رحلة عبر الزمن.. كيف تحولت مساحة الجزائر من واحة خضراء إلى صحراء قاحلة؟

اضيف الخبر في يوم الجمعة 09 اغسطس 2019. نقلا عن: ساسه


رحلة عبر الزمن.. كيف تحولت مساحة الجزائر من واحة خضراء إلى صحراء قاحلة؟

«هنا تنتهي الحياة» و«المعذّبون في الأرض»، أمثلةٌ أطلقت في الجزائر لوصف الطبيعة القاسية للصحراء وقاطنيها؛ نظرًا للمناخ القاسي الذي يميّز الصحراء الجزائرية، فحين يُذكر اسم الصحراء لا يتبادر إلى ذهن الجزائري سوى أشعة الشمس الحارقة، ودرجات الحرارة القياسية.

ولكن لن يخطر ببال أحدٍ أن هذه البقعة الحارة التي تتربّع على 80% من مساحة الجزائر؛ كانت في يومٍ من الأيام «غابةً خضراء» مغطاة بالمروج والأنهار والنباتات؛ تعيش بها التماسيح والأسود وشتى أصناف الحيوانات؛ ما جعل الصحراء الجزائرية أكثر الألغاز التي حاول العلماء فكّ شفرتها؛ في هذا التقرير نعود بك عبر بوابة الزمن آلاف السنين إلى الوراء ونصحبك في رحلة تشكل الصحراء الجزائرية التي تعرفها اليوم. 

سانت أوغسطين.. مفتي روما الذي نشر التثليث بالتعذيب في الجزائر

من واحةٍ خضراء إلى صحراء قاحلة

كشفت دراسة جديدة نُشرت في دورية «رسائل الأرض وعلوم الكواكب» عن تعديل بتاريخ الفترات المطيرة خلال النصف مليون سنة الماضية في مناطق الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا، وعن أن الصحراء الكبرى والتي من ضمنها الصحراء الجزائرية كانت واحةً خضراء ممتلئة بالأنهار والبحيرات وينابيع المياه الجوفية،في وقتٍ تشير فيه الأبحاث أنّه قبل 10 آلاف سنةٍ فقط كانت بالصحراء الجزائرية جنّة واسعة بها مراع خضراء وبحيرات قبل أن تتحوّل تدريجيًا في الفترة ما بين 8 آلاف سنة و4 آلاف سنة إلى صحراء قاحلة.

الصحراء الجزائرية ، مصدر الصورة ( plante)

ويتفق الكثير من الباحثين حول ماضي الصحراء الجزائرية الذي يعود إلى آلاف السنين، حيث كانت محيطًا أخضر بتمتع بتواجد أصنافٍ كثيرة من النباتات والحيوانات، وهذا ما يفسر الرسومات التي وجدت في كثيرٍ من الأماكن الأثرية في الصحراء الجزائرية أبرزها النقوشات والرسومات الجدارية المتواجدة في كهوف طاسيلي ناجر بولاية إيليزي (أقصى الجنوب الشرقي للجزائر) التي تعود إلى 10 آلاف سنة، والتي بقيت لغزًا لسنوات، إلى أن اكتُشفت سنة 1956؛ وتنوعت هذه الصور بين صورٍ لعمليات رعي الأبقار وسط مروجٍ ضخمة، وصور لخيول، ونقوش لأنهار وحدائق غناء، وحيوانات برية، في تأكيدٍ لجغرافية الصحراء الجزائرية قبل 10 آلاف سنة.

ويسود الاعتقاد دومًا بتواجد الغابات علي أطراف المزارع ووسط الحقول، حيث تواجد المياه والتي علي أساسها بدأت الحياة، ولكن من غير المعقول أن تجد غابات وسط الصحراء، لكنّ هذا ما كشفته الغابات المتحجرة التي لا تزال غابات منطقة الأهقار بالجنوب الجزائري شاهدةً على بقايا الحقبة الزمنية التي كانت فيها الصحراء الجزائرية واحةً خضراء من خلال الأشجار المتحجرة والتي  كانت توحي بوجود غابة إستوائية في المنطقة قبل 12 ألف سنة، كما تتوزع بها بقايا الحيوانات والأسماك المتحجرة.

 كما تشير الدلائل الأثرية المكتشفة حديثًا بالنيجر والقريبة من الحدود الجزائرية -حيث ثمّ العثور على مقبرةٍ جماعية تعود إلى آلاف السنين في  النيجر عُثر بجانبها على بقايا أسماك وتماسيح- إلى أن المنطقة كانت تحتوي على ثروة نباتية وحيوانية هائلة، وتعود تلك الاكتشافات إلى أحد المجتمعات التي عاشت في الصحراء -وهم الكيفيون والتينيريون، السكان الأصليون لمنطقة طاسيلي ناجر بالصحراء الجزائرية- الذين عاشوا قبل حوالي 8 آلاف عام، حيث كانوا يعتمدون بشدة على الصيد لتزويدهم بمصدر للغذاء. 

كيف تشكّلت الصحراء الجزائرية إذًا؟

منذ حوالي 6 آلاف سنة، كانت الصحراء الجزائرية ممتدة على مساحة مغطاة بالمروج التي تلقت كميات كبيرة من الأمطار، غير أنّ التحولات في أنماط المناخ العالمي المفاجئ نقل الجنة الخضراء تلك الى منطقة هي من أكثر المناطق جفافًا وحرارةً على سطح الأرض.

وعن أسباب هذا التغيّر الذي طرأ على جغرافية الجزائر، يرى عالم الآثار ديفيد رايت أنّ خللًا في التوازن البيئي حدث قبل حوالي 8 آلاف سنة؛ حيث يوضح في دراسته التي نشرتها مجلة «فرونتيرز» المختصة في علوم الأرض، أنّ الإنسان هو السبب الرئيس في التحوّل البيئي الدراماتيكي الذي حصل؛ ويذكر رايت أنّ هذا التحوّل حدث ما بين 8 آلاف سنة و4 آلاف سنة؛ حيث شهدت الأرض تحولًا سريعًا من الرطوبة إلى الجفاف ما أدى إلى ظهور الصحراء بالجزائر. 

وتشير أحد الأبحاث التي نشرتها مجلة «Nature Geosciences» وأشرف على إعدادها كلٌ من روبرت كورتي، أستاذ مساعد في قسم علوم الغلاف الجوي بجامعة تيكساس وزميله وليام بوس من جامعة ييل والتي تمّت على صحراء الجزيرة العربية المشابهة مناخيًا للصحراء الجزائرية إلى أنّ الظروف المناخية في المنطقة لم تكن ثابتة هناك منذ ملايين السنين الماضية وأنّ التغييرات الطفيفة في ميل الأرض نحو الشمس أدّت إلى زيادة كمية الطاقة الشمسية التي يتلقاها نصف الكرة الشمالي في فصل الصيف بشكل دوري، مما يؤدي إلى تغيير التيارات الجوية وهطول الأمطار الموسمية.

وتشهد منطقة شمال أفريقيا أيضًا مزيدًا من هطول الأمطار عندما يتم تأمين كميات أقل من مياه الكوكب في الجليد، هذه الزيادات في الرطوبة تحدّ من المدى الذي يمكن أن تنتشر فيه الصحراء ويمكن أن تثير أوقات «الصحراء الخضراء»، عندما تستبدل بالصحراء المتناثرة بحيرات ونباتات وحيوانات وفيرة.

ووفقًا لبحث نشرته «مؤسسة سميثسونيان»، فإن أحد العوامل التي ساهمت بشدّة في التحوّل الذي شهدته جغرافية الجنوب الجزائري وتحوّله إلى صحراء قاحلة؛ هي حركة الصفائح التكتونية للأرض ويشير البحث إلى أنه منذ حوالي 250 مليون سنة، فُصلت مجموعة ضخمة من المياه تسمى «بحر تيثيس» كانت تغطي معظم الصحراء الجزائرية الكبرى عن القوافل العملاقة لأوراسيا في الشمال وجندوانا في الجنوب، وعندما تفككت تلك القوافل العملاقة واختلطت، اصطدمت الصفيحة الأفريقية بالصفيحة الأوراسية، حيث ظهرت جبال الألب وجبال الهيمالايا ولكنها في الوقت ذاته أغلقت الجزء الأكبر من بحر تيثيس ومع استمرار تحريك الصفائح، استمر البحر في الانكماش، وتناقص في النهاية إلى البحر الأبيض المتوسط الذي نشهده الآن.

لكن.. هل ستعود الصحراء الجزائرية إلى طبيعتها الغابية؟

لا يزال البحث مستمرًا عن فرضية عودة الصحراء إلى حالتها الأولى قبل آلاف السنين، حيث يقول الباحثون في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» أن الصحراء تميل إلى التذبذب بين الصحراء والواحة الخضراء كل 20 ألف عامٍ تقريبًا، واعتمد الباحثون في فرضيتهم هذه على تحليلات طبقات الغبار الصحراوية المودعة قبالة ساحل غرب أفريقيا لنحو 240 ألف عام.

وكان الباحثون يشتبهون في وجود دورة قدرها 100 ألف عام، على غرار دورة العصور الجليدية. لكن فريقًا في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» أراد تفنيد تلك الفرضية، وذلك بالقيام بقياس تركيزات من الثوريوم النظائر النادرة لتحديد المعدل الذي يتراكم به الغبار على قاع البحر وفقًا لهذه الفترة.

ويورد الباحثون بعض ما اكتشفوه بالقول: «اكتشفنا أن بعض قمم الغبار نتجت بالفعل عن زيادة في الرواسب. ومع ذلك لا تظهر  هذه الرواسب إلا بسبب تحمض المحيطات خلال الفترات الجليدية، وتحمض تآكل لكربونات الكالسيوم»، ويضيف ديفيد ماكجي ، وهو أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا: «لقد اعتقدنا أن دورة العصر الجليدي هي المفتاح، لكن هذه الدراسات تظهر أنه يجب علينا بدلًا من ذلك أن نتحول إلى نزعة الاعتدال». 

فرنسا تفتك بصحراء الجزائر

حتى القرن التاسع عشر؛ تفيد الأبحاث أنّ أصنافًا كثيرة من الحيوانات والنباتات كانت لا تزال تقاوم التغيرات المناخية التي ضربت المنطقة؛ حيث كانت أصنافٌ عدّة من الحيوانات تجوب صحراء الجزائر قبل أن تنقرض خلال فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر؛ ومن بين تلك الحيوانات نجد القطط الكبير المتمثلة في النمر الأفريقي الذي كان ينتشر في شمال الصحراء، إضافةً إلى الأسد البربري الذي اختفى نتيجة عمليات الصيد التي كانت تستهدفه من المستوطنين الفرنسيين وقتل الأسد الأخير للجزائر في عام 1893 من قبل الفرنسيين.

بالإضافة إلى انقراض القطط الكبيرة بالجزائر، أضافت فرنسا جريمةً أخرى بحقّ الصحراء الجزائرية ومستقبلها، وذلك نتيجة التجارب النووية التي أجرتها بقلب الصحراء الجزائرية أواخر سنة 1957؛ وهي التجارب التي فاقت 57 تجربة خلفت من ورائها خسائر بشرية وبيئية هائلة.

وكانت وزارة الدفاع الفرنسية نشرت عام 2013 خريطة تحدد مدى انتشار الإشعاع النووي نتيجةً لتجربة «اليربوع الأزرق»، حيث تبيَّن أنَّ الغبار النووي طال أرجاء واسعة من منطقة الساحل الأفريقي وصولًا إلى أفريقيا الغربية والوسط، كما وصل الإشعاع إلى السنغال وتشاد وأفريقيا الوسطى وموريتانيا بعد أربعة أيام من التجارب، أما مالي فقد وصلها بعد أقل من 24 ساعة من التفجير.

كانت الصحراء الجزائرية ميدانًا لتجربة مروعة، بحسب الخبير في الفيزياء النووية البروفسير كاظم العبودي فـ«التجارب النووية الفرنسية بالجزائر استخدمت اليورانيوم الذي تبقى آثاره 24400 عام، كما استخدمت البلوتونيوم الذي تستمر آثاره 4.5 مليارات عام» ويضيف العبودي أن«فرنسا تركت بيئة بمئات الألوف من الكيلومترات مليئة بالنفايات وبقايا القواعد النووية والمعدّات العسكرية والطائرات وآلاف الأطنان من الخردة التي تحمل الإشعاع دون أدنى مستلزمات التطهير أو الدفن».

اجمالي القراءات 263
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق