وفاة شاهرودي.. إيران خسرت خليفة لخامنئي واستقرارها بعده صعب

اضيف الخبر في يوم السبت 12 يناير 2019. نقلا عن: الخليج الجديد


وفاة شاهرودي.. إيران خسرت خليفة لخامنئي واستقرارها بعده صعب

موته لا يعيد تشكيل خلافة السلطة فحسب، بل قد يستقطب السياسة حولها بشكل كبير، ويخلق المزيد من عدم الاستقرار لإيران".. هكذا علقت مجلة "فورين بوليسي" على تداعيات وفاة رئيس "مجمع تشخيص مصلحة النظام" الإيراني، "محمود هاشمي شاهرودي"، معتبرة أن تلك التداعيات لن تكون سهلة على النظام في طهران.

فـ"شاهرودي" (70 عاما) كان أحد أبرز المرشحين المحتملين لخلافة المرشد الأعلى "علي خامنئي"، رغم عدم شهرته خارج إيران، مقارنة بأقرانه من رجال الدين المثيرين للجدل.

ولد الراحل عام 1948 في مدينة النجف العراقية لأبوين إيرانيين، ودرس في المدرسة الدينية الرائدة في مسقط رأسه، متشربا العقيدة الروحية لحزب الدعوة، ورجل الدين الشيعي "محمد باقر الصدر"، كما تأثر بدرجة أقل بـ"الخميني"، الذي أصبح المرشد الأعلى الإيراني فيما بعد.

 وفي عام 1974، قام نظام البعث العراقي بسجنه وتعذيبه ضمن حملة قمع واسعة النطاق ضد رجال الدين الشيعة.

 وبعد أن حارب "صدام حسين" إيران، ترأس "شاهرودي" المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي تم إنشاؤه حديثا آنذاك، لكنه قرر أن يتابع مصيره السياسي في إيران، وأن يتخلص من غطائه العراقي بعد صعود "خامنئي" كمرشد أعلى عام 1989.

وكشخصية بارزة في الوسط الديني بمدينة قم، حصل "شاهرودي" على أوراق اعتماده من رجال الدين (المعصومين) حسب المعتقد الشيعي؛ ما أدى إلى تسهيل دخوله إلى المؤسسة السياسية الإيرانية.

وبخلاف الفترة من 1999 إلى 2009، التي ترأس فيها السلطة القضائية، عمل "شاهرودي" منذ عام 1995 حتى وفاته عضوا في مجلس صيانة الدستور، وهو الهيئة المحافظة القوية التي تضمن "الاتساق الإسلامي" لمرشحي البرلمان وتشريعاتهم على حد سواء.

كما كان "شاهرودي" عضوا في مجلس خبراء القيادة الإيرانية، المكون من كبار رجال الدين، ومكلف باختيار خليفة المرشد الأعلى، إضافة إلى عضويته بمجمع تشخيص مصلحة النظام، الذي تم إنشاؤه في نهاية الحرب الإيرانية العراقية للفصل في النزاعات بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور.

وبعد وفاة الرئيس السابق لمجلس صيانة الدستور "أكبر هاشمي رفسنجاني"، ذو النفوذ الكبير، قام المرشد الإيراني الأعلى "خامنئي" بتعيين "شاهرودي" كبديل له، ولذا كان من الواضح أن الأخير هو الشخصية التي يمكن أن يعتمد عليها المرشد الأعلى باعتباره "منفذا مخلصا في أهم مؤسسات الجمهورية الإسلامية".

وجه قمعي

لكن معظم الإيرانيين يتذكرون "شاهرودي" كرئيس للسلطة القضائية سيئة السمعة بين عامي 1999 و2009، وهي الفترة التي ترأس فيها عملية مطاردة ضد البرلمانيين الإصلاحيين والصحف والطلاب والمثقفين ونشطاء حقوق الإنسان، إضافة إلى ملاحقته، في نهاية فترة منصبه، لنشطاء "الحركة الخضراء" المؤيدة للإصلاحيين الذين احتجوا على تزوير الانتخابات لصالح تنصيب الرئيس "محمود أحمدي نجاد" لولاية ثانية.

وبصفته رئيسا للسلطة القضائية، يقال إن "شاهرودي" أشرف بشكل مباشر أو غير مباشر على حوالي 2000 عملية إعدام، شملت بعض القاصرين، كما اختار المدعي العام في طهران "سعيد مرتضوي" المتهم باغتصاب وقتل المصورة الصحفية الإيرانية  الكندية "زهرا كاظمي".

ولذا اندلعت الاحتجاجات ضد "شاهرودي"، خلال زيارته العلاجية إلى هانوفر بألمانيا، في يناير/كانون الثاني 2018، وقد تعاطت السلطات الألمانية مع التهم الموجهة إليه، لكنها صرفت النظر عنها في النهاية.

أيقونة إصلاحية

لكن -في المقابل- نسب إلى "شاهرودي" الفضل في قيادة بعض الإصلاحات بإيران، بما في ذلك إعادة الفصل بين القضاة ومدعي العموم، الذي ألغاه سلفه "محمد يزدي"، وتعليقه الرجم كعقوبة لإعدام (الزناة المتزوجين)، واقتراحه مشروع قانون يمنح مزيدا من الحماية القانونية للقاصرين.

وفي وقت قريب من وفاته، صوَّرته صحيفة "شهروند" وغيرها من الصحف ذات الميول الإصلاحية بإيران على أنه "أيقونة قاضي القضاة"، كما وصفته منافذ إعلامية حكومية رسمية بأنه "تقدمي"، بينها وكالة الأنباء "إرنا".

طالما ارتدى "شاهرودي" العمامة السوداء، التي تميزه كواحد من سلالة النبي "محمد" (حسب المعتقد الشيعي)، تماما كما فعل "الخميني" و"خامنئي"، لكن ذلك لم يكن مؤهله فقط ليكون مرشحا كمرشد أعلى، بل جاذبيته العابرة لفئات المؤسسة الإيرانية المختلفة، التي كانت تعد عنصرا حيويا لاستقرار مستقبل إيران السياسي.

فعلى خلاف "خامنئي" والعديد من المتشددين، حافظ "شاهرودي" على علاقات جيدة إلى حد معقول مع الفئات الإيرانية الأربعة: المحافظين والمحافظين الجدد والمحافظين المعتدلين والإصلاحيين، وانعكس ذلك في تعيينه عام 2011 على رأس هيئة مكونة من 5 رجال عرفت باسم الهيئة العليا لحل الخلاف وتنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث في إيران، التي تشكلت بأمر من "خامنئي" ردا على المشاحنات بين "نجاد" والبرلمان الغاضب آنذاك.

وبينما كان "شاهرودي" محافظا على علاقته بالمحافظين، كان منفتحا بما يكفي لكسب احترام خصومهم على مضض.

وضمن إخلاص "شاهرودي" لـ"خامنئي" ومكتب المرشد الأعلى (المعروف باسم ولاية الفقيه) استمرارية مؤسسة الحكم الإيرانية عبر علاقات متوازنة مع مراكز السلطة الأخرى، لا سيما الحرس الثوري.

نفوذ عراقي

كان "شاهرودي" أيضا رجل الدين الشيعي الوحيد، من خلفاء "خامنئي"، الذي تردد أنه يتطلع لقيادة الشيعة في العراق؛ ففي عام 2012 كشفت تقارير عن قيامه ببناء شبكة رعاية داخل النجف، مدعومة بفرض ضرائب دينية إضافة إلى أموال حكومية إيرانية.

ومع تكشف الأمر، سعى "شاهرودي" إلى تقويض (أو حتى استبدال) "علي السيستاني"، الذي يمثل السلطة الروحية العليا للشيعة الإثنى عشرية في العراق، وكان لدى طهران سبب وجيه لذلك؛ إذ عارض "السيستاني"، الإيراني المولد، نظام طهران بهدوء مستندا إلى كونه المرشد الأعلى للشيعة في بلاده.

وإذا كان "شاهرودي" يُنظر إليه باعتباره غريبا عن منشأه العراقي والفارسي، فلا هو إيراني تماما ولا عراقي بالكامل، إلا أن خلفيته على الأقل تحمل بعض الإمكانية لجذب المجتمعات الشيعية الإثنا عشرية خارج حدود إيران، خاصة في العراق؛ إذ أن حكومات الأغلبية الشيعية في العراق انجذبت نحو إيران منذ الإطاحة بـ"صدام حسين" في عام 2003، لكنها لا تزال تحافظ على استقلالية سياسية في بعض الأحيان عن طهران.

ويعتمد استقرار إيران الداخلي واستمرارية نظامها (اللذين واجها تحديات متزايدة بسبب الاحتجاجات العفوية في جميع أنحاء البلاد، العام الماضي) على قبول الطبقة السياسية للمرشد الأعلى، القادر على التوصل لتوافق في الآراء وتحقيق التوازن بين المصالح المتنافسة، وكانت قدرة "شاهرودي" الفريدة على تجسير انقسامات المؤسسة السياسية والعسكرية الإيرانية أحد الأسباب التي دعت إلى طرح اسمه مرارا وتكرارا كخليفة لـ"خامنئي".

اجمالي القراءات 376
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق