توزيع اللغات ليس متساوياً حول العالم.. لماذا تحدّث سكان المناطق الحارة لغات أكثر من الدول المعتدلة؟

اضيف الخبر في يوم السبت 27 يونيو 2020. نقلا عن: عربى بوست


توزيع اللغات ليس متساوياً حول العالم.. لماذا تحدّث سكان المناطق الحارة لغات أكثر من الدول المعتدلة؟

نحن البشر، الـ 7.5 مليار شخص، نستخدم 7000 لغة مختلفة للتواصل والتعبير عن أنفسنا، توزيع اللغات لم يكن متجانساً وفقاً لعددنا أو توزيعنا الجغرافي، ففي بعض المناطق الاستوائية توجد لغات تفوق بأضعاف أعداد اللغات التي يستخدمها السكان في المناطق المعتدلة مثلاً.

وهذا يدفعنا للتساؤل: لماذا يختلف توزيع اللغات حول العالم؟ ولماذا توجد الكثير من اللغات في بعض الأماكن، والقليل فقط في أماكن أخرى؟

قام فريق من الباحثين بموقع The Conversation الأمريكي بدراسة أنماط التنوع اللغوي في قارة أمريكا الشمالية قبل الاتصال مع أوروبا، حيث تعد موطناً لـ 400 لغة، موزعة في أنحائها بغير تساوٍ على أراضيها، كنموذج لمحاولة إيجاد إجابة هذا السؤال.

ففي أمريكا الشمالية احتوت بعض الأماكن، مثل المنطقة الواقعة على الساحل الغربي من مدينة فانكوفر الحالية وحتى جنوب كاليفورنيا، على عددٍ أكبر من اللغات، في حين أن بعض الأماكن الأخرى، مثل شمال كندا ومنطقة خليج المسيسيبي، بدا فيها عدداً أقل. (يعتمد أسلوب المقارنة على أساليب متخذة من علم البيئة، طُورت في الأصل لدراسة أنماط تنوع أنواع المخلوقات لاستكشاف الأنماط الخاصة بالتنوع اللغوي). 

توزيع اللغات المختلف يفسّره بناء الحدود والتباعد الجغرافي

هناك الكثير من النظريات حول تنوع اللغات في العالم بالأساس، والجانب الأساسي في كل تلك النظريات يفيد بأن اللغات علامات على الحدود الاجتماعية بين المجموعات البشرية، إذ يملك الأشخاص الذين يتحدثون اللغة نفسها، وسائل مشتركة في التواصل، يدخلون بينهم من يعرفها وينبذ بعيداً عنهم من لا يعرفها.

وهكذا فقد يؤثر أي عامل يمكن أن يخلق حواجز جسدية أو اجتماعية بين المجموعات أو يضعفها، في ظهور  اللغات أو اندثارها.

أيضاً فالحواجز المادية  والأسوار والمسافات تخلق حدوداً بين المجموعات البشرية، فمثلاً عندما ينتقل الناس إلى الناحية الأخرى من المحيط أو من جبل ضخم، تزداد صعوبة التفاعل مع المجموعات التي كانت  جارةً في السابق. 

ومع مرور الوقت وانعزال المجموعات التي كانت تتحدث اللغة نفسها، فيمكن أن نتوقع للغاتهم أن تتباعد وتتغير وتتطور كل بشكل مختلف. وإذا كان الانعزال الجسدي عاملاً جوهرياً، فسوف نرى بالتبعية عدداً أكبر من اللغات في المناطق التي تعزز حدوث قدر أكبر من الانعزال، مثل المناطق الجبلية. 

وتشمل الطرق الأخرى التي يمكن أن تتكون بها الحدود بين المجموعات، الكيفية التي يتوجب على أفرادها التعاون معاً بها من أجل البقاء على قيد الحياة.

يشير بعض الباحثين إلى أن الظروف المناخية المتغيرة أو الأشد قسوة، قد تصعّب الحصول على الطعام. ومن شأن هذا الشك أن يقود الناس إلى بناء شبكات اجتماعية أكبر لمشاركة الموارد وقت الحاجة.

كما قد يعمل التواصل المستمر بين الشبكات الاجتماعية الممتدة على إذابة الحدود الاجتماعية وتقليل التنوع اللغوي، وفي هذه الحالة، يمكن أن نتوقع وجود قدر أقل من التنوع اللغوي في المناطق ذات الأحوال المناخية المتقلبة أو القاسية. 

وربما يُحدد عدد الناس الذين يعيشون في مكان بعينه أيضاً شكل التنوع اللغوي. إذ يمكن أن تدعم بعض الظروف البيئية والاجتماعية وجود أعداد أكبر من الأشخاص. وقد تؤدي تلك التعدادات السكانية الأكبر إلى زيادة التنوع اللغوي بطرق متعددة. 

فالمجموعات البشرية على سبيل المثال لا تزداد بصورة غير محدودة، وثمة مقابل للحفاظ على الروابط الاجتماعية، مثلما يحدث عندما يكبر حجم المجموعة، فإنها تميل إلى الانقسام. 

وعليه، يمكن لنا أن نتوقع أن تتجمع المجموعات البشرية الأكثر اختلافاً في المناطق التي تدعم عدداً أكبر من الأشخاص. وفي ظل زيادة المجموعات المختلفة، قد تتوقع أيضاً أن ترى عدداً أكبر من اللغات في تلك المناطق. 

المناخ عامل آخر

تدعم بعض الدراسات في هذا الصدد، فكرة وجود تنوع لغوي أقل في المناطق ذات الأحوال المناخية المتقلبة أو القاسية، بينما دراسات غيرها لم تجد دليلاً قوياً يدعم تلك الفكرة بشكلٍ حاسم. 

لكن تكمن المشكلة في محاولة الباحثين إلى البحث عن الجواب السحري؛ العامل الواحد الذي قد يفسر أنماط التنوع اللغوي في كل مكان. لكن لماذا نتوقع أن يُلخص عامل واحد بدقة، تاريخ بشري يمتد عبر آلاف السنين في أنحاء العالم، أو حتى قارة واحدة؟ ماذا لو كانت القصة الكامنة خلف التنوع اللغوي في شمال كندا تختلف كلية عن قصة كاليفورنيا؟

هنا، حاول مجموعة من الباحثين متعددي التخصصات فك لغز العوامل الأكثر تأثيراً في التنوع اللغوي في المناطق المختلفة، وبجمع الأفكار من علماء اللغة والبيئة وعلماء الأحياء التطورية وعلماء الجغرافيا، اتبعوا نهجاً فريداً لمحاولة تفسير تغير توزيع اللغات. 

استخدم هؤلاء الباحثون أساليب إحصائية لمحاولة تقدير كيف تغيرت تأثيرات العوامل البيئية والاجتماعية – الثقافية في تنوع اللغات، من منطقة إلى أخرى، وعرضوا كل منطقة على خلية شبكة بمساحة 300 كيلومتر مربع، ووجدوا أن المتغيرات الأكثر أهمية المرتبطة بالتنوع اللغوي، اختلفت في مختلف أنحاء أمريكا الشمالية. 

على سبيل المثال، وجدوا على الساحل الغربي أن تباين درجات الحرارة على مدار الوقت، شكّل عاملاً أساسياً مرتبط بالتنوع اللغوي. وتُقدم هذه النتيجة بعض الدعم لفكرة أن المناطق ذات الأحوال البيئية المستقرة، يمكن أن تكون الشبكات الاجتماعية البشرية أصغر وأن يوجد عدد أكبر من اللغات. 

غير أنه في الجزء الشرقي من القارة، تميل الكثافة السكانية المحتملة إلى أن تكون العامل الأقوى في التأثير على التنوع اللغوي. 

ووجدوا أيضاً أنه في بعض الأماكن، مثل المناطق ذات التنوع اللغوي الكبير على الساحل الغربي، تمكن نموذجنا من التنبؤ بعدد اللغات الموجودة بدقة، بينما في مناطق أخرى مثل ساحل الخليج الأمريكي، لم نفهم تماماً الدافع وراء التنوع اللغوي. كما يُمكن أن تكون عوامل أخرى مثل تاريخ الدول من الحروب ساهم في استحداث لغات لا يفهمها أعدائهم.

الدراسة خرجت باستنتاج مهم، وهو أن عوامل اختلاف توزيع اللغات يختلف باختلاف المناطق الجغرافية وتاريخها وتطورها وتوزيعها السكاني مع عوامل الطقس والمناخ أيضاً، وربما يُكون هذا دافعاً للبحث أكثر عن سر توحد اللغة -وليس اللهجات- في كثير من دول الشرق الأوسط التي تختلف عن أمريكا الشمالية في الجغرافيا والطقس وكذلك تاريخ شعوب هذه المناطق، مع عوامل أخرى ربما لم يسلط عليها الضوء بعد.

اجمالي القراءات 82
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق