أستاذ جامعي فلسطيني لـ«الجارديان»: لا خطط لدينا لإزالة إسرائيل.. فقط نريد مستقبلنا

اضيف الخبر في يوم الثلاثاء 15 مايو 2018. نقلا عن: ساسه


أستاذ جامعي فلسطيني لـ«الجارديان»: لا خطط لدينا لإزالة إسرائيل.. فقط نريد مستقبلنا

في الجمعة الأولى من مسيرة (العودة الكبرى)، ذهبتُ إلى الحدود بين غزة وإسرائيل مع أصغر أطفالي، ياسر ويافا. نعم، سمّيت ابنتي الوحيدة على اسم المدينة التي كان من المفترض أن أولد فيها. هذا هو نوع من التقاليد بين الفلسطينيين، خاصةً إذا كانت للاسم مكانة خاصة».

كان هذا هو ما استهل به عاطف أبو سيف، أستاذ العلوم السياسية الفلسطيني، مقاله في صحيفة «الجارديان» البريطانية، عشية الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية.

وأضاف الكاتب: «لوح الاثنان بالأعلام الفلسطينية في يديهما الصغيرتين وهما يمشيان. وعندما نظر مباشرة إلى السياج الحدودي، فقد سألني ياسر: (يا أبي، هل يافا تقع خلف هذا السياج؟). لم تكن ابنتي منزعجة من هذا الغموض حينما سمعت شقيقها».

وقال: «وبينما كنت أحدق في أحد القناصة الإسرائيليين الجاثم على بندقيته عند المتاريس الترابية على الحدود، خيل إليّ أننا كنا محاصرين في منافسة حامية. حاولت أن أقول له بعيني إن أطفالي لا يشكلون أي تهديد لك، وأننا نقف على بعد أكثر من 300 متر. وليس لدى أطفالي أسلحة أو أحجار، إنهم ليسوا هنا للقتال. إنها فانتازيا بالطبع. وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، وفي الأسابيع التي تلت ذلك، استخدم الجنود الإسرائيليون القوة المفرطة لإخلاء المنطقة: الغاز المسيل للدموع الذي أسقطته الطائرات بدون طيار، وقذائف الهاون، والذخيرة الحية».

وفقًا للكاتب، سوف تتوج «مسيرة العودة الكبرى» -تعبير المقاومة السلمي من سكان غزة على هذه الحدود على مدى الأسابيع السبعة الماضية- يوم الثلاثاء في الذكرى الـسبعين لما يطلق عليه الفلسطينيون يوم «النكبة»، ويحتفي به الإسرائيليون باعتباره ذكرى تأسيس دولة إسرائيل. اجتذبت الاحتجاجات الحدودية الكثير من الاهتمام. لقد قُتل العشرات –بمن فيهم أطفال بالكاد في سن المراهقة وصحافيون– وهناك آلاف الجرحى الآخرين. وافترض الكاتب أن أي قلق دولي سيكون خوفًا من تصعيد عسكري في المنطقة الأوسع. في حين أن هذا الخوف شرعي، فإنه يكشف أيضًا عن سوء فهم عميق للاحتجاج.

النكبة

تشير كلمة النكبة -بحسب الكاتب- إلى عام 1948، عندما تم طرد أكثر من 700 ألف فلسطيني من بلداتهم وقراهم –التي دُمرت أغلبيتها– وهو العام الذي شهد إعلان الدولة الإسرائيلية.

وقال الكاتب: «بالنسبة لنا، كان عام 1948 العام الأول للكابوس الجماعي الذي لم يكن هناك مفر منه، والذي عايشه جميع الفلسطينيين منذ ذلك الحين. كل ما تبع ذلك –النزوح، الفقر، الحروب، حظر التجول، التحقيقات، الاحتجاز، الانتفاضات، الجوع، عدم وجود خدمات أساسية (الأدوية، الكهرباء، المياه النظيفة، الصرف الصحي)، القيود المفروضة على السفر… كل الرعب الذي أصاب الفلسطينيين– بدأ في تلك اللحظة».

وتابع: «كان من الممكن أن أولد في إحدى فيلات أجدادي على الشاطئ الجنوبي لمدينة يافا. بدلًا من ذلك، فقد ولدت في مخيم مزدحم للاجئين في شمال مدينة غزة. غالبًا ما يقول أصدقائي الأوروبيون: (ماذا في ذلك! لقد نزح الكثير من الناس خلال الحربين العالميتين وواصلوا بناء حياة مزدهرة وجديدة لأنفسهم). هذا صحيح، ولكن على الأقل تمت تسوية هذه الصراعات، وتمت إعادة بناء اقتصادات بأكملها».

 

أطفال فلسطينيون- المسجد الأقصى

بحسب الكاتب، فإن ما بقي من فلسطين لم يسمح أبدًا بهذه النهاية السعيدة. معظم الدول الأوروبية، وبالطبع الولايات المتحدة، رفضت الاعتراف بفلسطين دولة. ما هي الفرصة التي حصلت عليها فلسطين؟ حتى بريطانيا، التي كرست سياساتها في فلسطين ما بعد عام 1917 لاستبدال الفلسطينيين بالمهاجرين اليهود –وبالتالي انتهكت تفويضهم الخاص لإعداد البلاد من أجل الاستقلال– تعترف بإسرائيل، ولا تزال ترفض الاعتراف بفلسطين دون شروط.

وأضاف الكاتب: «خلال نشأتي، لم أفقد ملامح مدينتي، مسقط رأسي، بالكامل. كان المعسكر الذي كنت أعيش فيه في جباليا –وما زال– مقسمًا إلى أحياء سميت على أسماء المدن والقرى التي كان يقطنها سكانها. وهكذا نشأت في حي يافا، واستمعت إلى حكايات مغامرات الصيد وقصص بساتين البرتقال، وهي ذكريات الحياة في واحدة من أكثر المدن حيوية في فلسطين خلال النصف الأول من القرن العشرين. كان لدي دائمًا شعور بأن رواة هذه القصص كانوا يعانون من ألم يسري في أجسادهم. تخيلت كل واحد منهم وبه جرح ينزف بهدوء وهم يتحدثون».

كانت جدة الكاتب، عائشة، واحدة من هؤلاء القصاصين. عندما أُجبرت على التنازل عن منزلها الواسع على الشاطئ في مقابل الحصول على خيمة بيضاء صغيرة على الرمال الساخنة لغزة، اضطرت أيضًا إلى السير مسافة أكثر من 100 كيلومتر للحصول على هذه الخيمة.

وقال الكاتب إنه كلما استمع إلى واحدة من قصصها، شعر أن من واجبه مواصلة قص حكاياتها بذات الطريقة التي كانت تقصها. وهكذا، في سن 12 عامًا بدأ محاولاته الأولى في الكتابة. ونظم قصة من الحكاية التي كانت تحكيها جدته دائمًا عن زيارة طبيبها في يافا.

ماذا بعد؟

نتيجة للنكبة، تنتشر عائلة الكاتب في غزة والأردن، وكذلك في يافا، إذ تمكن بعض الأقارب من البقاء. وذكر الكاتب أنه كان يهدف من وراء كتاباته إلى لم شمل أسرته. وقال: «أكتب لتظل حياة هذه العائلة تمضي للأمام. لكن هذه طريقة شخصية جدًا للبقاء على قيد الحياة. كل فلسطيني لديه استراتيجيته الخاصة لإبقاء نفسه وأحبائه يمضون في طريقهم. كانت (مسيرة العودة الكبرى) واحدة من المناسبات النادرة التي وجد فيها الناس استراتيجية جماعية لهذا البقاء».

بالطبع، يعرف المتظاهرون أنه لن يعود أحد إلى أي مكان في نهاية هذه المسيرة. بالطبع ليس لديهم خطط (أو وسائل) لإزالة السياج. وبالطبع هذا الاحتجاج ليس محاولة لإزالة دولة إسرائيل أو عدم الاعتراف بها دولة، وفقًا لما ذكره الكاتب. وأي اقتراح بأن هذه هي الأهداف أو التوقعات هو أمر مثير للسخرية.

 

قطاع غزة المحاصر- فلسطين

يريد المحتجون -بحسب الكاتب- فقط أن تسمع أصواتهم. إنهم يريدون فقط أن تُدرج النكبة، وما تبعها من تداعيات، في سردية العالم، بدلًا من إنكارها. إنه الأمل الوحيد في أن تصبح فلسطين دولةً معترفًا بها تمامًا في يوم من الأيام (مع جميع الحريات المصاحبة لها) التي أبقت الفلسطينيين على قيد الحياة خلال 70 سنة ماضية –من خلال الحروب والحصار والإهانات التي لا نهاية لها والشكوك. لقد حولت تلك السنوات السبعين من العمر قطاع غزة إلى سجن يقضي فيه الجميع عقوبة السجن مدى الحياة. وسيقضي أطفالهم عقوبة السجن مدى الحياة أيضًا، وأطفال أبنائهم، وما إلى ذلك.

رسالة الاحتجاج بسيطة: لا يمكن أن نعيش هكذا إلى الأبد. حتى بعد مرور 100 عام، سيظل الفلسطينيون مولودين بحقوق إنسانية غير قابلة للتصرف، لكن الكثير من الإسرائيليين يريدون دفنها في التراب. لا يمكن لإسرائيل أن تتوقع أن تستمتع بالسلام أو الاستقرار أو الرخاء؛ بينما لا يزال الفلسطينيون يساقون مثل الحيوانات في مزرعة. السياج ليس مجرد حدود مادية بين الدولتين. هو أيضًا خط تمييزي بين عالمين وحقيقتين. والبؤس الذي يعاني منه أحد العالمين يحقق السعادة للعالم الآخر. دفنت أحلام العالم الأول تحت سبعة عقود من الرمال في هذا الأخير، وفق وصف الكاتب.

وقال الكاتب: «في أول يوم من أيام مسيرة العودة الكبرى، ضحكت من مشهد الأولاد المراهقين الذين يمزقون صور دونالد ترامب. لقد زودت أمريكا إسرائيل بالسلاح منذ إنشائها بوصفها دولة، والفلسطينيون يعرفون جيدًا الدور الذي لعبته واشنطن في تعزيز الاحتلال والحفاظ عليه. لكن الأمر المختلف حول قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل هو أنه قرار نفسي، وليس لديه عواقب غير كونه قرارًا استفزازيًّا».

من المؤسف أنه في القرن الذي أعقب إعلان بلفور، لم يتمكن المجتمع الدولي أبدًا من الاعتراف باحتياجات الشعب الفلسطيني، وعاملهم فقط كأعداء للدين اليهودي. لقد كان الفلسطينيون دائمًا قادرين على التمييز بين شعوب الديانة اليهودية، ودولة إسرائيل وحكومتها. من العار أنه عندما يتعلق الأمر بانتقادات الحكومة الإسرائيلية، لم يكن المجتمع الدولي الأوسع قادرًا على تحقيق هذا التمييز، وبهذا فقد استمر في الإخفاق بحسب الأخلاق والمعايير والقوانين التي أنشأها.

وحكى الكاتب كيف كانت والدته رافضة قبول اتفاقات أوسلو. لكن عندما تمت الصفقة، خرجت إلى شوارع جباليا، مثل أي شخص آخر، للاحتفال. واعتقدت أنها قد تتمكن أخيرًا من أن تعانق ابنها نعيم (شقيق الكاتب) عند إطلاق سراحه من السجن السياسي، تبعًا للصفقة. هذا العناق الذي طال انتظاره لم يحدث قط، وماتت وهي لا تزال تنتظر تنفيذ الصفقة. مع أوسلو، وافق الفلسطينيون على الحد الأدنى من الحد الأدنى، دولة تقام على 22٪ فقط من وطن آبائهم وأمهاتهم. وإسرائيل لم تكن سعيدة بذلك، وكانت راغبة في أن تشارك الفلسطينيين حتى في هذه النسبة. وقد تم وضع العراقيل أمام حل الدولتين من خلال العوائق والحواجز ونقاط التفتيش والمستوطنات.

وختم الكاتب بقوله: «ماذا بعد؟ قد تنتهي مسيرة العودة الكبرى غدًا، لكن الأسئلة التي تثيرها لن تبقى فقط؛ بل ستستمر في الضغط على محيط الأراضي المحاصرة في فلسطين. إذا لم يتغير شيء، فمن الصعب أن نتخيل النهج الجديد الذي ستتبناه هذه الدولة اليائسة، بعد قرن من التجاهل السياسي، و70 عامًا من النزوح، و11 عامًا من الحصار الطويل، بالنسبة للغزيين على وجه الخصوص».

اجمالي القراءات 279
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق