تراجيديا الضياع.. مشردات مدى الحياة في العراق

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء 27 اغسطس 2019. نقلا عن: الجزيرة


تراجيديا الضياع.. مشردات مدى الحياة في العراق

لم يمض وقت طويل على خروج والدتي من المنزل حتى تعرضت للتحرش الجسدي من قبل شقيقي الذي يكبرني بسبع سنوات.
كنت خائفة ومرتبكة وأصبت بالحمى فلم أنم تلك الليلة وارتعدت من الخوف والألم، وعندما حل الصباح أسرعت لإخبار والدتي بما حصل، إلا أنها رفضت أن تصدقني وانهالت عليَّ بالضرب والشتائم وأمرتني أن لا أخبر أحدا بذلك، وفي الليلة التالية ذهبت إلى غرفتي للنوم وعند الفجر فوجئت بدخول شقيقي مع اثنين من أصدقائه وكان واضحا أنهم تحت تأثير الخمر، ولكن للأسف لم أستطع أن أخلص نفسي منهم، هكذا أوجزت "س. ع" (14 عاما) حكايتها.

لم تكن تعلم "س. ع" بأن والدتها تركت المنزل في ذلك الوقت ولم يكن أمامها إلا الهرب منه باتجاه مركز الشرطة لتبلغه عن الحادث، ولكن لم ترحمها النظرات رغم أنها أصبحت بين يدي حماة الشعب ولم تشعر بالأمان قط، فقد تم التحفظ عليها في سجن التسفيرات كمأوى آمن.
تقول "لم أشعر بالخوف في حياتي إلا في تلك الساعات التي قضيتها بين الاغتصاب والسجن". وبعد إجراءات تحقيقية تقرر إرسالها إلى دار المشردات في بغداد لتواجه مصيرا آخر مليئا بالقسوة والحرمان والتحرش الجنسي.


محامية عراقية تستمع لعدد من النساء المعنفات (الجزيرة)
محامية عراقية تستمع لعدد من النساء المعنفات (الجزيرة)

قصص أخرى
وفي حالة لا تختلف كثيرا عن سابقتها، لم يخطر على بال حنان الفتاة العراقية ذات الـ22 ربيعا أنها ستكون ضحية اعتداء جنسي من قبل والدها، لكن ذلك ما وقع عندما أصبحت في عمر الـ12.
ولم يكن أمام أمها الحائرة الخائفة على ابنتها سوى اللجوء إلى أهلها طلبا للمساعدة، وتم تزويج حنان برجل لم يعاملها معاملة زوجة ولم يصبر على مرضها وقرر أن يتزوج بأخرى وطلق حنان رغم بقائها في بيته مجرد خادمة، ومن هنا بدأت رحلتها الطويلة التي لم تنتهِ حتى اللحظة.
هربت من منزل زوجها ولجأت إلى إحدى منظمات حقوق الإنسان في بغداد، بقيت عندها لمدة طويلة، وظلت تسأل عن أخبار أفراد أسرتها فعلمت أنهم تركوا منزلهم بعد أن توفيت والدتها، ولم تتمكن من معرفة عناوينهم.
لم تستطع المنظمة تحمل عبء مسؤولية حنان ورعايتها، مما أجبرها على الذهاب إلى البصرة لتسكن مدة من الزمن عند رجل فتح منزلا سريا لإيواء المعنفات، ثم لجأت إلى منظمة أخرى في المحافظة نفسها وظلت تعيش مع أسرة مديرة المنظمة، وبعدها انتقلت إلى مدن عدة في الجنوب وبقيت تبيت في المراقد الدينية لحين الحصول على مكان يؤويها، وهو ما لم يحصل.

ولم يكن حال فاطمة ذات الـ19 عاما أفضل من حال حنان، فقد هربت من المنزل بعد أن ذاقت مرارة العيش بسبب أخيها وزوجته اللذين كانا يعاملانها بقسوة وإذلال وحاولا تزويجها إلى بائع مخدرات، وهو ما رفضته.
وتقول إنها قررت الهروب من منزل أخيها لتلجأ إلى بيت صديقتها التي لم تؤوِها سوى يومين، وبعدها أخبروها أنهم يخشون القتل ثأرا بيد عشيرتها التي تبحث عنها في كل مكان، فسلموها إلى منظمة مجتمع مدني، وبقيت تتنقل من منظمة لأخرى دون جدوى لتستقر أخيرا مع مسنة مقابل رعايتها.
حنان وفاطمة ومن سبقتهن نماذج مؤسفة من آلاف القصص الحقيقية التي تعيشها النساء المعنفات في العراق بعد تعرضهن إلى العنف والتحرش والاستغلال دون أن يحصلن على العناية والحماية والإيواء.


ظروف سيئة تحيط بالمعنفات بدور الإصلاح (مواقع التواصل)
ظروف سيئة تحيط بالمعنفات بدور الإصلاح (مواقع التواصل)

خراب وموت
لا يوجد في المحافظات دور لإيواء المشردات الأحداث إلا في بغداد، وهي دور يفترض أن تكون إصلاحية ضمن وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، في هذه الدور لا يسمح للنزيلات -أغلبهن مراهقات ناجيات من العنف- بالخروج من الدار، ويعشن فيها تحت ظروف سيئة للغاية.

وربما تعد دار المشردات في الأعظمية نموذجا حقيقيا لما يحصل في بقية الدور التي تعيش فيها النزيلات كسجينات مجبرات على ارتداء الحجاب، بحسب الناشطة النسوية أفراح شوقي التي زارت الدار على أنها موظفة حكومية لتقف على تلك المعاناة كشاهد عيان. لقد كانت تلك الدار معتمة ومغلقة على جدرانها رسمت ألف قصة حزن لصغيرات تعرضن للضرب والشتم والتحرش، تحيط بتلك الدار أسيجة مرتفعة وفي بوابتها يقف حراس بلا ضمير.
تعيش الفتيات هناك حياة رتيبة مملة ينتظرن ما يصلهن من ملابس قديمة يرسلها بعض المتبرعين، وهناك تلفاز واحد وقناة محددة ووقت محدد من قبل إدارة الدار.
وتتابع شوقي "لا يمكن اعتبار تلك الدار إصلاحا وتأهيلا بل هي مكان للتعذيب النفسي والتحريض على الانتحار، فلا توجد برامج ترفيه أو تأهيل أو أي حياة، حتى اندثرت رغبة الصغيرات بداخلهن وفقدن الرغبة بالعيش، فالأحرى أن نسميها دور خراب وموت".
وتنقطع علاقة الأحداث بالدار إذا تجاوزن الثامنة عشر من العمر وفقا للفقرة الثانية من نظام دار تأهيل الأحداث رقم (32) لسنة 1971، وبهذا تصبح الدار غير مسؤولة عنهن في هذه الأعمار ولا يسمح بالمغادرة إلا بموجب أمر قضائي وأن يتسلمها أحد ذويها.
ولم تحظ أغلب النزيلات بأسر تتسلمهن، فيصبحن بذلك أمام خيارين أما البقاء في الدار والعمل كخادمات مقابل السكن والطعام من دون أجر، وإما أن يتم تزويجهن بأشخاص يتبرعون بذلك، وهنا يجب أن نضع ألف علامة استفهام، وفقا لشوقي التي أكدت أن الحكومة لم تضع أي حل للفتيات بعد بلوغهن السن القانوني للخروج من الدار.
وتشير شوقي إلى وجود فساد إداري وأخلاقي في إدارة تلك الدور وكأنما كانت تتنبأ بحصول أمر خطير قد تذهب ضحيته فتيات قدر لهن هذا المصير البائس.


فريال الكعبي ترى أن زيادة ظاهرة تعنيف النساء تعود لأسباب اجتماعية واقتصادية (الجزيرة)
فريال الكعبي ترى أن زيادة ظاهرة تعنيف النساء تعود لأسباب اجتماعية واقتصادية (الجزيرة)

حريق دار الأعظمية
الانتحار الجماعي الذي أطلق عليه مسؤولو وزارة العمل أعمال شغب، كان نتيجة طبيعية لتراكمات سنوات الإهمال والانتهاكات الخطيرة، فقد كان كل شيء سيئا حتى اسم الدار (مشردات) ينم عن عنف نفسي ووصمة عار تلاحقهن مدى الحياة، فلم يدم الأمر طويلا حتى حصل حريق في صبيحة أحد الأيام قضى على ست نزيلات تتراوح أعمارهن بين 14 و19 عاما، في حين تعرضت أخريات إلى إصابات متعددة وحالات اختناق.

ورغم زوبعة تصريحات الحكومة وتبريراتها غير المنطقية، ظلت تلك الجريمة غامضة حتى هذا اليوم، رغم مضي مدة طويلة ورغم تشكيل لجنة تقصي الحقيقة ليقع اللوم على من جار عليهن الزمن، وقالوا إن الموضوع بفعل فاعل وإن الحريق مدبر وليس انتحارا جماعيا.

وبحسب مصدر خاص في المفوضية العليا لحقوق الإنسان تحدث للجزيرة نت، فإن حريق دار مشردات الأعظمية كان انتحارا جماعيا، وهو رد فعل على استمرار سوء المعاملة والتحرش والمضايقات التي تتعرض لها النزيلات دون أي توقف.
وذكر المصدر أن الفتيات في الدار تعرضن إلى التهديد و الضرب والتقييد والمعاملة المهينة وإطلاق الكلمات النابية وتذكيرهن بالحوادث المؤلمة التي مررن بها، كما تعرضن إلى انتهاكات لا أخلاقية من قبل حراس الدار التابعين إلى وزارة العدل، فقد كانوا يتحرشون بهن ويستغلون بعضهن جنسيا، كما أن إدارة الدار كانت تطلب منهم ضرب النزيلات.
وبسبب الضغوط النفسية تفشت في الدار ظاهرة الشذوذ الجنسي بين النزيلات، وزادت محاولات الانتحار وأصيبت بعضهن بأمراض نفسية دون أن تكترث إدارة الدار لهذه المشاكل.
ووفقا للمصدر نفسه فإن الفتيات في عمر التسع سنوات يتعرضن باستمرار إلى الضرب والإهانة والإذلال ووصفهن بأوصاف مخزية مثل "بنات شوارع" من قبل بعض موظفات الدار.
من جانبها أكدت هيئة النزاهة في توصياتها ضمن تقريرها المعلن بشأن هذه القضية ما جاء من خروقات أعلاه، وأوصت بإعادة النظر في قانون رعاية الأحداث وخاصةً فقرة زواج المشردات ووضع ضوابط جديدة تؤمن متابعة حقيقية لهن بعد انقضاء المدة القانونية للإيداع أو اللواتي تم تزويجهن أثناء وجودهن في الدار.
وشددت الهيئة على ضرورة تشديد الحراسة الأمنية للدار، وبناء أماكن خاصة للحراس ومنع دخولهم إلى الدار إلا في حالات الضرورة القصوى، وأهمية توفير كادر نسوي خاص بالحراسة النهارية والليلية.

دور مخالفة للقانون
وبحسب إحدى الناشطات النسويات فإن بعض المنظمات المحلية في العراق اضطرت إلى مخالفة القانون وفتحت دورا آمنة لإيواء المعنفات والناجيات من العنف، وتقول "نحن مجبرون على مخالفة القانون الذي لا يسمح لنا بفتح دور الإيواء رغم أن الحكومة عاجزة عن توفير الحماية لهن".
وترى الناشطة أفراح شوقي أن الحل يكمن في الإسراع بتشريع قانون الحماية من العنف الأسري والذي ما زال نائما داخل مجلس النواب العراقي منذ سنوات بعد أن وقف في طريق تشريعه بعض النواب.

وبحسب إحصائيات منظمة أوان للتوعية وتنمية القدرات المأخوذة من مصادر رسمية، فإن كل امرأة من أصل خمس نساء تتعرض للعنف الجسدي على يد الزوج والأهل وفي أزمنة مختلفة من الأعمار، وبلغت نسبة النساء الحوامل منهن حوالي 14%، وتزداد نسبة اللواتي يعشن ظروفا أسرية قاسية تحت تسلط تعسفي من قبل الزوج لتبلغ 83%، في حين تعاني 33% من النساء من العنف النفسي بمختلف أشكاله، من إهانات وتهديد وإذلال.


فاتن الحلفي إن هناك قانونا خاصا بهذه القضية لا يزال في مكانه بمجلس النواب (الجزيرة)
فاتن الحلفي إن هناك قانونا خاصا بهذه القضية لا يزال في مكانه بمجلس النواب (الجزيرة)

أسباب العنف
وترى رئيسة منظمة "أوان" فريال الكعبي أن زيادة ظاهرة تعنيف النساء تعود لأسباب اجتماعية واقتصادية مع غياب الرقابة القانونية والوعي والثقافة القانونية لدى النساء، فهناك 59% من النساء يجهلن حقوقهن، وهناك القبول بالعنف كنمط ثقافي سائد في المناطق الريفية حيث 70% من النساء يتقبلن العنف ويعتبرنه طبيعيا.
وتقول الناشطة النسوية والمتحدثة باسم منظمة حرية المرأة العراقية جنات الغزي إن منظمتها عملت منذ العام 2003 على إيواء العديد من المعنفات في دور آمنة سرية، واستقبلت المنظمة خلال الشهرين الأخيرين لعام 2018 أكثر من 52 امرأة معنفة برفقة أطفالهن.
وتواجه منظمة حرية المرأة إلى جانب المنظمات المختصة العديد من التحديات، أهمها مواجهة العشائر التي تنتمي لها المعنفات، وصعوبة تحصيل أوراقهن الثبوتية، ووجود بعض القوانين التي تبرر جرائم قتل النساء غسلا للعار، بالإضافة إلى قلة الدعم.
وتؤكد مسؤولة ملف المرأة في المفوضية العليا لحقوق الإنسان فاتن الحلفي تزايد أعداد النساء المعنفات في العراق خلال الآونة الأخيرة في ظل غياب دور الإيواء الحكومية والخاصة.

وأشارت إلى أن مشروع قانون للحماية من العنف الأسري يراوح مكانه في مجلس النواب العراقي منذ سنوات عدة بسبب معارضة بعض الجهات الحزبية.
وتشدد الناشطات على ضرورة منح منظمات حقوق الإنسان المعنية بالمرأة موافقات رسمية لفتح دور إيواء للمعنفات إلى حين تشريع قانون الحماية من العنف الأسري.

اجمالي القراءات 178
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق