتدافع عن تبني نهج عالميّ بديل أكثر عدالة.

بالتعمُّق أكثر، نجد تمثيلًا ناقصًا للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط ​​في المجالس التنفيذية لتلك المؤسسات المالية الدولية، وشروطًا للقروض أو المشاريع أو المساعدات الفنية (إجراءات مسبقة ولاحقة) تقوض سيادة الدول المقترضة، وتداعيات بيئية واجتماعية مترتبة على المشاريع الممولة دوليًا، مثل سد سردار ساروفار، الأكبر في الهند، الذي افتتحه ناريندرا مودي في عام 2017 متجاهلًا تحذيرات جماعات مدافعة عن البيئة بأن مئات الآلاف سيفقدون مصدر رزقهم.

بالإضافة إلى محتوى السياسات والبرامج والمشاريع التي تقوض مجموعة واسعة من حقوق الإنسان الاقتصادية، مثل: تخفيض الأجور، وفرض الضرائب، ورفع الدعم، وكذلك المشروعات التي تنتهك المعايير الدولية لحقوق الإنسان، عبر عمليات الإخلاء الجماعي، والتشريد القسري، وانتهاك حقوق الشعوب الأصلية، وتدمير الغابات، وعمل الأطفال والسخرة، بل الاستثمار في شركات تتهرب من دفع مستحقاتها الضريبية، وفي مشاريع تخلق بيئة تعزز العنف ضد النساء، بما في ذلك الاعتداء الجنسي وانتشار الإيدز.

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
القصة غير المروية.. هل تآمرت بعض دول الخليج مع «صندوق النقد» على مصر؟

لهذه الأسباب واجه البنك الدولي وصندوق النقد مقاومة لا تهدأ من المجتمع المدني والحركات الاجتماعية، بدءًا من حملة «50 سنة كافية» العالمية التي انطلقت في عام 1994، وليس انتهاء بـ«المؤتمر العالمي للشعوب ضد صندوق النقد والبنك الدولي» لعام 2018. 

من السوفيت إلى الصينيين.. اختلف الأعداء والسياسة واحدة 

وبينما رفعت مؤسسات بريتون وودز شعار «إعادة بناء الاقتصاد العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية»، كانت في نظر آخرين ليست سوى «محاولة للدفاع عن الرأسمالية الغربية أو توسيعها في مواجهة تحدٍ محتمل من الاتحاد السوفياتي، وتعزيز مصالح الولايات المتحدة على وجه الخصوص»، كما يشرح المنظر الماركسي ليو بانيتش في كتابه «صناعة الرأسمالية العالمية: الاقتصاد السياسي للإمبراطورية الأمريكية».

عادت هذه الانتقادات إلى الواجهة بعد الأزمة المالية التي ضربت العالم في عام 2008، لكن بالتركيز هذه المرة على صعود الصين، والتحدي الذي يمثله الفاعلون الجدد – من الدول والمؤسسات – في عالم متعدد الأقطاب من تحدٍ للهيمنة المتصورة لمؤسسات بريتون وودز على العالم. 

لكن بالتدقيق أكثر، يخلص «مشروع بريتون وودز» إلى أن هذا «الإطار التحليلي معيب»؛ ببساطة لأن هناك درجة عالية من التعاون بين البنك الدولي وصندوق النقد من جهة والمؤسسات متعددة الأطراف الأخرى من جهة أخرى، بما في ذلك المؤسسات التي دشنتها الصين والدول النامية الأخرى.

ولا يغير هذا من حقيقة أن القروض التي قدمتها الصين الشيوعية لدول العالم تفوق ما قدمه صندوق النقد الدولي في السنوات الأخيرة، لدرجة أن بكين باتت توصف بأنها «بارون الرأسمالية الجديد». ولا غروَ أن يشترك رئيس البنك الدولي، ديفيد مالباس، والمديرة العامة لصندوق النقد، كريستالينا جيورجييفا، في القلق من «خطر الديون» الصينية. 

العالم والاقتصاد

منذ سنتين
يعيد خلق العالم على صورته.. كيف يبشر «صندوق النقد» بـ«دين» أوحد للتقدم؟

ويجدر استحضار هذه المنافسة عند قراءة أخبارٍ ظاهرها التعاطف مع الشعوب، مثل: قطع تمويل البنك الدولي عن المدارس المهنية في منطقة شينجيانج الصينية بعد تقارير عن سوء معاملة الحكومة لأقلية الإيجور المقيمة في المنطقة، وهو القرار الذي لا يختلف في دوافعه كثيرًا مع فرض الحكومة الأمريكية عقوبات على 11 شركة صينية بسبب انتهاكات ضد الإيجور وأقليات أخرى. 

بوصلة مؤسسات بريتون وودز: مصالح القوى الرأسمالية الكبرى

«يبدو أن الغرب راض في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بدعم طائفة من المستبدين العرب، طالما هم يدعمون المصالح الغربية ويرعونها»، كما يقول كينيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة هيومن رايتس ووتش.

ولطالما كانت المصالح السياسية والإستراتيجية للقوى الرأسمالية الكبرى هي البوصلة التي يتحرك البنك الدولي وصندوق النقد وفقًا لمؤشرها، والنتيجة: أن الأنظمة التي تدعم القوى الرأسمالية الكبرى تلقت مساعدات مالية، على الرغم من أن سياساتها الاقتصادية لم تستوفِ المعايير الرسمية، أو انتكهت حقوق الإنسان. 

وفي المقابل حُرِمَت الأنظمة التي توصف بأنها معادية للقوى الكبرى من قروض المؤسسات المالية الدولية بحجة أنها لم تستوفِ المعايير الاقتصادية.

وأحد أبرز الأمثلة على ذلك: مصر. ففي ظل ربع قرنٍ من الطوارئ حكم مبارك خلالها البلاد، كان صندوق النقد الدولي داعما لسياسات خصخصة القطاع العام، الذي كان يضم آنذاك 176 شركة كبرى توظف أكثر من 400 ألف شخص، وخفض الدعم الحكومي للفئات الفقيرة، ولا سيما دعم الوقود بأنواعه، وهي السياسة التي أكمل السيسي تطبيقها بقسوةٍ، في مقابل الحصول على قروض سخية من الصندوق.

منذ انضمام مصر إلى عضوية صندوق النقد في ديسمبر (كانون الأول) 1945، حصلت الحكومات المتعاقبة على أكثر من قرض دولي في عهدَيْ السادات ومبارك، لكن بعد قيام ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 لم يظهر الصندوق حماسةً مشابهة لأربع طلبات تقدمت بهما مصر – مرتين قبل وصول محمد مرسي إلى الرئاسة ومرتين بعدها – وحين أعرب مرسي عن تحفظه على الشروط – التي تشمل رفع الدعم على الوقود – دخلت المفاوضات مع الصندوق نفقًا مظلمًا.

دولي

منذ 7 شهور
هل تصبح رومانيا «وطنًا بلا مواطنين» بسبب صندوق النقد الدولي؟

ربما لم تكن هناك معارضة صريحة من صندوق النقد الدولي، أو حتى مماطلة في إتمام الاتفاق؛ كما يقول يحيى حامد، وزير الاستثمار المصري السابق في حكومة هشام قنديل، لكن الولادة كانت متعثرة في عهد مرسي مقارنة بالسهولة التي حصل بها السيسي على حوالي 20 مليار دولار منذ عام 2016، غير آبه حتى بتحذير بعض أعضاء البرلمان، أمثال النائب أحمد الطنطاوي، من أن «الاستمرار في الاستدانة سيقود مصر إلى الإفلاس».

بعد دعم الطغاة لعقود.. هل تعتذر مؤسسات بريتون وودز للشعوب؟

مسترشدة بهذه البوصلة «مصالح الرأسمالية العالمية»، ما فتئت مؤسسات «بريتون وودز» طيلة الـ76 عامًا الماضية تدعم حكام نظم غير ديمقراطية، ولا مراعية لحقوق الإنسان، مثل بن علي في تونس، ومبارك في مصر، حتى الإطاحة بهما في عام 2011. وقبلهما دعمت مؤسسات بريتون وودز محمد سوهارتو في إندونيسيا، وهو من الرؤساء العسكريين الذين أضاعوا كثيرًا من ميراث أحمد سوكارنو القومي.

ولم يزل الدعم مستمرًا حتى اليوم لإدريس ديبي، رئيس الجمهورية الأوحد للبلاد منذ وصوله إلى السلطة عام 1990، والذي كفلت له التعديلات الدستورية الأخيرة البقاء في الحكم حتى عام 2033، ومثله عبد الفتاح السيسي، الذي كان يدير المشهد إبان «مذبحة رابعة» التي تصفها منظمة العفو الدولية بأنها «نقطة تحول مروعة لحقوق الإنسان في مصر».

والبنك الدولي نفسه اعترف – لكن متأخرًا – بأن عائلة بن علي كانت تحتكر في نهاية 2010 «أكثر من 21%» من مجمل أرباح القطاع الخاص، دون أن يثني ذلك المدير العام لصندوق النقد الدولي رودريجو راتو عن تهنئة بن علي في عام 2005 على «إعطاء الإصلاحات الاقتصادية أولوية في برنامجه الانتخابي»، أو يمنع الصندوق في عام 2009 من الترحيب برفع الحكومة إنفاقها في الميزانية نصف السنوية لذلك العام. 

اجمالي القراءات 146
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق




مقالات من الارشيف
more