مترجم: بينهم بيل جيتس و«رجال دافوس».. لماذا يريد الأثرياء إقناعك بانخفاض الفقر؟

اضيف الخبر في يوم الخميس 31 يناير 2019. نقلا عن: ساسه


مترجم: بينهم بيل جيتس و«رجال دافوس».. لماذا يريد الأثرياء إقناعك بانخفاض الفقر؟

منذ نصف قرن تقريبًا يجتمع كبار رجال الأعمال والمسؤولين سنويًا ضمن منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا، ليناقشوا حال العالم وأهم قضاياه الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وخلاف ذلك.. لكنهم يحاولون في هذا العام تمرير فكرة انخفاض الفقر وتحسّن المؤشر العالمي في هذا المجال وفقًا للكاتب جيسون هيكل، وهو أكاديمي في جامعة لندن وزميل في الجمعية الملكية للفنون وباحث أنثربولوجيّ مهتمّ بمجال اللامساواة العالمية والاقتصاد الاجتماعي.

يفنّد هيكل هذه المزاعم كلها في مقاله الأخير المنشور على صحيفة «الجارديان»، موضحًا سبب استشراء الفقر في زمننا الحاضر رغم أن عالمنا أصبح أكثر ثراءً من أيّ وقتٍ مضى.

هل أصبح العالم أفضل؟

مع وصول نخبة القادة ورجال الأعمال في العالم إلى دافوس الأسبوع الماضي للمشاركة في المنتدى الاقتصادي العالمي، نشر بيل جيتس رسمًا بيانيًا (إنفوجرافيك) في حسابه على تويتر الذي يتابعه أكثر من 47 مليونًا. يبدو في هذا الإنفوجرافيك أن العالم أصبح أفضل بكثير عن ذي قبل، وقد أرفقه جيتس بقولِه: «هذا واحد من الرسوم البيانية المفضلة لديّ. يستهين الكثير من الناس بمقدار تحسّن الحياة خلال القرنين الماضيين».

يقول بيل جيتس وستيفن بينكر وغيرهما أن القوى التي تمنح الأغنياء ثرواتهم الهائلة هي نفسها ما يقضي على الفقر، لكن هل معدلات الفقر أفضل الآن فعلا؟

يعود هذا الإنفوجرافيك في الحقيقة إلى مجموعة من ستة رسومٍ بيانية وضعها ماكس روسير مع منصة «Our World in Data». أثار هذا الإنفوجرافيك القدر الأكبر من الاهتمام من بين أقرانه، إذ يُبيّن أن نسبة الأشخاص الفقراء قد انخفضت من 94% عام 1820 إلى 10% فقط اليوم. يبدو هذا الادّعاء بسيطًا وجذابًا. لم يتشبّث بيل جيتس به وحسب، بل استحضِرت هذه الأرقام مرارًا في العام الماضي من قبل كثيرين بما في ذلك ستيفن بينكر ونيكولاس كريستوف، فضلًا عن البقية الآخرين من دافوس ممن يحاولون المحاججة بروعة وملاءمة الانتشار العالمي لرأسمالية السوق الحرة للجميع.

في الواقع، ذهب بينكر وجيتس إلى أبعد من ذلك حين قالوا بوجوب منع أنفسنا من التشكّي من تزايد التفاوت واللامساواة في العالم لأن القوى ذاتها التي تمنح الأغنياء تلك الثروات الهائلة هي نفسها ما يقضي على الفقر أمام ناظرينا.

تبدو مزاعم قوية، أليس كذلك؟ يجيب الكاتب: نعم، لكنها خاطئة كليًا!

 

لماذا هو إنفوجرافيك خاطئ؟

ينوّه الكاتب إلى وجود العديد من المشاكل في محتوى ذلك الإنفوجرافيك. أولًا، بدأ جمع البيانات الحقيقية عن الفقر منذ عام 1918 فقط وأيّ شيء قبل ذلك يُعد مشبوهًا وناقصًا، وبالتالي تعيين بيانات الإنفوجرافيك حتى 1820 هو أمرٌ لا معنى له. يعتمد روسر على مجموعة بيانات لم تكن تهدف أبدًا إلى وصف الفقر، بل عدم المساواة والتفاوت في توزيع الناتج المحلي الإجمالي العالمي وفقط لمجموعة محدودة من البلدان. لا توجد بحوث فعلية لتدعيم الادعاءات المتعلقة بالفقر على المدى الطويل.

إن ما تكشف عنه أرقام روسر في واقع الأمر انتقال العالم من وضعٍ لم تكن فيه معظم البشرية بحاجة إلى المال على الإطلاق، إلى وضعٍ تُكافح فيه معظم البشرية اليوم للبقاء على قيد الحياة فقط بمبالغ مالية ضئيلة للغاية. يُصنف الإنفوجرافيك هذا باعتباره انخفاضًا في مستوى الفقر، لكن الكاتب يُرجعها إلى عملية سلب الملكية التي جرفت الناس إلى نظام العمل الرأسمالي، خلال حركات التسييج في أوروبا (أو التطويق وهو مصطلح يشير إلى عملية تسييج الأراضي بقصد تملكها، وبالتالي إنهاء الحقوق التقليدية والاستغلال المشترك للأراضي) واستعمار الجنوب العالمي.

قبل الاستعمار، كان معظم الناس يعيشون في اقتصادات الكفاف حيث يتمتع المرء بسماحيّة الوصول إلى المشاعات الوفيرة، بما في ذلك الأراضي والمياه والغابات والثروات الحيوانية ونظم المشاركة والتبادلية المتينة والفعّالة. كان لديهم القليل من المال بالفعل، لكنهم لم يكونوا بحاجة إلى الكثير منه ليعيشوا بشكلٍ جيد، وبالتالي ليس منطقيًا تصنيفهم تحت بند الفقراء. دمّر المُستعمِرون أساليب العيش هذه بطرقٍ عنيفة وأجبروا الناس على ترك الأراضي ليتحولوا عمّالًا بخدمةِ ممتلكات الأوروبيين من مناجم ومصانع ومزارع، مقابل أجور تافهة تُمنح لهم لعملٍ لم يريدوه أساسًا.

قبل الاستعمار، كانت الأغلبية تعيش اقتصاد الكفاف حيث يتمتع المرء بمشاعيّة الموارد ونظم التكافل الاجتماعي. كان لديهم القليل من المال، لكنهم لم يكونوا بحاجة للكثير.

بعبارةٍ أخرى، يصوّر إنفوجرافيك روسر في الحقيقة قصة صيرورة البروليتاريا القسرية. ليس هذا تحسنًا في حياة الناس على الإطلاق، لأن الدخل الجديد والأجور التي يحصلون عليها مقابل أعمالهم لا يمكن مقارنتها أبدًا بما فقدوه من أراضٍ وموارد، ولا يمكن أن تعوّض عما استحوذ عليه المستعمرون. يضيف الكاتب هنا أن إنفوجرافيك بيل جيتس المفضّل يأخذ قصة عنف الاستعمار ويعيد تغليفها كأنما هي قصة سعيدة عن التقدّم.

سلبَ النظام الرأسمالي العالمي والاستعمار الناس أراضيهم ومواردهم، وأعطاهم بالمقابل أجورًا زهيدة لا تعوّضهم عن شيء

مقاييس مُضللة

لا تقتصر أخطاء الإنفوجرافيك على ما أورده الكاتب أعلاه، إذ يعتمد اتجاه الرسم البياني على خط فقرٍ قدره 1.90 دولار في اليوم، وهو ما يعادل ما يمكن أن يشتريه 1.90 دولار أمريكي في الولايات المتحدة عام 2011. وهو تقدير منخفض إلى حدٍ غير معقول بأيّ معيار، ولدينا الآن أكوامٌ من الأدلة على أن الناس الذين يعيشون فوق هذا الخط لديهم مستويات مروّعة على صعيد سوء التغذية والوفيات. لا يرفعك ربح دولارين في اليوم فجأة إلى إنسانٍ بعيدٍ عن الفقر المدقع، ولا حتى بدرجةٍ مقبولة.

يذكّر الكاتب بالدعوات التي أطلقها العلماء والأكاديميون لسنوات لوضعِ خط فقرٍ أكثر معقولية. تتفق الأغلبية على احتياج معظم الناس إلى ما لا يقل عن 7.40 دولار في اليوم الواحد لتحقيق التغذية الأساسية ومتوسط العمر الطبيعي للإنسان، بالإضافة إلى فرصة بالكاد مقبولة لرؤية أطفالهم ينجون حتى عمر الخامسة. ويصرّ العديد من الباحثين، بمن في ذلك خبير الاقتصاد بجامعة هارفارد لانت بريتشيت، على ضرورة رفع خط الفقر أعلى من ذلك حتى-من 10 إلى 15 دولارًا في اليوم.

يسأل الكاتب هنا: ماذا لو قمنا بقياس الفقر العالمي بمستوياته الدنيا بهذا المنظور الأكثر واقعيّة؟ سيزداد عدد الأشخاص تحت خط الفقر كثيرًا منذ أن بدأت القياسات في عام 1981، وستصل وفقًا للكاتب إلى 4.2 مليار شخص اليوم، لتتلاشى معها رواية دافوس الحالمة.

يدعو الأكاديميون إلى تغيير خط الفقر من رقم 1.90 دولار أمريكي إلى 7.40، أو أكثر حتى.. ليتطابق بعض الشيء مع واقع حال الفقراء والاقتصاد الحالي.

علاوةً على ذلك، حدثت جميع المكاسب القليلة المتحققة في مكانٍ واحد: الصين. وبالتالي ليس دقيقًا إحالة أمثال جيتس وبينكر هذه المكاسب لانتصارات النيوليبرالية الجديدة في واشنطن. احذف الصين من البيانات السابقة، وستصبح الأرقام أسوأ. على مدى العقود الأربعة منذ عام 1981، لم يرتفع عدد الفقراء وحسب، بل ظلّت نسبة الأشخاص الفقراء لم تراوح مكانها عند حوالي الـ60%. لا يمكن المغالاة بالمعاناة التي تعنيها هذه الأرقام على أرض الواقع.

هذه إدانةٌ صارخة لنظامنا الاقتصادي العالمي، الذي خيّب السواد الأعظم من البشر. عالمنا أكثر ثراءً من أيّ وقت مضى، لكن تستحوذ نخبة صغيرة على أغلبيته العظمى. لا يصل أكثر من 5% من إجمالي الدخل الجديد من النمو العالمي إلى النسبة 60% الأفقر من الناس-مع ذلك هم نفسهم من ينتجون معظم الغذاء والسلع التي يحتاجها ويستهلكها العالم، وهم نفسهم من يكدحون في المصانع والمزارع والمناجم البعيدة حيث حُكِمَ عليهم بالعمل منذ 200 سنة.

يختتم الكاتب مقاله بقولِه: هذا جنون، ولا يوجد قدرٌ من الخطاب المتعالي وفرض الآراء المقدّم من أصحاب المليارات كاف لتبريره.

اجمالي القراءات 307
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق