جمهورية الضحك الأولى" من عبد الناصر إلى ثورة يناير

اضيف الخبر في يوم الجمعة 02 اغسطس 2019. نقلا عن: رصيف 22


جمهورية الضحك الأولى" من عبد الناصر إلى ثورة يناير

المصريون من أكثر الأمم ميلاً إلى الفكاهة والضحك، من هنا كان أدبهم غنيّأً بألوانها، خاصةً ما اتصلَ بالنُّكت وخفّة الدم والروح" قولٌ للأديب شوقي ضيف، يؤكد فيه إدمانَ المصريين للنكتة، وسيلتهم للتعبير عن الآلام والهموم.

أبناء المحروسة هم أصحاب ثاني أقدم نكتة في العالم، بعد النكتة السومرية، بحسب الكاتب المصري طايع الديب، في إصداره "جمهورية الضحك الأولى.. سيرة التنكيت السياسي في مصر"، يحكي فيه الهزلَ السياسي منذ تولي الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الحكم إلى قيام ثورة يناير عام 2011، والمنعطفات التي مرت بها النكتة السياسية تزامناً مع التغييرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في البلاد خلال تلك الفترة.

 
 

عبد الناصر... مجد النكتة السياسية

يقول الشاعر الراحل صلاح جاهين إن "أغزر النِّكاتِ السياسية كان في عصر عبد الناصر، فقد كانت جبهاتٌ عدة تهاجمه بشكل عنيف، بما في ذلك اليمين واليسار والمثقفون الذين اختلفوا مع منهجه، والخاضعون للحراسة، وغيرهم".

"جمهورية الضحك الأولى.. سيرة التنكيت السياسي في مصر" كتاب يحكي النكتة السياسية والمنعطفات التي مرت بها منذ تولي عبد الناصر الحكم إلى قيام ثورة يناير عام 2011

يؤكد الديب أن أصواتاً فكاهيةً عديدة برزت وقتها، منهم فكري أباظة وإحسان بعد القدوس والشاعر الهزلي كامل الشناوي الذي كانت هوايته الأثيرة هي التشنيع وتدبير المقالب وتأليف النكت بلا هدف سوى السخرية من السياسيين ونجوم مجتمع ماقبل ثورة يوليو، من باب "الضحك للضحك".

استمر الشناوي في خلق النّكات في مجتمع مابعد ثورة يوليو، مسؤولين ووزراء من نساء ورجال الحكم، بمعاونة الكاتبَين محمود السعدني وعبد الرحمن الخميسي. وبحسب الإصدار، كانوا يبيعون النُّكت البريئة لفناني المونولجات المعروفين وقتها. ضجَّ قادةُ الثورة من ذلك بالشكوى لعبد الناصر، فصدر قرارٌ بنقل الخميسي ضمنَ صحفيين آخرين من عملهم بجريدة الجمهورية إلى شركة "باتا" للأحذية، بدعوى أنهم من أعداء الثورة. فقال له الشناوي مواسياً بعد نقله: ماتزعلش ياخميسي.. مكسيم جوركي بدأ حياته جزمجي وانتهى كاتب عظيم، وانت بدأت حياتك كاتب وانتهيت "جزمجي"!

 

كان عبد الناصر يتعاملُ مع النّكات المتداولة بجدية تامة، بتكليف أجهزة الرئاسة بجمع تقاريرَ يوميةٍ وأسبوعية وشهرية، أيضاً كانت تأتيه من مصادر أخرى، هيئة الاستعلامات والمخابرات العامة وخطابات البريد التي يرسلها المواطنون إلى الرئيس، بعضها كان يصل مرفقاً ببيانات المرسل وبعضها من مجهول.

وبحسب "جمهورية الضحك الأولى"، ذات ليلةٍ سمع الزعيم الراحل نكتةً عبر برنامج إذاعي، حول أزمة الأرز، مادفعه لمهاتفة وزير التموين في تلك الساعة المتأخرة وسؤاله عمّا يجري، تبع ذلك اجتماعٌ طارئ لوزراء المجموعة الاقتصادية صباح اليوم التالي. تقول النكتة إن رجلاً من سكان القاهرة علِمَ أن الأرز متوفر بكثرة في الإسكندرية، فسافر كي يشتريه من هناك، في القطار دردشَ مع الكُمساري الذي سأله:

انت مسافر إسكندرية ليه؟

 

رايح اشتري رز

واصل الرجلان الكلام في أمور أخرى حتى دخل القطار محطة طنطا، فقال له الكمساري:

استعد عشان تنزل هنا.

بس احنا لسا قدامنا ساعة على إسكندرية

مش عايز تشتري رز؟

أيوه؟

انزل الطابور بيبدأ من هنا!

عاشت النكتةُ السياسية مجدَها بعد ثورة 23 يوليو، لتتراجع كثيراً من حيث القوة والانتشار خلال عامي 1957- 1967، نظراً للقوة الحماسية الدافعة التي أعطتها خطبُ عبد الناصر للجماهير في كل أنحاء العالم العربي وليس فقط في مصر، ثم عادت النكتة مرة أخرى بعد هزيمة 67 المنكرة التي لم يبرأ العرب منها حتى اللحظة.

عن ذلك يقول الكاتب الراحل صلاح عيسى "عقب سماع الجماهير لما عاد به الجنود من حقائق، تعرض النظام الناصري وجيشه لأقسى عملية نقد تعرض لها جيشٌ مهزوم ونظامٌ مهزوم في التاريخ. وبأسلوبهم الخاص والمميز تداول المصريون آلاف الفكاهات الساخرة والحادة، وضعت نظام عبد الناصر أمام محكمة شعبية آلمته وعجز عن مواجهتها".بلغت خطورة النِّكاتِ وقتها درجة أن عبد الناصر حذَّر منها في خطاباتٍ عديدة، طالبا التوقف عن تداولها. مما قال "النُّكت اللي طلعت دي جرحت كرامة ناس همَّ أولادنا وأخواتنا.. الشعب المصري له فلسفة وطنية وصلب أوي، لكنه شعب يحب النكتة، وأنا بعتبر دي ميزة لأنه بيفلسف بيها الأمور، لكن إذا جُم أعداؤنا، واستغلوا فينا هذه الطبيعة عشان يحققوا أهدافهم، لازم نكون ناصحين".

ولم تكن النكت المتداولة في تلك الفترة محلية الصنع، بل إن بعضها اقتبس من بلدان أخرى خصوصاً من دول أوربا الشرقية الاشتراكية التي كانت تعيش ظروفاً سياسية مشابهةً لتجربة مصر تحت حكم عبد الناصر. وكان يجري تحوير هذه النكات أو تمصيرها. بحسب الديب.

عاد إلى عبد الناصر نفسه حسُّه الفكاهي من جديد قبل أيام قليلة من رحيله، غير أن فكاهاته كانت على الملأ هذه المرة ، فقد بدا الصعيدي القوي كأنما أدركه التعب أخيراً ووعى الرجل أن الحياة لا تستحق التجهم.

السادات نكتة كبيرة

"غير أن الناس الذين نكتوا على عبد الناصر حيّاً وميّتاً، هم الذين اعتبروا السادات لحظةَ توليه الحكم.. نكتةً كبيرة" يقول طايع الديب في إصداره، مستشهداً بقول لنجيب محفوظ ورد في مذكراتٍ سجلها رجاء النقاش "كنتُ في بيتي عندما أُعلن عن تولي السادات مسؤوليةَ الحكم بعد عبد الناصر، وضربتُ كفاً بكف غير مصدّق، وقلت لزوجتي: هذا الأضحوكة هل سيصبح رئيسا لمصر؟".

ذكر حسنين هيكل في كتابه خريف الغضب" أن "السادات قال للرئيس الأمريكي جيمي كارتر أثناء سهرة خاصة على شرف توقيع اتفاقية السلام مع اسرائيل "كامب ديفيد" بالولايات المتحدة عام 1978: إن الناس في العالم ينظرون إليّ على أنني خليفة عبد الناصر، وهذا غير صحيح، فأنا لا أحكم مصر طبقاً لأسلوبه، بل أحكمها طبقاً لأسلوب رمسيس الثاني" ولكنه لم يقل ما هو أسلوب رمسيس الثاني".

وورد في "جمهورية الضحك الأولى" أن السادات استدعى الكاتب الراحل محمود السعدني الذي نُسب له تأليفُ عشرات النكات منذ عهد عبد الناصر وحتى عصر السادات، فلما جاء سأله: كيف تؤلف النكت ضدي ياولد يا سعدني وأنا رئيس مصر، اختاره الشعب عبر الاستفتاء العام أمام سمع وبصر العالم بنسبة 90.04%؟ قال السعدني: والله ياريس النكتة دي مش من تأليفي!

كان السادات –بحكم طبيعته الشخصية الانبساطية- حريصاً على سماع النُّكت المتداولة خلال فترة حكمه، خصوصاً السياسية منها ليعرف مايقوله الشارع المصري عن رجال الحكم. بحسب الديب.

وفي أوقات الأزمات السياسية كان يستدعي أنيس منصور وفايز حلاوة، كل على حدة، ليحكي له النكت المتداولة، فضلاً عن نمائم وطرائف الأوساط الراقية، التي سحرت السادات منذ شبابه الفقير قي قرية "ميت أبوالكوم".

بعد حرب اكتوبر ظنَّ السادات أنه "بلغ مالم يبلغه إنسان قبله، وما لن يبلغ إنسان بعده، وتصورَ أنه وحده كسب حرب اكتوبر، ووحده استعاد سيناء ووحده الذي يعرف ماذا يعمل وماذا لا يعمل. لقد تحوّل سيد مصر إلى ستار عالمي ومجلة شتيرن الألمانية تنشر صورته على غلافها وفي يده وردة وتمنحه لقب أشيك رجل في الدنيا" يقول الدكتور حسين مؤنس في "جمهورية الضحك الأولى".

غير أن الرجل وصل إلى النهاية البائسة، مات السادات مرتدياً بدلة عسكرية كانت مصممةً خصيصاً للفيلدمارشال النازي هيرمان جيرنج، مات غيلة في 6 اكتوبر 1981، بعدما اعتقل مئاتِ المثقفين والصحفيين والسياسيين وأصحاب الرأي، وحبس أنفاس مصرَ معهم قبل شهر من اغتياله في "اعتقالات سبتمبر" الشهيرة. بحسب الديب.

مبارك والفانوس السحري

"فإن مبارك لم يكن في أول عهده مثيراً للتنكيت، على عكس سلفيه، عبد الناصر والسادات. لكن بعد فترة من حكمه اعتبره المصريون رجلاً لا يقدم ولا يؤخر". قال الصحفي أكرم القصاص في مقالٍ ورد بعضه في "جمهورية الضحك الأولى".

بعد ذلك وُجِّهت النكتة إلى حالة الفساد التي استشرت في البلاد، وطولِ حكم مبارك الذي كان ينحدر من سيء لأسوء، إلى جانب مسألة توريث الحكم لابنه جمال.

مما قيل وقتها إن شاباً عثر على الفانوس السحري فخرج له الجنيُّ قائلاً: شبيك لبيك تطلب إيه؟ قال الشاب: أنا عايزك تعمل كوبري بين القاهرة وأسوان.

ردّ العفريت: دي صعبة أوي، ممكن تشوف حاجة تانية؟ فقال الشاب: خلاص خلّي حسني مبارك يسيب الحكم، فأجاب العفريت: عايز الكوبري حارة واحدة ولا اتنين؟

يؤكد الديب في كتابه أن جهاز أمن الدولة كان يجمع النّكت السياسية التي تقال في الشارع خلال عهد مبارك ويقدم بها تقريراً أسبوعياً لمجلس الوزراء، كما أن أسامة الباز وعمرو موسى كانا يجمعان، كل على حدة، النكت المنتشرة تلك الفترة، ويقولانها للرئيس إذا سنحت الفرصة، وبحسب ما حكى أنيس منصور، كان مبارك يضحك بشدة من النّكات التي تسخر من المسؤولين في عهده خصوصاً المقربين لديه، كأنه ينتقم منهم بالضحك عليهم.

أوقع الإهمالُ والفساد الشامل في عهد مبارك حوادثَ مأساوية، منها كارثة انهيار صخرة الدويقة التي سقطت على رؤوس عشرات الفقراء فقتلت 31 منهم تحت أنقاض البيوت والعشش العشوائية، وحريق قطار الصعيد الذي لقي فيه 350 شخصاً حتفهم حرقاً، وحادث غرق عبارة "السلام98" في البحر الأحمر عام 2006، غرقَ على إثره 1032 شخصاً.

كلُّ ذلك ضربَ المزاج العام في مقتل، واضعاً نهاية دراماتيكية لنظام مبارك، عندها اختفت النكتة السياسية تماماً من الفضاء العام. أمرٌ بدا غريباً ومنذراً بوقوع حادثٍ جلل في تاريخ مصر.

وعن سرّ اختفاء النكتة السياسية وقتها وباب تأويلاته يقول للكاتب عمار علي حسن "ظنّي أن التفسير هو الهمّ والغمّ قد فاض واستحكم، فوقع الناس جميعاً في كآبة سوداء، أفقدتهم القدرة على التندر والضحك وإطلاق النكات، مردُّها انسداد الأفق السياسي وتردي الأوضاع الاقتصادية وانهيار القيم والتفسخ الاجتماعي واحتضار الأمل بغدٍ أفضل لدى كثيرين".

مع سقوط مبارك وقيام ثورة يناير عام 2011، عادت النكتة السياسية بقوة، لكن بغير شكلها القديم القائم على مقدمة ووسط ونهاية، حول ذلك يقول الديب "في العالم الافتراضي ظهر شكل مبتكر من التنكيت السياسي، أصبح بمثابة مانيفستو ضاحك يتكون من عبارة واحدة طويلة. رسالة من تلميذ مصري.. إلى أعزائي المتظاهرين في ميدان التحرير، بخصوص الثورة اللي شغالة عندكم دلوقت ماتنسوش إنها هتدخل في مادة التاريخ واحنا اللي بنحفظ، اختصروا من فضلكم!

ومن المنعطفات التي مرت بها النكتة السياسية وقتها، خروجها من السرّ إلى العلن. يقول الكاتب علاء الأسواني في الإصدار ذاته "الفكاهة ليست دائماً غير مؤثرة أو غير ذات صلة بالسياسة. لقد نقلت ثورة يناير 2011 التي أسقطت الرئيس مبارك، السخرية إلى العلن، تعرض السيد مبارك لسخرية بلا رحمة، بسبب أفقه المحدود، وافتقاره إلى الذكاء وفساده".

الضحك بعد ثورة يناير أخذ شكلاً مغايراً عما كان قبلها، كما ورد في "جمهورية الضحك الأولى" "الضحك قبل الثورة كان للتنفيس ومن أجل تجنب المواجهة السياسية المباشرة، لذلك اختفت النكتة نهائياً قبل الثورة بعدة شهور، بينما يأتي الضحك بعد الثورة كنوع من التذكير بما حدث، وللتعبير عن الكبت، وليس تنفيسه، مما يهدد بانفجار في أي وقت".

اجمالي القراءات 233
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق