ذي أتلانتك»: ماذا يعني إعلان البابا عن فتح الأرشيف السري للفاتيكان؟

اضيف الخبر في يوم الخميس 07 مارس 2019. نقلا عن: ساسه


ذي أتلانتك»: ماذا يعني إعلان البابا عن فتح الأرشيف السري للفاتيكان؟

تحتوي أرشيفات الفاتيكان السرية على وثائقٍ يصل طولها إلى 85 كيلومترًا، بحسب بعض التقديرات، وهو ليس الأرشيف الوحيد الذي تُسيطر عليه الفاتيكان. وينشر الفاتيكان وثائق تلك الأرشيفات للعامة عادةً بعد مرور 75 عامًا، لكن الجدل الذي أُثير حول البابا بيوس الثاني عشر في السنوات الـ50 الأخيرة، دفع البابا فرانسيس إلى تسريع تلك العملية.

وفي السطور التالية، يكشف لنا ديفيد كيرتزر، المؤرخ الأمريكي، عن بعض الأسرار التي يعتقد أنه ستظهر بالكشف عن أرشيفات الفاتيكان، بحسب التقرير الذي نشره على موقع مجلة «ذي أتلانتك» الأمريكية.

وذكر التقرير أن البابا فرانسيس أعلن يوم الاثنين عن فتح الأرشيفات المثيرة للجدل حول الحبر الأعظم في زمن الحرب للباحثين في مارس (آذار) المقبل، وذلك بعد 80 عامًا من انتخاب بيوس الثاني عشر للبابوية. ويأتي القرار في أعقاب نصف قرنٍ من الضغوطات. ويرى كيرتزر أن بيوس الثاني عشر – الذي ينتظر بفارغ الصبر تطويبه قديسًا، ويعتبره المُحافظون بطلًا في حين يستنكر عليه مُنتقديه فشله في إدانة حملة التطهير العرقي النازية بحق يهود أوروبا – يُعَدُّ أكثر الباباوات إثارةً للجدل في تاريخ الكنيسة.

ولم يلحظ الكثيرون في العرض الأولي للإعلان حقيقة أن فتح فرانسيس لأرشيفات بيوس الثاني عشر يُقدَّم 17 مليون صفحةٍ من الوثائق المُخزَّنة داخل أرشيفات الفاتيكان المركزية، بحسب التقرير، فضلًا عن الكثير من المواد الأخرى المُخزَّنة داخل أرشيفات الكنيسة المختلفة. ويعتقد كريتزر أن أهمها هي أرشيفات مجمع العقيدة والأديان (والمعروف سابقًا باسم المكتب المقدس لمحاكم التفتيش) والأرشيفات المركزية للرهبانية اليسوعية (الچزويت). ويُرجِّح كيرتزر أن تلك الأرشيفات تحديدًا ستحتوي على الكثير من المعلومات الجديدة.

نصف قرنٍ من المحاولات

وأفاد التقرير أن مُطالبة الفاتيكان بفتح أرشيفاته عن زمن الحرب بدأت تلقى صدى عام 1963، في أعقاب العرض الأول لمسرحية «النائب – The Deputy» للمؤلف رولف هوشوف في ألمانيا. وصوَّرت المسرحية قصة بيوس الثاني عشر وهو يرفض كل النداءات المُطالبة بإدانة مذبحة اليهود، وركَّزت على اهتمامه فقط بحماية المصالح المؤسسية للكنيسة.

وكلَّف الكرسي البابوي أربعة أحبارٍ بالبحث في الأشيفات ونشر مجموعةٍ مختارةٍ من الوثائق التي تُسلِّط الضوء على ذلك الموضوع المُثير للجدل، في محاولةٍ للاستجابة إلى النقاد. ونتج عن ذلك 12 مجلدًا سميكًا يحوي آلاف الوثائق، بعد 16 عامًا من البحث بدايةً من عام 1965.

ورغم أن المُشكِّكين اشتبهوا في قيام مُحرِّري الچزويت باستبعاد الوثائق التي لا تروق للكنيسة، لكن المُجلَّدات لا يُمكن اعتبارها تمويهًا بسيطًا عن تلك الحقبة المضطربة. وخير مِثالٍ على ذلك هو أن الوثائق تكشف أن مبعوث البابا الچزويتي سعى بشكلٍ عاجلٍ للوصول إلى وزير العدل بالحكومة الجديدة في أعقاب الإطاحة بموسوليني عام 1943 بحُجَّة أن الحكومة لا يجب أن تُخضِعَ اليهود المُعمَّدين لأحكامها الوحشية، رغم أن الفاتيكان استحسن الكثير من القوانين العنصرية المناهضة للسامية التي طبَّقتها الحكومة قبل عدَّة سنوات ورأى ضرورة الاحتفاظ بها.

وأورد التقرير أن رواية «البابا هتلر – Hitler’s Pope» الأكثر مبيعًا للكاتب جون كورنويل، والتي نُشِرَت عام 1999، أعادت تسليط الضوء على تلك القضية المُثيرة للجدل. إذ ذكر كورنويل أنه تمكَّن من الوصول إلى جزءٍ من أرشيفات الفاتيكان بطريقةٍ غير رسمية.

وقال إن إيوجينيو باتشيلي، بيوس الثاني عشر مستقبلًا، ساعد هتلر عام 1933 على إنهاء المعارضة الكاثوليكية المنظمة للنازية داخل ألمانيا، إبان فترة عمله وزيرًا لخارجية الفاتيكان. ولم يبذل بيوس الكثير من الجهود بعد أن أصبح الحبر الأعظم لمكافحة الهولوكوست إبان تكشُّفها، بحسب شهادة كورنويل، فضلًا عن محاولته أن ينسب لنفسه الفضل في معارضة النازية علنًا إثر انتصار الحلفاء.

وأعلنت الفاتيكان تشكيل أول لجنةٍ تاريخيةٍ غير معتادةٍ بين الأديان في نفس عام نشر كتاب كورنويل، بحسب التقرير، وتألَّفت اللجنة من ثلاثة باحثين كاثوليك وثلاثة يهودٍ مهمتهم تسليط الضوء على الدور الذي أدَّاه الفاتيكان إبان تكشُّف الهولوكوست.

وفي أعقاب فحص الـ12 مجلدًا من الوثائق التي نُشِرَت سابقًا، توصَّل أعضاء اللجنة إلى أنهم لن يتمكَّنوا من رسم أي استنتاجٍ تاريخيٍ مُلائمٍ دون الوصول إلى الأرشيفات نفسها. وحين رفض الفاتيكان طلبهم، قرر الأعضاء تعليق عملهم في قرارٍ أثار قدرًا كبيرًا من الحرج والجدل.

وفي الوقت ذاته، تواصلت الضغوطات لإعلان قداسة بيوس الثاني عشر بحسب التقرير. وفي عام 2009، أصدر البابابنديكتوس السادس عشر مرسومًا يُؤكِّد على المناقب البطولية لسلفه في زمن الحرب، في خطوةٍ جديدةٍ تُجاه تطويبه.

وما يزال بيوس الثاني عشر، البابا الأخير قُبيل المجمع الفاتيكاني الثاني، شخصيةً بطوليةً بالنسبة للمؤمنين داخل الكنيسة بأن المجمع الفاتيكاني الثاني التحرري قاد الكنيسة إلى الطريق الخطأ. إذ أنتج أنصاره سيلًا من الكتب التي استهزأت بمن شكَّكوا في قدسيته، وقدَّموا مزاعمًا أكثر غرابةً من أي وقتٍ مضى لتلميع صورته.

ويقولون إن البابا أنقذ مئات الآلاف من الأرواح اليهودية، بغض النظر عن رفضه مطالب التحرُّك نيابةً عن يهود أوروبا. ويُؤكِّدون أنه أدَّى دورًا رئيسيًا في مُخطَّط اغتيال الفوهرر، بغض النظر عن كونه «بابا هتلر». لدرجة أن أنصار بيوس الثاني عشر طالبوا أن يُكرِّم ياد فاشيم، متحف ومركز أبحاث الهولوكوست الإسرائيلي، البابا بوصفه واحدًا من «الصالحون بين الأمم».

شكوكٌ وتكهُّنات

وذكر التقرير أن التغطية الإعلامية لافتتاح أرشيفات بيوس الثاني عشر ركَّزت بشكلٍ حصريٍ تقريبًا على الحديث عن الأمور التي سنعرفها بشأن الدور الذي أدَّاه البوب والفاتيكان إبان الحرب. لكن أهم تلك الوثائق تاريخيًا – والتي ستُتاح للعامة قريبًا – لن تكون لها علاقة بسنوات الحرب، بل بالحقبة التي أعقبت الحرب مباشرةً. وفي ظل تحطُّم الكثير من أجزاء أوروبا، سيطرت المخاوف من الشيوعية على الفاتيكان.

ويرى كيرتزر أن ذلك اتضَّح بجلاءٍ في إيطاليا، حيث سادت أسبابٌ منطقيةٌ للاعتقاد بأن الشيوعيين سيصلون إلى السلطة في أعقاب سقوط موسوليني. وأدَّي بيوس الثاني عشر دورًا كبيرًا من خلف الكواليس في تلك السنوات المصيرية لتأليب الإيطاليين ضد الشيوعيين. وفي ظل فتح الأرشيفات الآن، يُرجِّح المؤرخ الأمريكي أننا سنعلم تحديدًا كيف فعل ذلك وحافظ على موقفه البعيد عن السياسة أمام الرأي العام.

وأعطى انتخاب البابا فرانسيس عام 2013 أملًا جديدًا للمتحمسين لفتح أرشيفات بيوس الثاني عشر، من وجهة نظر كيرتزر. إذ فكَّر الباحثون الباباويون مليًا في الشائعات المنتشرة مؤخرًا حول التقرير الذي أصدره الحاخام أبراهام سكوركا، صديق فرانسيس الأرجنتيني، أوائل عام 2014 بشأن رغبة البابا في فتح الأرشيفات قريبًا.

وتساءلوا حول أسباب قرار إغلاق أرشيفات الفاتيكان عام 2015 لمدة ثلاثة أشهرٍ من أجل العطلة الصيفية بدلًا عن الشهرين المعتادين، وما إذا كان السبب الحقيقي وراء القرار هو تسريع عملية فحص ملايين الوثائق المُتعلِّقة ببيوس الثاني عشر. وتسبَّبت تلك التقارير وغيرها في ظهور الكثير من التكهُّنات بين المُؤرخين المُرابطين على أسوار روما.

لكن المُؤرخين ساورتهم شكوكهم الخاصة في خضم كل بوادر الأمل، إذ تساءلوا: ألم يكتفي فرانسيس بالحروب التي خاضها ضد المُحافظين داخل الكنيسة، حتى يدخل حربًا تُثير المشاعر المتضاربة حول بيوس الثاني عشر؟

لكن كيرتزر يرى أن فرانسيس وضع أخيرًا حدًا لنصف قرنٍ من التكهُّنات بإعلانه الصادر في الثاني من مارس. وستُفتح الأرشيفات قريبًا. وستمضي سنواتٌ عديدةٌ قبل أن نُدرِك حجم الاكتشافات التي ستنجم عن تلك الوثائق التي ستصدر للمرة الأولى، بحسب المؤرخ الأمريكي، نظرًا لضخامة حجمها. وفي الوقت ذاته، ستزداد سخونة ما يُوصف بـ«حرب بيوس» – وسؤال: هل بيوس الثاني عشر قديسٌ أم آثم؟ – على الأرجح نتيجة التقارير المتفرقة التي ستنتج عن صندوق كنوز أرشيفات الفاتيكان الذي ستُفتح قريبًا.

اجمالي القراءات 206
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق