مترجم: هؤلاء الأطفال ولدوا معدلين جينيًّا في التسعينيات.. كيف أصبحوا الآن؟

اضيف الخبر في يوم السبت 11 مايو 2019. نقلا عن: ساسه


مترجم: هؤلاء الأطفال ولدوا معدلين جينيًّا في التسعينيات.. كيف أصبحوا الآن؟

أعلن عالم صيني يُدعى جيه جيان كوي، في نهاية العام الماضي، ميلاد توأمين بـجينٍ كان قد عدله عندما كان الطفلان جنينين في بطن أمهما. لكن بشكلٍ ما، ليست هذه الأخبار بجديدة على الإطلاق. إذ إن الأطفال أو الأشخاص المعدلين وراثيًا يسيرون في كل مكانٍ حولنا.

إذ يرى كارل زيمر، العالم والمدون والكاتب الأمريكي المتخصص في علم الأحياء التطوري، أنَّ الإنسانية تبدو وكأنَّها تجاوزت حدًا فاصلًا. وفي مقاله بصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، يروي زيمر رحلة تعديل الجينات البشرية؛ بدايتها، وما واجهته، وما قد ننتظره من اختراقٍ بهذا الحجم.

هل ينجح التعديل الجيني في القضاء على «السرطان»؟

يحكي زيمر أنَّه في منتصف التسعينيات، توصل عددٌ من أطباء الخصوبة في ولاية نيوجيرسي الأمريكية إلى فكرة قد تساعد النساء اللواتي يواجهن مشاكل في الحمل على الإنجاب. كانوا يشكُّون في أنَّ بعض النساء يواجهن مثل هذه الصعوبات بسبب إصابة بويضاتهن بعيوبٍ معينة.

ولإصلاح تلك البويضات، استخلص الأطباء بعضًا من المواد الهلامية الموجودة في بويضاتٍ تبرعت بها سيدات صحيحات، وحقنوها في بويضات مريضاتهن قبل إجراء عملية الإخصاب الأنبوبي.

لم يطلب الباحثون من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) الإذن لتجربة مثل هذه العملية. فقط بعدما نجحت مريضاتهم في إنجاب أطفال أصحاء، شاركوا خبر نجاح تجربتهم. وبمجرد انتشاره، تردد عددٌ كبير من الأمهات اللواتي يُردن الإنجاب إلى العيادات لإجراء العملية نفسها.

لكنَّ ردة فعل الآخرين بحسب زيمر لم تخلُ من الصدمة. تُوِّلد خلايانا الطاقة في مصانع دقيقة تُسمى الميتوكوندريا، وتحمل كل ميتوكوندريا مجموعة صغيرة من الجينات الخاصة بها. وهذا يعني أنَّ تجربة أطباء الخصوبة في ولاية نيوجيرسي ربما تكون أنتجت أطفالًا يحملون مزيجًا من الأحماض النووية التي تخص ثلاثة أشخاص، وليس اثنين.

وأوضح زيمر في مقاله أنَّ هذا كان صحيحًا بالفعل. اكتشف الأطباء أنَّ بعض هؤلاء الأطفال يحملون الحمض النووي الموجود في ميتوكوندريا المتبرعات، وليس أمهاتهن فقط. وفي تقريرهم الصادر عام 2001 عن هذا الاكتشاف، وصفوا الظاهرة بأنَّها «أول حالة لتعديلٍ جيني على خلايا جرثومية (الخلايا المسؤولة عن ميلاد شخص جديد) بشرية ينتج منه أطفال أصحاء طبيعيون».

لم يسُر هذا الخبر إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، التي أرسلت إخطاراتٍ للعيادات تطالب فيها الأطباء بإخضاع التجربة للاختبار كما لو كانت دواءً تجريبيًا جديدًا. كانت تلك العوائق البيروقراطية مرهقة جدًا، ما دفع العيادات للتوقف عن حقن البويضات من الأصل. وبحلول ذلك الوقت، كان نحو 12 من الأطفال قد ولدوا بالفعل بمزيجٍ من الأحماض النووية، بل ربما كان العدد يفوق هذا الرقم؛ لا أحد يعرف على وجه اليقين.

تابع أطباء نيوجيرسي حياة بعض هؤلاء الأطفال، ولم يلحظوا شيئًا غير معتاد بخصوص صحتهم في مرحلة المراهقة. وفي الوقت نفسه، أدرك بعض علماء الأحياء أنَّهم لو أجروا بعض التعديلات على تلك التجربة، فربما ينتج منها شيءٌ مختلف تمامًا: سبيلًا للوقاية من الأمراض التي يستحيل علاجها.

يشرح زيمر كيف يمكن للحمض النووي في الميتوكوندريا أن يتحور ويتطور، تمامًا مثل الحمض النووي في كروموسوماتنا، وكيف يمكن أن تسبب هذه الطفرات أعراضًا تتراوح بين الإصابة بإعاقاتٍ بصرية إلى الوفاة المبكرة، ويمررها النساء إلى أطفالهن.

يصاب واحد من كل 5 آلاف شخص بأمراض الميتوكوندريا، ويستعصي علاج أغلبهم بصورةٍ فعالة. وهنا تساءل العلماء عمَّا إن كانوا يستطيعون محو هذه الأمراض إذا بدلوا الميتوكوندريا ببعضها.

توصل العلماء إلى إجراءٍ يبدأ بأخذ كروموسومات المريضة من إحدى بويضاتها، ثم يأتون ببويضةٍ من متبرعة صحيحة ويزيلون كروموسوماتها أيضًا. وأخيرًا، يُدخلون كروموسومات المريضة في البويضة المانحة قبل أن يُخصبوها بالحيوانات المنوية.

 

 

أظهرت اختبارات هذا العلاج الذي أسموه «العلاج باستبدال الميتوكوندريا» نتائج مشجعة بعدما أجروه على الفئران والقرود. لكن عندما حاول العلماء مناقشة مسؤولي حكومة الولايات المتحدة بشأن تجربتها على البويضات البشرية، أُمروا بوقف أبحاثهم. ويقول زيمر إنَّ ما أثار قلق الناس لم يقتصر على المخاطر الطبية المحتملة لهذا الإجراء فحسب، بل اعتبره الكثيرون إهانةً للكرامة الإنسانية.

فبحسب الكاتب، أثناء جلسة استماع عقدت في عام 2014، وصف جيف فورتينبيري، عضو الكونجرس الأمريكي الممثل عن ولاية نبراسكا، هذا الإجراء بأنَّه «شكل مروع من أشكال الاستنساخ البشري اليوجيني».

وبعد عامين، تسلل حكمٌ في ظروف غامضة إلى مشروع قانون للكونجرس الأمريكي يمنع إدارة الدواء والغذاء من حتى النظر في العلاج باستبدال الميتوكوندريا. لذلك اضطر الباحثون إلى ممارسة تجاربهم في الخفاء.

وفي 2016، أعلن طبيب خصوبة أمريكي يدعى جون زانج أنَّه ذهب إلى المكسيك لإجراء العملية سرًا على امرأةٍ أردنية مصابة بمرض عصبي يسمى متلازمة لي. أنجبت المرأة ولدًا بدا بصحةٍ جيدة، لكنَّها لم تهتم هي أو زوجها بالسماح للعلماء بمتابعة صحة طفلهما، ولا يعرف أحدًا شيئًا عن مصيره على حد قول زيمر.

تردد صدى كل ما سبق ذكره جليًا مرةً أخرى عندما أعلن جيان كوي، وهو أستاذ مساعد في جامعة جنوب الصين للعلوم والتكنولوجيا بمدينة شيجن، أنَّه أسهم في إنجاب أطفال بجيناتٍ معدلة بتغييره الحمض النووي للأجنة البشرية، مستخدمًا تقنيةً جديدة تُسمى «كريسبر» (Crispr).

يشرح زيمر كيف اقتطع جيان كوي جزءًا صغيرًا من الحمض النووي لجين يُدعى «CCR5»، وأنَّ الأشخاص الذين يفتقدون هذا الجزء من المادة الوراثية يبدون مقاومين للإصابة بعدوى بفيروس HIV (نقص المناعة البشرية). ورأي جيان كوي أنَّ الأطفال المعدلين وراثيًا سيقاومون الفيروس أيضًا.

نشرت مجلة «إم آي تي تكنولوجي ريفيو» الخبر لأول مرة، وتلته قصة مطولة نشرتها وكالة «أسوشييتد برس»، فيما نشر جيان كوي سلسلةً من مقاطع الفيديو تثبت نجاحه على الإنترنت. واتجه إلى مؤتمرٍ ضخم لمناقشة مسألة تعديل الجينات في هونج كونج لـعرض بعض التفاصيل عن عمله.

 

 

جيان كوي في حديثه أمام المؤتمر في هونج كونج.

ويقول زيمر إنَّه مثلما حدث مع أطباء الخصوبة في نيوجيرسي من قبله، أُدين جيان كوي من كل اتجاه «لانتهاكاته السرية». وأصدر منظمو اجتماع هونج كونج بيانًا يصف فيه ميلاد التوأمين بأنَّه فعل «غير مسؤول».

وقالوا إنَّ جيان كوي وضع دراسته بصورة رديئة، ووصفوا اعتباراته الأخلاقية بأنَّها «خائبة»، بينما تساءل بعض العلماء الذين شاهدوا كلمة جيان كوي عمَّا إن كان قد أزال الجزء الخطأ من جين CCR5 بالأساس. ووصفت الحكومة الصينية الإجراء بأنَّه غير قانوني، وفتحت تحقيقًا.

تواصل زيمر مع جلين كوهين، الأستاذ بكلية الحقوق في جامعة هارفارد والذي يدرس تقنيات الإنجاب، ليطلب منه التنبؤ بما قد يحدث بعد ذلك، وتوقع كوهين تكرار قصة استبدال الميتوكوندريا.

قال كوهين: «أشعر بأنَّ ما سيحدث هو إصدار إجراءات تنظيمية قوية حول العالم». وتنبأ بحظرٍ شامل لهذه التقنية، مضيفًا: «الناس خائفون، وعندما يخافون، يتخذون قراراتٍ غير موفقة».

ومنح سكوت جوتليب، مفوض إدارة الدواء والغذاء، تنبؤات كوهين فعلًا بعض المصداقية. ففي مقابلةٍ مع مجلة «بايو سينشري»، انتقد جوتليب المجتمع العلمي لفشله في وقف جيان كوي، وحذر من احتمالية إصدار «قوانين ولوائح قد تكون أكثر تقييدًا ​​بكثير مما كانت ستُصدر لو كانت هناك ثقة أكبر في أنَّ المجتمع العلمي قادر على فرض المعايير المناسبة من تلقاء نفسه».

يصف زيمر كيف أنَّ هذا «مخيبٌ للآمال»، إذ يعتقد أنَّه ربما يأتي وقتٌ يصبح فيه تعديل الأجنة البشرية أمرًا منطقيًا من الناحية الطبية. ويشير إلى أنَّه في عام 2017، أصدرت الأكاديميتان الوطنيتان الأمريكيتان للعلوم والطب مبادئ توجيهية مفصلة حول الحالات المؤهلة لمثل هذه الإجراءات. ومع أنَّها لم تُشِر إلى أي مرضٍ بعينه، فقد أوضحت أنَّه يمكن فقط دراسة إجراء العملية في حال فشلت جميع العلاجات الأخرى على مساعدة الأبوين على إنجاب طفل سليم.

ولحسن الحظ، يُقدم لنا التاريخ مسارًا مختلفًا، وفي هذا الصدد، يلفت زيمر نظرنا إلى ردة فعل بريطانيا تجاه العلاج باستبدال الميتوكوندريا. فعندما أثار علماء بريطانيون فكرة إجراء العملية على البويضات البشرية، طرحت الحكومة نقاشًا جادًا ومفتوحًا حول إيجابياتها وسلبياتها، ثم أجرت وزارة الصحة تحقيقًا مطولًا، فيما عقد البرلمان مناقشةً عامة. وفي عام 2015، أقر قانونًا يوافق على الإجراء.

لم تكن الحكومة البريطانية تحاول خلق سيناريو طبي مخيف للغرب المتوحش، حيث للأطباء مطلق الحرية في إجراء العملية متى أرادوا. كان على العيادات الحصول على ترخيص من الهيئة البريطانية للإخصاب البشري وعلم الأجنة، التي ستراقب الإجراءات وتتابع الأطفال طوال حياتهم للتحقق من حدوث أي آثار جانبية مفاجئة.

وأعلنت السلطات أنَّها وافقت للمرة الأولى على إخضاع سيدتين للعلاج باستبدال الميتوكوندريا في عيادةٍ للخصوبة بمدينة نيوكاسل البريطانية. فيما امتنع أحد ممثلي السلطة عن قول ما إن كانت هذه العملية قد نجحت في إنجاب أي طفل بعد أم لا.

من الطبيعي أن يركز العالم اهتمامه على الطفلين اللذين ولدا في الصين. لكنَّ زيمر يرى في النهاية أنَّ هؤلاء الأطفال في بريطانيا يستحقون اهتمامنا أيضًا، وحينها يمكننا اختيار أيٍ من هؤلاء الأطفال يمثل مستقبل البشر فعلًا.

اجمالي القراءات 191
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق