أتلانتك كاونسل»: بالأرقام.. هل يريد العرب الديمقراطية فعلًا؟

اضيف الخبر في يوم الخميس 22 اغسطس 2019. نقلا عن: ساسه


أتلانتك كاونسل»: بالأرقام.. هل يريد العرب الديمقراطية فعلًا؟

هل يريد العرب الديمقراطية؟ تساؤل طرحه السفير ريتشارد لوبارون، وهو زميل أقدم غير مقيم في مركز رفيق الحريري، وخدم في مناصب دبلوماسية رفيعة المستوى في الشرق الأوسط، عبر تحليلٍ شاركت في إعداده ليا هيكيرت، وهي متدربة في مجال الأبحاث بمركز رفيق الحريري التابع لمركز أتلانتك كاونسل، وتدرس حاليًا قضايا السلام والأمن في الشرق الأوسط في كلية بوسطن.

يستهل التحليل، المنشور على صفحات مؤسسة ذي أتلانتك كاونسل البحثية الأمريكية غير الحزبية، بالإشارة إلى علامات الاستفهام المطروحة منذ عقود على طاولة النقاش والتحليل: هل المواطنون العرب يريدون الديمقراطية بالفعل؟ وهل هم «مستعدون» لها، إذا وُجِدَت الظروف المناسبة للحكم الديمقراطي؟ وأسئلة أخرى تنبع وما سبق من مشكاة واحدة.

ويضيف الكاتبان: لحسن المقادير، يقدم استطلاعان جديدان إجابات على بعض الأسئلة. وتُظهِر نتائجهما مدى الأهمية التي يوليها العرب للسعي وراء الديمقراطية، في سياق الأولويات الوطنية الأخرى.  

في شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) 2018 أجرى مركز أبحاث زغبي مسحًا شمل 8628 من الأشخاص البالغين في تونس، ومصر، ولبنان، وفلسطين، والأردن، والعراق، والسعودية، والإمارات العربية المتحدة، وتركيا، وإيران. وطُلب من المشاركين تحديد أولوياتهم الثلاث، وترتيبها من قائمة تضم 10 قضايا.

(الجدول صممه الكاتبان استنادًا إلى بيانات مركز أبحاث زغبي)

في ثمانية من البلدان العشرة التي شملها الاستطلاع اعتبر المشاركون أن «توسيع فرص العمل» هي القضية الأكثر أهمية، بينما حظي «تحسين النظام التعليمي» و«الإصلاح السياسي والحكومي» باهتمام كبير.

بعيدًا عن هذه الأولويات الثلاث اختلفت البلدان حول الأهمية النسبية للقضايا التالية: إنهاء الفساد، تعزيز الديمقراطية، محاربة الجماعات المتطرفة، درء الأعداء الأجانب، تحسين الرعاية الصحية، حماية الحقوق الشخصية، تحسين حقوق المرأة.

الجدير بالذكر أنه من بين الدول العشر التي شملها الاستطلاع، كانت تركيا وحدها هي التي وضعت «تعزيز الديمقراطية» على قمة الأولويات الثلاث. وهذه النتائج ليست مفاجئة، بحسب التحليل. حتى في خضم الاضطرابات التي شهدتها البلاد عام 2011، اعتبر المشاركون في الاستطلاع أن «التوظيف» يمثل محور اهتمامهم الأكبر، بينما وضع المشاركون في تونس وإيران «الديمقراطية» على رأس أولوياتهم الثلاث.

(الجدول صممه الكاتبان استنادًا إلى بيانات مركز أبحاث زغبي)

قد يفسر البعض نتائج المسح على أنه يدل على قلة رغبة العرب بالديمقراطية أو عدم إيمانهم بها، لكن السفير ريتشارد لوبارون والباحثة ليا هيكيرت يقولون: «إن أصحاب هذا الرأي يجانبهم الصواب على الأرجح، أو على الأقل يلجأون إلى استخدام البيانات التي تدعم وجهات نظرهم بشكل انتقائي».

على سبيل المثال أظهرت نتائج مسح أجرته شبكة الباروميتر العربي عام 2018 أن العرب يعتبرون الديمقراطية بشكل متزايد أفضل نظام حكم. ومع ذلك توضح البيانات الأخرى الواردة في التقرير كيف أن التصورات الشعبية والأولويات الأخرى قد تعوق السعي الفعلي للديمقراطية في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

(إجابات المشاركين في الاستطلاع على سؤال: هل الديمقراطية أفضل نظام حكم؟ الرسم البياني صممه الكاتبان استنادًا إلى بيانات مركز أبحاث زغبي)

كما هو موضح في الجدولين أعلاه، لم يُدرج «السعي الفوري لإقامة أنظمة سياسية ديمقراطية» من بين الأولويات الثلاث في أية مجموعة بيانات. وبتصنيف «توسيع فرص العمل» و «الإصلاح السياسي والحكومي» كأولويتين تتفوقان على «النهوض بالديمقراطية»، يبدو أن رغبة المشاركين تميل إلى الوضع الاقتصادي الأفضل، إلى جانب تبني نهج بطيء نحو التغيير السياسي.

وفي حين أنه من الصعب استخلاص استنتاجات مؤكدة من البيانات، لن يكون مفاجئًا إذا كانت النتائج تعكس الحذر العام تجاه عدم استقرار الحركات الديمقراطية التي شوهدت في مصر، وتونس، وفق التحليل المنشور في «أتلانتك كاونسل».

ومع ذلك يجب التأكيد مرة تلو الأخرى على أن هذا العزوف عن التغيير السريع لا يعني خوف العرب من الديمقراطية أو كراهيتها، بل يُظهِر العرب توجهات إيجابية هائلة تجاه النظام الديمقراطي؛ ففي آخر موجتين من استطلاع الباروميتر العربي أظهرت جميع الدول العربية الست التي شملها الاستطلاع قبولًا قويًا – ومتزايدًا – للديمقراطية باعتبارها أفضل أنواع الحكم. 

(إجابات المشاركين في الاستطلاع على سؤال: هل العرب مستعدون للديمقراطية؟ – الرسم البياني صممه الكاتبان استنادًا إلى بيانات مركز أبحاث زغبي)

لكن هل يعتقد العرب أنهم مستعدون (للديمقراطية)؟ وفقًا لبيانات ذاتها المستمدة من استطلاع الباروميتر العربي، ثمة تصور متنامي منذ عام 2014 بأن الناس في فلسطين، والجزائر، وتونس، ليسوا مستعدين للديمقراطية. 

يتزامن هذا الاتجاه مع البيانات الأخرى المأخوذة من ذات التقرير، على وجه الخصوص، تصادف أن هذه الدول الثلاث هي أكثر الدول تشككًا في استقرار الديمقراطية والعوائد الاقتصادية. 

وفي الوقت ذاته، كانت المغرب والأردن، حيث أعرب المجيبون عن ثقتهم الأكبر في توفير الديمقراطية للاستقرار والمزايا الاقتصادية، هما الدولتان الأكثر ثقة في ملاءمتهما للديمقراطية. 

باختصار يعتقد بعض العرب أن الديمقراطية «غير فعالة في الحفاظ على الاستقرار»، بينما يعتقد آخرون أن الافتقار إلى حكومة تمثيلية يمثل «عقبة أمام الاستقرار».

بالمقارنة بين آراء فلسطين، والجزائر، وتونس، في مقابل المغرب، والأردن، قد يتساءل المرء: لماذا لدى الدول في ذات المنطقة مثل هذه المواقف المتناقضة تجاه الديمقراطية وآثارها؟

يجيب الكاتبان: ربما يمكن تفسير هذه الظاهرة بالظروف المخففة المحيطة بالمجموعة الأولى من الدول. ويمكن القول: إن الجزائريين – الذين يرى معظمهم أن بلادهم أقل ديمقراطية في عام 2017 مما كانت عليه في عام 2014 – يستخ">ولأن هذه التفسيرات تُستَقى من مجموعات بيانات منفصلة مأخوذة من الباروميتر العربي ومركز زغبي للأبحاث، فإنها تقع في نطاق التكهنات المستنيرة. على سبيل المثال يمكن أن تكون ثمة مبالغة في تقدير اعتماد الجزائريين على تونس كنموذج سياسي.

ويكمل السفير ريتشارد لوبارون والباحثة ليا هيكيرت استعراضهما للحالة الديمقراطية قائلَيْن: «هناك طرق أخرى لتفسير التباين في مواقف دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تجاه عملية التحول الديمقراطي. فهناك تفسير محتمل آخر يعزو استعداد المغاربة والأردنيين إلى التحولات الديمقراطية غير المكتملة».

نظريًا تُجري المملكتان المغربية والأردنية انتخابات تنافسية، وتحاولان تغيير تصورات المواطنين عن نظاميهما. ومع ذلك قد لا تكون هذه الإصلاحات ديمقراطية بقدر ما تحاول أن تبدو، كما يتضح من موجات الاحتجاجات العنيفة في جميع أنحاء المغرب. 

ويفترض هذا التفسير أن دولًا مثل: تونس، ولبنان، فقط هي التي شهدت اضطرابات مرتبطة بالتحولات الديمقراطية الحقيقية، ويمكنها أن تفهم بدقة مدى ملاءمتها للديمقراطية. بالطبع، هذا التوقع له حدوده الخاصة، وإحداها: عدم القدرة على قياس الديمقراطية بشكل ملموس، خاصة وأن المغاربة والأردنيين على حد سواء يعتقدون أن بلادهما أصبحتا أكثر ديمقراطية الآن مما كانتا عليه في السنوات السابقة.

ويستطرد التحليل: في حين أن المسألة تحتاج بالتأكيد إلى تحليل أكبر مما يمكن تقديمه هنا، فإن لهذه البيانات تداعياتها بالنسبة للأشخاص والجهات خارج المنطقة الذين يدعمون ويشجعون التغيير الديمقراطي، سواء كانوا حكومات أو منظمات غير حكومية أو مواطنين معنيين يؤمنون ببساطة بالديمقراطية. كما أن الملوك والمستبدين في المنطقة سيحسنون صنعًا أيضًا إذا تأملوا هذه البيانات.

ويختم الكاتبان تحليلهما بثلاث ملاحظات:

الملاحظة الأولى التي نستخلصها من البيانات هي أن العرب قطعًا لم يرفضوا الديمقراطية كشكل من أشكال الحكومة المناسبة لهم. 

ثانيًا، تحتاج بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى الاستجابة لتطلعات شعوبها الاقتصادية التي لم تتحقق. إنها الأولوية القصوى المتكررة في جميع أنحاء العالم العربي. 

ثالثًا، يجب ألا نخلط بين إعطاء الأولوية للرفاه المادي وعدم الاهتمام بالتقدم نحو الديمقراطية. حيث يتوقع العرب الذين شملهم الاستطلاع المزيد من حكوماتهم، كما يتضح من الاهتمام المستمر بالإصلاح السياسي والحكومي، والإيمان الدائم بأن الديمقراطية هي أفضل نظام سياسي شامل.

اجمالي القراءات 284
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق