مصر.. بيع التاريخ

اضيف الخبر في يوم الأربعاء 06 مارس 2019. نقلا عن: الجزيرة


مصر.. بيع التاريخ

كل يوم يجري الحفر تحتنا، البيوت ستقع علينا، ونحن جالسون. أين نذهب؟ كل الناس تحفر، يأتي الساحر ويقول لهم: تحت هذا البيت آثار، فيسارع الناس إلى الحفر، أنت ترين البيوت كيف أصبحت تتجه نحو السقوط، ولا أحد سينجدنا حين تقع.. ما العمل؟"
 

بهذا عبرت إحدى ضحايا التنقيب عن الآثار المصرية في منطقة فوه عن مأساة تكتنف حياة المواطنين في أكثر من بلدة وقرية على امتداد خريطة مصر، حيث كنوز الآثار المدفونة تحت الأرض دون حماية من الدولة، وحيث آمال السماسرة وبعض المسؤولين والمواطنين عُلقت بثراء قد يغير حياتهم.

تنقيب خارج القانون
استطاعت كاميرا الجزيرة التسلل إلى نقاط تنقيب عن الآثار لا يخضع أصحابها لأي قانون. ففي مناطق: فوة والطايفة والمحلة والتل الأحمر، يحفر الأهالي تحت بيوتهم طمعا في الحصول على قطعة أثرية تزيل الفقر عن كواهلهم.

تقود عمليات الحفر تحت البيوت إلى اكتشاف قطع أثرية قد تحل مشكلة الفقر بالنسبة للمواطن الذي يجازف بإمكانية انهيار بيته. يشرح الوسيط الذي استطاعت الجزيرة التحدث إليه رغم المخاوف من المطاردات: "لو ربنا أكرمنا ولقينا، تكون قد أمنت الفقر أنت وأولادك وأحفادك، ولكن لو لم تلاق شيئا فستكون خسارة مضاعفة؛ بعض الناس تفقد عيونها، وبعضها يسقط عليه المكان، وفي كل الأحوال فإن المنازل تخرب".

لكن ثمة من لا يعنيهم الخراب، إنهم عرّافون يستعين بهم المنقبون والسماسرة، مهمتهم إقناع الأهالي بأن قوة خارقة أخبرتهم بوجود شيء ما تحت البناء. يوضح أحد هؤلاء في حديثه للجزيرة: "أنا لما أكون معدي من جنب البيت بعرف إن البيت ده أو المنطقة دي فيها آثار. دي هبة من عند ربنا أني بعرف وهما بيجيبوني عشان أتفاوض مع الناس أصحاب البيت، وأقولهم إن تحت البيت فيه آثار وهم يوافقوا وإلا ما يوافقوا، هم أحرار، وننزل نحفر زي ما نحفر، ممكن نحفر حاجة بسيطة وممكن نحفر حاجات كتير".

وضعت القيود القانونية على استخراج الآثار من الأرض المصرية عام 1912 بموجب القانون رقم 14، وهو قانون منع استخراج الآثار. تلاه قانون 215 لعام 1951 الذي سمح بالحفر واستخراج الآثار، وإنشاء مؤسسات لحماية ما يخرج من الأرض، وكان من بين بنوده الأساسية تقاسم ما يتم استخراجه بين الدولة المصرية وبعثات الاستخراج الأجنبية.

وتعطي القوانين المصرية الدولة وحدها حق استخراج الآثار وصيانتها.

تاريخ مستباح
بداية العام الحالي، أعلن المتحف الوطني الأسكتلندي عن عرض مجموعة أثرية مصرية من ضمنها حجر كان يكسو الهرم الأكبر، فسارعت السلطات المصرية إلى المطالبة باسترداد المجموعة دون أن تقدم مستندات تثبت ملكية القطع الأثرية. رفض المتحف رغم أنه لم يقدم بدوره أية أدلة على امتلاكه القطع الأثرية التي لا خلاف في كونها جاءت في وقت ما من الأراضي المصرية.

وتزامن تعيين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رئيسا لمجلس أمناء المتحف المصري، مع تزايد في عمليات تهريب الآثار المصرية.

في مارس/آذار 2018، أوقفت السلطات الكويتية غطاء تابوت فرعون مهرب، وقبل خمس سنوات -أي في عام 2014- كانت أغلى قطعة باعتها دار المزاد البريطانية "كريستيز" هي تمثال "سخيمكا"، بما يزيد على 53 مليون دولار، وطالبت حينها السلطات المصرية باسترجاعه دون أن تقدم ما يثبت أن مليكته تعود لإدارة المتاحف المصرية.

وفي عام 2006 خاضت مصر نزاعا قانونيا خاسرا مع متحف سانت لويس الأميركي، لاستعادة قناع "كانفر" الذي عرضه المتحف للبيع.

كانت هذه مجرد أمثلة لها، فقد خسرت مصر قضايا كثيرة بسبب انعدام ما يثبت ملكية الآثار التي خاضت نزاعات لاستردادها، إذ ليست كل الآثار التي خرجت من الأرض المصرية مسجلة باسم هيئة الآثار المصرية.

وتدعي الجهات التي تمتلك قطعا أثرية تعود لمصر أن تلك القطع وصلت إلى ملكها قبل عام 1983، وهو التاريخ الذي ألغي فيه السماح بامتلاك وبيع آثار مصرية، وقبل توقيع اتفاقية اليونسكو عام 1970 التي تحظر امتلاك الآثار بطرق غير قانونية.

أثناء إعداد هذا التحقيق، استلمت السلطات المصرية سفينة محملة بالآثار أوقفتها السلطات الإيطالية في ميناء ساليرنو، في قضية لم تُكشَف كل ملابساتها بعد.

كشف قائد وحدة حماية التراث الثقافي الإيطالي -في اتصال مع الجزيرة- جزءا من حمولة السفينة، رافضا الخوض في ملابسات العملية: "إنه تحقيق نتج عن إجراءات يومية لشرطتنا لفحص البضائع التي تصل إلى إيطاليا، وقد صادرنا 23 ألف قطعة نقدية ذات قيمة تاريخية وثقافية كبيرة، وحوالي مئتي قطعة أثرية أخرى ذات أهمية تاريخية كبيرة جدا، كلها مستوردة من مصر. وتمت إعادة كل هذه القطع الأثرية الرائعة إلى الحكومة المصرية".

تستغرق إجراءات استعادة الآثار والتحقيق في مصدرها عادة عدة سنوات من البحث والتدقيق، لكن السفينة التي استعادتها وزارة الآثار المصرية بأمر من النائب العام المصري، خرجت عن هذه القاعدة، وكانت في أيدي السلطات المصرية في غضون أسابيع من إيقافها من طرف سلطات نابولي.

وهو ما يجعل الخبير الآثري والأكاديمي المصري الدكتور حسين دقيل يعتقد أن قرار النائب العام لم يكن في مساره الطبيعي: "كان لا بد لوزارة الآثار أن تقوم بهذا الشيء سواء كان قرارا من النائب العام أم لا. أما قرار النائب العام فقد كان لا بد أن يكون كالآتي: أن يتم التحقيق في هذا الأمر، مثل كيفية وصول هذه القطع وخروجها ومن المسؤول عن إحضارها والمسؤول عن إخراجها، هذا هو قرار النائب العام ولكن هذا لم يتم التحدث عنه إطلاقا".

ويرى دقيل أن حادثة السفينة تعني أن مصر لم تعد مصدرا فقط للآثار المهربة، وإنما صارت معبرا للآثار المهربة من أنحاء العالم، وقاعدة عمل لمافيا الآثار في المنطقة: "يعني أن نصل لمرحلة تكون فيها مصر تستقبل آثارا تسرق من أماكن أخرى ثم تكون سببا في نقلها إلى إيطاليا، هذا أمر لم يحدث من قبل".

متهمون أحرار
عام 2014 أحيل وزير الآثار المصري الأسبق زاهي حواس إلى النيابة العامة المصرية، فيما يعرف بقضية "خرطوش الملك خوفو"، وقد نفى حواس أي علاقة له بالقضية واتهم مواطنين ألمانا بسرقة قطعة الخرطوش المفقودة.

 

جانب من كتابات الزوار التذكارية باللون الأسود بالقرب من ختم خرطوش الملك خوفو باللون الأحمر (الجزيرة)

بعد الثورة المصرية عين المجلس العسكري زاهي حواس وزيرا للآثار، فتظاهر المصريون رفضا لقرار التعيين، فاستقال حواس بعد قليل من تعيينه، لكن المجلس العسكري أعاد تعيينه في المنصب بعد شهر من استقالته، رغم احتجاجات من كبار الآثريين المصريين.

كان حواس موضوعا لتحقيق أجراه الكونغرس الأميركي مع قناة ناشيونال جيوغرافيك، لاتهامها بتقديم رشى إلى حواس لتسهيل تصوير مخالف للقانون داخل الأهرامات أيام كان مسؤولا حكوميا في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك.

لم تنفِ المسؤولة المالية في القناة تقديم أموال إلى حواس، لكنها رفضت -في اتصال مع الجزيرة- الإفصاح عن حجمها أو طبيعتها.

رخَّص حواس أيام مسؤوليته عن الآثار المصرية حفلات داخل الهرم، فقد حصلت الجزيرة على مقاطع فيديو تظهر سياحا من جنسيات غربية وهم يمارسون طقوسا غريبة داخل الهرم.
 

تصريح زيارة سياح ألمان للهرم الأكبر قبل مواعيد العمل الرسمية (الجزيرة)

تظهر المقاطع رجالا ونساءًا وهم يستلقون داخل تابوت الملك خوفو، في مخالفة لقوانين حفظ الآثار وصيانتها.كانت علاقة حواس بعائلة مبارك من أسباب اعتراض الآثريين المصريين على تعيينه وزيرا للآثار؛ إذ تشير كثير من الشهادات إلى ضلوع ابنيْ مبارك علاء وجمال في عمليات سرقة وتهريب الآثار المصرية، كما يشرح تاجر الآثار الإسرائيلي ليني وولف في لقاء مع الجزيرة: "وفق ما أسمعه فإن أكبر تاجرين للآثار المصرية كانا نجلي مبارك، اذهب وأجر مقابلات معهما، لست متأكدا أنهما سيتحدثان معك بهذا الشأن".

ويشرح أحد الوسطاء الذين التقتهم الجزيرة "أولاد مبارك كانوا يقطعون الكهرباء عن منطقة كاملة، من أجل إخراج بعض الآثار، وكانت تخرج بعلم كل المسؤولين المحليين. أولاد مبارك أساتذة في تجارة الآثار".

ويضيف الوسيط "كان ضباط بوزارة الداخلية، كان هناك لواء مشهور، أظنه ما زال حيا، كان مسؤولا عن الجيزة، وكان يهرب من كل مناطق مصر تقريبا ... العمولات تصل إلى الملايين..".

وكما يقول الأكاديمي حسين دقيل، فإن "الآثار لا يتم إخراجها خارج مصر عن طريق شخص عادي إطلاقا، الشخص العادي يستطيع أن يحفر خلسه في بيته، يستطيع أن يحصل على قطعة خلسة ثم يبيعها، لكنه لا يستطيع عرضها أو إخراجها خارج مصر إطلاقا".

قبل الثورة وبعدها
لم تغير ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 شيئا بشأن سرقة الآثار المصرية وتجارتها، باستثناء طابع الفوضى الذي عرفته عمليات نهب الثروة الأثرية المصرية، وذلك بحسب رد سمسار آثار على سؤال الجزيرة بشأن وضع تجارة الآثار قبل الثورة وبعدها: "تجارة الآثار قبل الثورة أحسن، كان في شيء من الاستقرار وكان في علاقات وصاحب السلطة كان هو التوب (الأفضل)، أما بعد الثورة فكل الناس الذين كانوا يعملون في هذا المجال تركوا البلد"، ويضيف "أيام الثورة كانوا يسرقونها في وضح النهار، ولا أحد يتدخل بحجة الانفلات الأمني".

مع الانفلات الأمني الذي صاحب الثورة توسعت عمليات سرقة الآثار المصرية، وتدافعت الجهات الحكومية المسؤولية عن حماية الثروة المصرية المدفونة تحت الأرض.

ويشكك الأكاديمي المصري حسين دقيل في كون الأمر مجرد فوضى ناتجة عن الانفلات الأمني الذي صاحب أحداث الثورة، ويرى أن الأمر يتعدى ذلك إلى عملية نهب منظمة اتخذت من الفلتان الأمني المصاحب للثورة غطاء لها: "هناك الكثير من العاملين في وزارة الآثار رأوا أن هذا الأمر مصطنع، بمعنى أنه في يوم وليلة أصبح العاملون في شرطة الآثار ضعافا، ويردون على رسائل وإشارات الآثريين بأنهم لا يستطيعون أن يتحركوا بسبب الدواعي الأمنية. إذا عدنا إلى محاضر وزارة الآثار التي تم تحريرها في هذا الوقت، فسنجد أن معظمها يعود (من مراكز شرطة الآثار) وعليه هذه العبارة".

غياب الضابط
تكشف المراسلات التي حصلت عليها الجزيرة أن المسؤولية عن التدمير الذي يطال الثروة الأثرية المصرية ما زالت موزعة بين أجهزة الدولة المعنية نظريا بحماية الآثار، وبالأمن العام للمصريين. ففي مراسلة حصلت عليها الجزيرة تعود إلى عام 2015، يرفض رئيس وحدة شرطة آثار التدخل لإزالة بعض التعديات على منطقة أثرية.

هذه رسالة مدير منطقة أثرية طالبت بتدخل شرطة حماية الآثار: "نرجو من سيادتكم التكرم باستعجالِ تنفيذ قرارات الإزالة الصادرة للمتعدين على المناطقِ الأثرية الصادر لها القرار الوزاري رقم 178، لما تمثله هذه التعديات من هدم وتدمير وإتلاف للمقابر والدفنات الأثرية والتل الأثري".

لكن مدير مركز شرطة السياحة والآثار يرد بأن إزالة التعديات من سلطة مديرية أمن المنطقة، وهذه الأخيرة تنسل من القضية برمتها وترفض البت في الطلب.

وهذا مما يعده دقيل دليلا على ضلوع مسؤولين كبار في تجارة الآثار غير المشروعة، ويستشهد بأنه في سنوات "2012 و2013 و2015 و2016 و2018 ظهرت عدد من القضايا الشهيرة جدا في سرقة الآثار، وللأسف في معظم هذه السرقات لم نصل للفاعل الحقيقي".

ويضيف: "حادثه التابوت، اكتشف غطاء التابوت في الكويت ولم يكتشف في مصر، وقد خرج بطريقة غريبة، ولم يتهم بذلك إلا سيدة وتم الإفراج عنها بسبب صحتها، وأمين شرطة تم الإفراج عنه بعد ستة شهور، وأين القضية فعليا؟ ومن الذي حكم عليه فيها؟".

نهب المليارات
يعتقد قائد وحدة حماية التراث الثقافي الإيطالي أنه ربما يكون من غير الممكن "إجراء تقدير دقيق من الناحية الاقتصادية لحجم عالم الأعمال الذي يدور حول الفن غير المشروع، ولكن ما يمكننا قوله هو أنه بعد تجارة الأسلحة والمخدرات غير المشروعة، نعتقد أن هذا الاتجار هو الأكثر انتشارا من الناحية الاقتصادية".

وتعتبر مصر في قلب الخسائر التي تسببها هذه التجارة، بحكم حجم ثروتها التي تعد من بين أكبر الثروات الأثرية في العالم.

في خضم هذا التدافع بين أجهزة الدولة المعنية، وفي ظل المؤشرات على وجود "ضالعين كبار" في عمليات النهب المنظم للثروة المصرية، لا يعرف على وجه الدقة كم تخسر مصر سنويا من ثروتها القومية.

وتشير تقديرات إلى أن المسروق المعروف من الآثار المصرية يقدر بعدة مليارات من الدولارات، فهناك أكثر من 32 ألفا و600 قطعة أثرية فقدتها مصر خلال نصف قرن، وتقدر نسبة مفقودات الآثار منذ عام 2011 بأكثر من 32%.
 

لكن هذه النسب والأرقام تعود إلى ما هو مسجل في المتاحف المصرية، أو لدى مخازن وزارة الآثار المصرية، لكن الآثار التي تنهب بعيدا عن أعين الرقابة وقبل تسجيلها وضمها إلى الآثار المصرية المعروفة، تمثل أرقاما ربما تضاعف حجم المنهوبات.

إلى أين تهرّب الآثار؟
على مدى عقود تناثرت الآثار المصرية في متاحف أوروبا والولايات المتحدة وغيرها من دول العالم، وعرفت الكثير من القطع الأثرية المصرية طريقها إلى منازل أثرياء أوروبا وأميركا والخليج.

وفي السنوات الأخيرة، يشير سماسرة الآثار إلى أن أغلب المشترين يأتون من دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، ويضيف الوسيط الذي تحدثت إليه الجزيرة "لا ندري بعد ذلك أين يذهبون بها؟".

يعتقد تاجر الآثار الإسرائيلي ليني وولف أن دبي "محطة لنقل الآثار، لكن اليوم هنالك إعادة تنظيم من جديد وأعتقد أن الأمر توقف"، وعندما سألته الجزيرة: هل لأن هنالك تشديدا في الإمارات؟ يجيب وولف: "انظر، مجرد أن الدول شددت وأن نقل الآثار قد انخفض ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أن هذه الآثار لم تكن قانونية".

اجمالي القراءات 342
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق