غربة بلا رجعة.. لماذا لا يرغب مصريون في العودة لبلادهم؟

اضيف الخبر في يوم الجمعة 07 فبراير 2020.


غربة بلا رجعة.. لماذا لا يرغب مصريون في العودة لبلادهم؟

انفعل خالد -وهو مصري يعمل في إحدى المؤسسات الإعلامية الخليجية- محتجا على تصريحات محافظ البنك المركزي المصري بأن الجنيه يرتفع إزاء العملات الأجنبية نتاج نجاح سياسة الإصلاح الاقتصادي.

ورغم تأييده لسياسات النظام عموما، فإنه فسر لأصدقائه أسباب سخطه بالحزن على انخفاض قيمة مدخراته، موضحا أنه لا يخطط للعودة إلى مصر قريبا رغم استغناء مؤسسته السابقة عنه واضطراره لقبول نصف الراتب السابق في المؤسسة الجديدة، فهو على أي حال أفضل من الرواتب بمصر، مع تفاؤله بأن القادم في مصر أفضل، بحسب حديثه للجزيرة نت.

وفي كثير من سجالات معارضي النظام ومؤيديه على مواقع التواصل، يدعو المعارضون في الداخل المؤيدين المغتربين في الخارج للعودة إلى مصر والاستمتاع بإنجازات النظام الداخلية، في سخرية واضحة من تناقض مواقفهم بالاستمرار في امتداح سياسات اضطرتهم لمغادرة بلادهم للاستقرار في الخارج.

اللهم هجرة
من المعتاد في مختلف مناطق مصر سماع رغبات العديدين في السفر للخارج لتحسين ظروف المعيشة، لدرجة انتشار دعاء "اللهم هجرة" على العديد من الحسابات الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي.

كما برزت مؤخرا رغبة العديد من المصريين المغتربين في عدم العودة للبلاد، وبحث بعضهم عن بلاد أخرى للهجرة إذا ما اضطرتهم الظروف للهجرة مجددا.

وقالت دراسة حديثة لمؤسسة غالوب للأبحاث إن نحو 90% من المصريين المغتربين لا يرغبون في العودة للبلاد نهائيا لأسباب شتى.محمد -وهو أربعيني عمل معلما 15 عاما في إحدى دول الخليج- طار إلى القاهرة فور اندلاع ثورة يناير/كانون الثاني 2011 للمشاركة فيها، وبات أسير سحر الثورة وأحلام التغيير الكبرى، فقرر الاستقرار في مصر للمشاركة في بناء حلم تطوير التعليم.

تحطمت آمال محمد بانقلاب 3 يوليو/تموز 2013، وعقب سلسلة من المذابح والمطاردات لمؤيدي الثورة قرر العودة إلى حيث كان، مؤكدا أنه "لن يعود للبلاد قريبا وربما لن يعود أبدا"، بل إنه استقدم إليه أسرته، وبدأ التقديم في برامج الهجرة إلى كندا وغيرها.

يقول محمد إن سبب هجرته ليس ضيق الرزق فحسب، فهو أمر مقدور عليه بالنسبة إليه كمعلم يمكنه التربح من الدروس الخصوصية في بلاده، ولكن الأمر يتعدى ذلك لرغبته في ألا ينشأ أبناؤه في نفس البيئة المحبطة والأجواء الاجتماعية القاسية التي نشأ فيها هو.

الهجرة للجميع
ووفقا لتقرير الحالة المصرية الذي أصدره المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر" عام 2019، فإن هناك 83% من الأطباء يرغبون في الهجرة، و76% من الصيادلة، و79% من المهندسين، و84% من المدرسين، و73% من المحاسبين.

أما على مستوى قطاع الأعمال، فقد أبدى 83% من أصحاب المشروعات الصناعية رغبتهم في الهجرة، و79% من أصحاب المشروعات التجارية، و76% من أصحاب المشروعات الخدمية.

وعلى مستوى الفئات العمرية، فقد كانت الفئة 18-21 عاما الأكثر رغبة في الهجرة بنسبة 89%، مقابل 87% للفئة العمرية 21-28 عاما، و84% للفئة العمرية 28-35 عاما.

وعلى مستوى التوزيع النوعي، فقد كانت رغبة الذكور في الهجرة 48% مقابل 39% عند الإناث، ومن حيث التوزيع الديني كانت رغبة المسلمين في الهجرة 40% مقابل 78% عند المسيحيين.وعن أهم أسباب الرغبة في الهجرة، قال رئيس مركز "تكامل مصر" مصطفى خضري إن هذه الأسباب يتصدرها تدهور البلاد الاقتصادي بنسبة 85%، ثم عدم الإحساس بالأمان بنسبة 82%، والرغبة في بناء مستقبل أفضل بنسبة 79%، وانعدام الأمل في التغيير للأفضل بنسبة 71%، والرغبة في التعليم بنسبة 31%.

ويؤكد خضري للجزيرة نت أن العجز الفادح في الأطباء بسبب الهجرة يمثل خطورة كبرى على استقرار البلاد، لتأثر قطاع الصحة بهذا العجز، فضلا عن الدلالات الخطيرة لتزايد نسبة الراغبين في الهجرة من الشباب والأقباط والمستثمرين، مشيرا إلى أن هناك من اغترب هروبا من الملاحقات الأمنية وخشية الاعتقال بسبب نشاطه السياسي.

أسباب سياسية
يقول سليم -وهو اسم مستعار لناشط هارب من ملاحقات أمنية- إنه نجح في الفرار، بلا أمل قريب في العودة، ولم يعد ينشط بشكل ظاهر في الخارج بعد تلقي أشقائه تهديدات بالاعتقال ردا على نشاطه، وهو يتقدم حاليا لبرامج اللجوء السياسي.

وهناك من الأقباط من اغترب أيام حكم الرئيس الراحل محمد مرسي مدفوعا بفوبيا أسلمة الدولة، لكنه لم يعد عقب الانقلاب رغم ذلك.

يقول رياض فائز -وهو قبطي مهاجر للولايات المتحدة- إنه فكر في ترتيب أوضاعه للعودة إلى البلاد بعد أمله في تحسنها تدريجيا عقب انقلاب 2013، وهو ما لم يحدث، فأعاد حساباته مع التدهور الاقتصادي وشعوره في زيارته الأخيرة للبلاد بأن شيئا لم يتغير.

والعام الماضي كسرت مصر حاجز المليون متقدم لبرامج الهجرة العشوائية إلى الولايات المتحدة، وذلك للمرة الأولى في تاريخ البرنامج، حيث تقدم منها خلال العام الماضي 1,274,751 مصريا، مما جعلها تحتل المركز الخامس عالميا في قائمة أكبر الدول المتقدمة للبرنامج، بحسب بيانات رسمية.

ويبدي أسامة -وهو طبيب مصري هاجر إلى ألمانيا- تهكما لاذعا على سياسة النظام المصري، إذ يعتقد أن هذا النظام يودّ لو أن معظم الشعب هاجر من البلاد، بل إنه يدفعهم دفعا لذلك، فالمصريون في الخارج أحسن له من وجودهم في الداخل، فهم يحولون العملة الصعبة ويدفعون رسوما وضرائب ضخمة ولا يحمّلونه أي أعباء خدمية.

في المقابل، يقول أسامة إنه ينتقم من هذا النظام الذي تسبب بسياساته في رحيله عن وطنه، بحجب التحويلات حتى لا يستفيد منها النظام، باستثناء ما يلبي الاحتياجات الضرورية لأهله في مصر.وأعلن البنك المركزي ارتفاع تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال أكتوبر/تشرين الأول الماضي بمقدار 261 مليون دولار، بمعدل سنوي بلغ 12.7%، لتسجل نحو 2.3 مليار دولار، مقابل نحو 2.1 مليار دولار خلال الشهر نفسه من عام 2018.

وطبقا لتقديرات إحصائية رسمية، فإن عدد المصريين في الخارج يقدر بـ9.5 ملايين. ولا يعكس هذا الرقم الحقيقة الكاملة، فهذه هي أرقام المصريين المسجلين في قنصليات مصر بالخارج، وقد يكون الرقم الفعلي نحو 13 مليونا، بحسب تصريحات صحفية لوزيرة الهجرة نبيلة مكرم.

اجمالي القراءات 239
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق