بعد بيانه التحذيري الأول.. هل بدأ العسكري السوداني ثورته المضادة؟

اضيف الخبر في يوم الإثنين 22 ابريل 2019. نقلا عن: عربى بوست


بعد بيانه التحذيري الأول.. هل بدأ العسكري السوداني ثورته المضادة؟

يزداد التوتر بين المتظاهرين السودانيين المطالبين بالديمقراطية والمجلس العسكري، وسط مؤشرات على إمكانية لجوء المجلس إلى القوة لفض الاعتصام، ومخاوف من تنفيذه ثورة مضادة في السودان تدريجياً.

فبعد إعلان الحراك السوداني وقف التفاوض مع المجلس العسكري واعتباره امتداداً للنظام، لمَّح الأخير باستخدام القوة ضد أي تجاوزات.

وطالبت اللجنة الأمنية بالمجلس العسكري الانتقالي في السودان، الإثنين 22 أبريل/نيسان 2019، بفتح الممرات والطرق والمعابر المغلقة فوراً، لتسيير حركة القطارات والنقل بأشكاله المختلفة في العاصمة والولايات.

جاء ذلك في بيان صادر عن إعلام المجلس العسكري، اطلعت عليه وكالة الأناضول.

«سنوقف الظواهر السلبية»

وتأتي هذه الخطوة عقب ساعات من تنديد رئيس المجلس العسكري، عبدالفتاح البرهان، بما سماه «الظواهر السلبية التي تنتهك هيبة الدولة وتسيء إلى المحتجين»، مثل إغلاق الطرق والتعدي على الأفراد والتفتيش دون سلطة مخولة.

وسبق أن أعلن المجلس العسكري أنه لا يسعى إلى فض الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش بالعاصمة الخرطوم، لكنه أكد في الوقت ذاته أنه «لن يسمح بعرقة سير الحياة».

وفي بيانِ الإثنين، حثَّت اللجنة الأمنية المواطنين على مساعدة السلطات بالإبلاغ الفوري عن أي ظواهر سلبية تؤثر في الأمن والحياة اليومية.

وأشارت اللجنة إلى جهات (لم تسمِّها)، تقوم بممارسات سلبية وغير مقبولة بالشارع العام، تتمثل في إغلاق الطرق والتفتيش والسيطرة على حركة المواطنين والمركبات العامة.

وتابعت: «يتم فوراً فتح الممرات والطرق والمعابر، لتسيير حركة القطارات والنقل بأشكاله المختلفة في العاصمة والولايات، حتى تنساب الاحتياجات الضرورية».

حملة نظافة أم محاولة لفض الاعتصام؟

ولا يزال المعتصمون يغلقون الشوارع المحيطة بالقيادة العامة للجيش السوداني.

والإثنين 15 أبريل/نيسان 2019، اتهم المعتصمون أمام مقر الجيش بالخرطوم السلطات الأمنية بمحاولة فض الاعتصام، لكن المجلس العسكري أصدر بياناً أكد فيه أنه كان يقوم فقط بحملة نظافة قرب ساحة الاعتصام.

سياسياً، يتصاعد التوتر في البلاد بين المجلس العسكري الذي يهيمن على السلطة، وقوى المعارضة التي تضغط لتسليم السلطة إلى المدنيين.

أفراد من القوات السودانية يحتفلون بعد تنحية البشير،(AP)

وفي أحدث صور ذلك التوتر، أعلنت قوى «إعلان الحرية والتغيير»، الأحد 21 أبريل/نيسان 2019، تعليق التفاوض مع المجلس العسكري، ودعت إلى حشد تظاهرةٍ مليونيةٍ الخميس 25 أبريل/نيسان 2019، لإعلان أعضاء مجلس رئاسي مدني، يقود زمام المرحلة الانتقالية.

ولا تزال طبيعة الجهة التي ستقود المرحلة الانتقالية بعد عزل الرئيس عمر البشير، في 11 أبريل/نيسان 2019، نقطة الخلاف الرئيسية بين قادة الجيش والقوى السياسية المنظِّمة للاحتجاجات بالبلاد.

وبينما شكَّل قادة الجيش مجلساً انتقالياً من 10 عسكريين -رئيس ونائب وثمانية أعضاء- لقيادة مرحلة انتقالية حددوا مدَّتها بعامين كحد أقصى، طارحين على القوى السياسية إمكانية ضم بعض المدنيين إليه، مع الاحتفاظ بالحصة الغالبة- تدفع الأخيرة باتجاه ما تسميه مجلساً مدنياً رئاسياً تكون فيه الغلبة للمدنيين، ويضم بعض العسكريين.

ولكن المشكلة أن المعارضة أرجأت تشكيل المجلس المدني الرئاسي

وأرجأت المعارضة السودانية إعلان أسماء أعضاء المجلس الرئاسي المدني إلى الخميس 25 أبريل/نيسان 2019، عوضاً عن الأحد كما كان مقرراً سابقاً.

جاء ذلك في بيان صدر فجر الإثنين 22 أبريل/نيسان 2019، عن قوى «إعلان الحرية والتغيير» التي تقود الاحتجاجات في السودان.

وقدمت «القوى» اعتذاراً عن عدم إعلان المرشحين، الأحد 21 أبريل/نيسان 2019، كما كان مقرراً، وقالت إن سبب تأخرها يتمثل في حرصها على كمال التمثيل، حسب البيان.

وأوضحت أن «الجهود بشأن تسمية المرشحين للسلطة المدنية الانتقالية وصلت إلى مراحل متقدمة».

وأشارت قوى «إعلان الحرية والتغيير»، في بيانها، إلى أنها تعمل وفق وثيقة دستورية انتقالية تتألف من «مجلس رئاسي مدني» يضطلع بالمهام السيادية في الدولة، و «مجلس تشريعي مدني» ينفذ المهام التشريعية الانتقالية، و «مجلس وزراء مدني مصغر» من الكفاءات الوطنية، يؤدي المهام التنفيذية للفترة الانتقالية.

وأضافت أنه سيتم تنظيم حشد مليوني، الخميس 25 أبريل/نيسان 2019، لإعلان الأسماء بكل الهياكل.

وأكدت استمرار الاعتصام أمام مقار قيادة الجيش السوداني بالعاصمة الخرطوم ومدن الولايات.

وأضافت مؤكدةً: «لن نتزحزح عن موقفنا القاضي بأن هذه السلطات المدنية هي الوحيدة التي تمثل الشعب».

والأحد، أعلنت قوى «إعلان الحرية والتغيير» تعليق التفاوض مع المجلس العسكري الانتقالي.


ثورة مضادة في السودان .. هل يختصر العسكري زمن إجهاض الحراك؟

ويرى مراقبون أن هناك أوجُه تشابه بين الحراك السوداني وكذلك الجزائري، والثورات التي نشبت في عديد من الدول العربية خلال فترة الربيع العربي.

ومن أبرز هذه النقاط أن الانتفاضة عفوية وتفتقد قيادة مركزية، ودون ترابطٍ تنظيمي يُذكَر، كما يقول الباحث محمد أيوب، أستاذ العلاقات الدولية الفخري بجامعة ولاية ميشيغان الأمريكية.

ويضيف: «كانت -ولا تزال- الأداة الرئيسية التي ساعدت الانتفاضتين على تحقيق أهدافهما، هي قدرتهما على اجتذاب الدعم الشعبي الارتجالي المفاجئ، الذي حشد مئات الآلاف من الناس في الشوارع؛ ومن ثم شلَّ الحياة»، مستدركاً: «لكنَّ هذا أسلوب لا يمكن أن يستمر على المدى الطويل».

ويقول: «تبدو أصداء ميدان التحرير بالقاهرة واضحة للغاية في هذه الظاهرة، لذا هناك خطر كبير يتمثل في إمكانية تبدُّد الحراكين السوداني والجزائري هما أيضاً، بسبب عدم التنظيم والتناحر الداخلي بين صفوف المعارضة، مثلما تلاشى حراك ميدان التحرير سريعاً بمجرد تحقيق الهدف المباشر، المتمثل في إزاحة حسني مبارك».  

ويبدو أن المجلس العسكري السوداني نجح في تبريد الثورة، بإزاحة الرئيس السوداني عمر البشير، وتنفيذ حملات اعتقال لأركان نظامه.

ولكن في الوقت ذاته، فإن الأطروحات التي يقدمها بشأن تسليم السلطة إلى المدنيين تبدو غير مقنعة لنشطاء الحراك.

عملية التحول تحتاج وقتاً وحزماً.. يبدو أن الظروف في صالح المؤدلجين

ويلفت محمد أيوب إلى أن عملية تحوُّل النظام عادةً ما تكون عملية طويلة، وتتطلَّب تنظيماً مُكرَّساً لها ومُوحَّد التفكير ومنضبطاً، مثل البلاشفة في روسيا والحزب الجمهوري الإسلامي في إيران، يمكنه الحفاظ على استمرار الزخم الثوري حتى تفكيك النظام القديم بالكامل.

إذ يبدو أن الثورتين المشار إليهما حققتا الاستمرار من خلال سيطرة فصيل سياسي معين، له رؤية وأيديولوجية قادرة على اجتثاث النظام السابق.

بينما الثورات التي تضم طيفاً سياسياً واسعاً تتسم في البداية بالقدرة على تجميع القوى السياسية المتنوعة، ولكن سرعان ما يقع بينها الخلاف حول التفاصيل، في ظل افتقاد رؤية موحدة، ومخاوف وأطماع كلٍّ منها الذاتية.

تكرار للسيناريو المصري مع بعض التعديلات.. الأنظمة تفضّل الإطاحة بالرأس

في المقابل، فإن فلول النظام -كما يسمون في بلدان الربيع العربي- سرعان ما يستغلون هذا الوضع، لإعادة ترتيب أوراقهم.

فالرجل الموجود على قمة النظام هو مجرد رأس جبل الجليد في معظم الحالات، وإزاحته لا تعني بالضرورة تحوُّل النظام، حسب محمد أيوب.

وهذا بالضبط ما حدث في مصر، إذ كان كبار القادة العسكريين، الذين يمثلون الحكام الفعليين للبلاد، أكثر استعداداً للتضحية بمبارك وأسرته وحاشيته، بهدف الحفاظ على سيطرتهم على البلاد.

ففي سلسلةٍ من الخطوات المحسوبة، تظاهروا في البداية بأنَّهم مدافعون عن الحراك الديمقراطي ضد تجاوزات الشرطة، من أجل اكتساب ثقة الناس، ثُمَّ أزاحوا الدكتاتور وسمحوا بفترة انتقالية ديمقراطية وجيزة، وأخيراً أظهروا معدنهم الحقيقي بإطاحتهم بالحكومة المُنتخَبة والسيطرة على السلطة بالقوة الغاشمة، التي أُضفيت الشرعية عليها لاحقاً بانتخاباتٍ مزورة، حسب محمد أيوب.

قائد الجيش الجزائري قايد صالح
الجيشان السوداني والجزائري يسيران وفقا للسيناريو المصري/ رويترز

وفي كلٍّ من الحالتين السودانية والجزائرية، كان الجيش، الذي يُعَدُّ عماد النظامين، هو مَن عزل البشير وبوتفليقة والمُقرَّبين منهما، استجابةً لحالة الاضطرابات الشعبية واستبدلهما بحكومتين مؤقتتين يديرهما القادة العسكريون.

ويرى محمد أيوب أن هدف الجيشين الجزائري والسوداني الحقيقي هو تهدئة السخط الشعبي، الذي يتم التعبير عنه عن طريق التظاهر باعتبارهما عنصرَي تغييرٍ وداعمَين للحراكين الشعبيَّين.

ويقول أيوب: «حين تتعرَّض القوة الحقيقية التي تقف خلف العرش في الأنظمة الاستبدادية لمعارضة شعبية ضخمة، غالباً ما تُضحّي بالمستبد الرمزي، الصورة الرمزية الأوضح للنظام، وحاشيته، من أجل إنقاذ هيكل السلطة التي تهيمن عليها».

ويبدو هذا تكراراً للسيناريو المصري مع إضافة تعديلات بسيطة، لتلائم السياقين المحليين.

والشرخ بين الإسلاميين والعلمانيين يعمل لمصلحة الجيش

وتُوفِّر قيادة «تجمُّع المهنيين السودانيين» درجة ما من الترابط للحراك الداعم للديمقراطية، حسب محمد أيوب.

ومن ناحيةٍ أخرى، فإنَّ المجتمع السوداني، بالنظر إلى حقيقة أنَّ البشير والجيش كانت تدعمهما عناصر إسلامية، منقسمٌ بين المجموعات العلمانية والإسلامية؛ ومن ثم ينتقص هذا من قدرة الحراك على التحرُّك بصورة موحدة.

وكانت الفصائل الإسلامية مُقرَّبة من البشير والجيش، لأنَّ النظام خضع بصورة انتقائية لمطالبهم بتطبيق الشريعة. وهذا الشرخ المجتمعي يُرجَّح أن يعمل لمصلحة الجيش، لأنَّه لا يزال بإمكانه الاعتماد على دعم الإسلاميين في مواجهة العناصر العلمانية، وفقاً لأيوب.

ولكن يبدو أن السودانيين قد تعلموا من السيناريو المصري

وعلى الرغم من توقُّع المراقبين تكرار السيناريو المصري، فإن نشطاء الحراك السوداني يبدو أنهم يحاولون عدم تكرار أخطاء نظرائهم المصريين.

ويظهر هذا واضحاً في محاولة تشكيل مجلس حكم مدني، وجعل بدائل ثورية للسلطات التشريعية والتنفيذية، لتتسلم الحكم وألا تترك الحكم للعسكريين.

ولكن المشكلة ليست في مدى احتمال قبول العسكريين تسليم السلطة إلى المدنيين ولو جزئياً، ولكن أيضاً قدرة المدنيين في الاتفاق على تركيبة هذا المجلس المقترح.

اجمالي القراءات 451
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق