من لينين إلى جلجاميش.. أسرار هوس أصحاب السلطة بالخلود بعد الموت

اضيف الخبر في يوم الأربعاء 08 اغسطس 2018. نقلا عن: ساسه


من لينين إلى جلجاميش.. أسرار هوس أصحاب السلطة بالخلود بعد الموت

في الحضارة المصرية القديمة، وحضارة المايا، وأكثر من حضارة أخرى، أدرك المُلوك في ذاك الوقت أن البقاء على قيد الحياة بأجسادهم للأبد غير متاح، ولذلك سعوا للخلود من خلال بناء الآثار التي خلدت بصمتهم حتى الآن. ولكن بعضهم الآخر سعى للخلود بجسده وروحه على الأرض؛ بغرض الاستمتاع بالسلطة للأبد، وهناك من قرّر شعبه تخليده في العصر الحديث، بعد أن رُسخ في أذهانهم الارتباط الشَرطيّ الوطيد بين السلطة والخلود.

جلجاميش.. أسطورة البحث عن الخلود

يسيطر الحزن على قلب جلجاميش؛ فقد مات صديقه الذي توطّدت علاقته به بعد العداوة والقتال، وكون إينكدو ليس بشريًّا بشكل تامّ، إلا أن هذا لم يمنع مد أصول الأخوة بينه وبين الملك السومري جلجاميش ولذلك كان لموت إينكدو أثر مروّع على نفس الملك، إذ كره بعدها الموت، وقرّر السعي للخلود حتى لا يمر بما مرّ به صديقه أمام عينه.

في القصيدة الملحمية التي كُتبت باللغة الأكادية في أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد؛ جسد السومريون في قصة أسطورية للملك الذي خاض الأهوال والصِعاب الشديدة لغرض واحد فقط: وهو الخلود، ولم يستطع الوصول إليه في النهاية رغم ما قاساه، وعلى الرغم من كون تلك القصة أسطورية؛ فهذا لم يمنع أن التاريخ لم يشهد مثلها على أرض الواقع، فهناك أكثر من ملك أو ملكة أو حاكم، أو حتى رئيس دولة، انتابهم هوس الخلود، ورفضوا فكرة الموت كلية.

«شي هوانج».. إمبراطور الصين الأول والذي أراد أن يكون الأخير

اسمه الحقيقي يينج تشنج وولد عام 259 قبل الميلاد، وأطلق عليه فيما بعد اسم شي هوانج، والذي يعني بالصينية «أول إمبراطور للصين»، وبمجرد تولّيه الحكم، أعلن أن سلالته ستمتد لـ10 آلاف جيل. وأغلب الظنّ أن هذه النبوءة قد أعجبته، وقرر أن يبحث عن الخلود حتى يراها تتحقق أمام عينيه.

شاهد فيلمًا تسجيليًّا عن حياة شي هوانج من هُنا:

السلطة المُطلقة، والأموال، والقوة، والهيبة، وسيطرة على بلد عملاق بمواطنيه؛ لم يكن كل ذلك كافيًا لشي هوانج، فقد أراد كل هذا للأبد، ولذلك أرسل بعثات مؤلفة من رجاله ورجال الكشافة للبحث في كل مكان أُشيع عنه امتلاكه لمادة أو عشب يمنح الخلود لمتعاطيه.

ولكن فرق البحث دائمًا ما كانوا يعودون خاليي الوفاض، ولذلك خلال فترة البحث لجأ الملك الصيني للطب القديم، ونفّذ نصيحة أحد الأطباء المهمّين في ذاك الوقت، والذي منحه الزئبق إكسيرًا للحياة، وقد تناوله شي رغبة في الخلود؛ الأمر الذي دمّر صحته وأدى إلى وفاته وعمره 49 عامًا، ليكون مثالًا آخر يؤكد أن رحلة البحث عن الخلود قد تصل بصاحبها للموت.

 

تمثال للإمبراطور الصيني– مصدر الصورة: history.com.

عثر الأثريون بالصين في العام 2002 على 36 ألف لوح خشبي منقوشًا عليه بالخط الصيني القديم. تلك الألواح كانت هي البديل القديم للأوراق الرسمية التي نتعامل بها الآن في أنحاء العالم، ومن خلال دراسة تلك الألواح، أكد تشاج لونج الباحث في معهد هونان للآثار، أنه وجد نصوصًا تتعلق بأوامر تنفيذية أصدرها شي هوانج، مطالبًا من خلالها رعاياه في الأقاليم المختلفة؛ بالبحث عن مواد تصلح إكسيرًا للحياة، وقد جاءت الردود -كما أطلق عليها «كونيتسة الدماء»، وأطلق عليها أيضًا «أشرس قاتلة متسلسلة في التاريخ»، وهذا لقناعتها بأن شرب دماء الفتيات والنساء الصغيرات من شأنه منح متعاطيها الخلود، ولذلك تغذّت إليزابيث -حرفيًّا- على دماء الخادمات الصغيرات اللاتي عملن لديها في القصر، وهذا بمساعدة ثلاثة من خدامها الرجال.

وشرب الدماء لم يكن الطقس الوحيد الذي مارسته بغرض الوصول إلى الخلود، ولكن الأمر كان أعقد من ذلك، فقد كانت تعذّبهن كطقس يسبق قتلهن وشرب دمائهن، فقضمت أيديهن وأثداءهن بأسنانها، وغرزت الإبر في شفاههن، وأحرقت جلودهن.

 

بعد أن انتهت كونتيسة الدماء من الخادمات وبنات الفلاحين، حوّلت أنشطتها السادية الساعية للخلود، إلى الفتيات النبيلات اللاتي ترسلهن عائلتهن لتعلم الـ«الإيتكيت» وسلوك النبلاء في قصرها، وربما ظنت إليزابيث أن دماء النبلاء تكون أكثر فعالية، فارتكبت الخطأ الذي أودى بحياتها، وشربت دماء فتيات الأسر النبيلة.

انقلب الوضع عليها وانكشف الأمر، واضطر القضاء لإعدام مساعديها من الرجال، ولكن لم يُسمح بإعدامها نظرًا لمكانتها النبيلة؛ فحُجزت بإحدى القلاع حتى توفيت، ويمكن أن نتخيلها وهي تتساءل لحظة الموت: لماذا لم تعمل كل تلك الدماء التي شربتها ولم تمنحها الخلود؟ لتدرك أن سعيها وراء الخلود لم يصل بها سوى إلى نهاية حياتها.

الأمر لم يتوقف عند السعي للبقاء على قيد الحياة للأبد، فالبعض أدركوا أن تلك الخدعة صعبة التنفيذ، وأن الموت قادم لا محالة، ولكن رغم ذلك فإن فكرة الخلود لم تترك وجدانهم، ومن هُنا جاءت فكرة التحنيط وحفظ الجثث لأطول فترة الممكنة، ونحن لا نتحدّث عن الحضارات القديمة فقط، بل في التاريخ الحديث أيضًا.

إذا أُزهقت روحي.. احتفظوا بجسدي

ارتبطت فكرة الخلود في أذهان البشر بالملوك والحُكام منذ أزمان بعيدة، وقد ظهر هذا واضحًا في تحنيط المصريين القدماء لملوكهم وبناء تماثيل ضخمة تخلّد ذكراهم. تلك الصورة الذهنية الخالدة عن الحاكم -وإن كان مستبدًّا- ما زالت راسخة في الوجدان، وهذا ما نجح الحُكام فيه مع الوقت؛ فلم يعودوا في حاجة للسعي للخلود، فالشعوب تقوم بتخليدهم بدلًا عنهم عن طريق التحنيط.

التحنيط هو عملية كيميائية تضمن للجسم ألا يتعفن لفترة طويلة، وكما أوضحت كارين كيني، الأمين العام الوطني للمعهد البريطاني لامبالاتيري، أن التحنيط المؤقت عادة ما يستخدمه منظّمو الجنازات حتى تبدو الجثة بشكل جيد أثناء عرضها في الجنازة، وهذا من خلال حقن شرايين الجثة بمادة الفورمالديهايد الكيميائية بعد تخفيفها بالمياه، ولكن ما استخدمه بعض الرؤساء مثل ستالين كان أكثر تعقيدًا من ذلك.

 

ما تراه في الصورة السابقة ليس تمثالًا من الشمع لفلاديمير لينين أول زعيم سوفيتي، بل هي جثته التي حُفظت لما يزيد على 92 عامًا، وهذا بجهود ومراقبة العلماء للجثة المُحنطة، والذين أكدوا أن تلك الجثة يمكنها الصمود عدة قرون قادمة، وهذا من خلال الصيانة الدورية التي تُجرى عليها، والتي تُكلف الحكومة الروسية ما يزيد على 13 مليون روبل روسي (200 ألف دولار) سنويًّا.

شاهد مقطع مصور لجثة لينين من هُنا:

صُدم شعب لينين من وفاته المُبكرة في عامه الثاني والخمسين، ولذلك بعد أن حُنط تحنيطًا مؤقتًا؛ اقترح بعض العلماء الروس العاملين في معمل لينين للتجارب العلمية تحنيط جثة لينين للأبد، وهذا عن طريق الحفاظ على الشكل الخارجي للجثة والهيكل العظمي والعضلات والجلد والأنسجة الأخرى، بينما أُزيلت باقي أعضائه الداخلية وأُخرج مخه للفحص بمعهد دراسات المخ بروسيا؛ للكشف عن «قدراته غير العادية» كما وصفها العلماء القائمون على التجربة.

اجمالي القراءات 159
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق