الإسكندر الواهم».. كيف ينظر ابن سلمان إلى أزمات الشرق الأوسط؟

اضيف الخبر في يوم الأحد 18 مارس 2018. نقلا عن: ساسه


الإسكندر الواهم».. كيف ينظر ابن سلمان إلى أزمات الشرق الأوسط؟

بلهجةٍ ملؤها الثقة وبنشوةِ المنتصر تحدث ولي عهد السعودية وحاكمها الشاب «محمد بن سلمان» إلى جمعٍ من الإعلاميين المصريين خلال زيارته إلى القاهرة مطلع مارس (آذار) الجاري، الحديث الذي أسهب فيه ابن سلمان، فخصص الجزء الأكبر منه للحديث عن سياسة بلاده الخارجية، بعكس العديد من الحوارات السابقة التي اقتصرت على تناول الشأن الداخلي أو خطط الأمير التنموية.

تحاول السطور التالية استكشاف وجهات نظر الأمير الصاعد من وحي تصريحاته نفسها، ومن خلال تحليل خطابه في لقائه الأخير مع الإعلاميين المصريين، مع مد تلك التصريحات على استقامتها، وربطها بتصريحاته السابقة في مناسباتٍ مختلفة، ومناقشة مدى تطابقها مع سياسة المملكة في القضايا المختلفة.

قطر.. «أتفه» من أن يهتم بها ولي العهد

مشكلة قطر مشكلة تافهة جدًا، وأقل من رتبة وزير من يتولى الملف القطري، وأي وزير في الحكومة السعودية يستطيع حل أزمة قطر. * ولي العهد السعودي خلال لقائه مع الإعلاميين المصريين في مارس الجاري

بلهجة استخفافٍ لا تخفى تحدّث محمد بن سلمان عن أزمة الرباعي العربي مع قطر، معتبرًا أنَّها أقل من أن تشغل باله، فهو يترك تصريف أمورها لمرؤسيه من رتبة وزير فما دونها، وهي تصريحاتٌ يمكن فهمها على عدَّة أوجه، فمن جهة يمكن اعتبارها تلميحًا لانفراجةٍ محتملة؛ باعتبار أن الأزمات «التافهة» لا يجب أن أن تدوم طويلًا، ويمكن حلها بجرة قلم.

أو أنّ تلك التصريحات تعبر عن خط سعودي عازم على إطالة أمد الأزمة؛ باعتبارها «تافهة»، ولا يشكل استمرارها أي ضغوط على النظام السعودي، ويبدو أنَّ هذا هو التفسير الأرجح بالنظر إلى التصريحات الأخرى للأمير، الذي اعتبر أنّ «أزمة قطر يمكن أن تستمر طويلًا، مثلما كانت كوبا بالنسبة إلى أمريكا».

بدا ابن سلمان مطمئنًا إلى خطواته التصعيدية تجاه قطر؛ فهو وإن فشل في تغيير النظام في قطر، أو حصد استسلامًا قطريًا صريحًا، فإنه يعتبر أن نجاحه يكمن في «عدم قدرة قطر على إحداث أي تأثير»، وهو يعتبر أنَّ المسؤولين الأمريكيين غير مهتمين كذلك بالملف القطري «باستثناء شخصٍ واحد» ولعله يشير هنا إلى وزير الخارجية المُقال ريكس تيلرسون الذي اتخذ موقفًا أقرب إلى قطر خلال الأزمة، وتسري تكهنات حول دور رباعي المقاطعة بقيادة الإمارات في قرار الإطاحة به، كما أنه يبدو مطمئنًا إلى علاقة بلاده بواشنطن؛ حيث تبلغ استثمارات الرياض أربعة أضعاف مثيلتها القطرية في الولايات المتحدة.

 


ابن سلمان (يسار) وأمير قطر (يمين)

 

يتخذ ابن سلمان نهجًا أقرب إلى الصراحة خلال تصريحاته الإعلامية، فينفذ إلى ما يريد مباشرة بلا كثير من المواربة أو التجميل، وهو هنا لم يحاول أن يكرر ما عكفت على ذكره الدبلوماسية الرسمية السعودية بأن سبب الأزمة مع قطر هو «الإرهاب»، أو العلاقة مع إيران، بل يذكر جماعة الإخوان بشكل مباشر، معتبرًا أنها «تغلغلت في الداخل القطري، وأنها تحجب المعلومات الصحيحة عن القيادة»، كما يتهم ولي العهد السعودي جماعة الإخوان بأنها تتعامل مع قطر بأنها مجرد «مخزن للأموال».

لكن التصريح الأخطر – فيما يتعلق بالأزمة – كان قول الأمير السعودي لمخاطبيه أن «هناك عقدة نقص وعقدة نفسية، حركت وتحرك الشيخ حمد – الأمير السابق – تجاه السعودية والدول الكبيرة في المنطقة»؛ الأمر الذي يؤكد صحة التحليلات التي تردُّ جذور الأزمة الحالية إلى ما قبل عقدين من الزمان، حين سيطر «حمد بن خليفة» على الحكم، وما تبع ذلك من محاولاتٍ «سعودية – إماراتية –  بحرينية – مصرية» – وهو للمفارقة نفس رباعي الحصار اليوم – فاشلة لإزاحته، وبتصريحه الناري هذا، لم يُخفِ ابن سلمان أن الأزمة الحالية ليست سوى «قمة جبل الثلج» لتنافس خليجي – خليجي دام قرابة عقدين من الزمان.

الإخوان المسلمون.. صداع في رأس «ابن سلمان»

المملكة تخوض معركة واسعة ضد التطرف والمتطرفين خصوصًا في المؤسسة التعليمية.. تم فصل عشرات القضاة بعضهم ينتمي للإخوان. * ابن سلمان في حواره مع الإعلاميين

يظهر حضور «جماعة الإخوان المسلمين» عدوًا مركزيًا في خطاب ولي العهد السعودي، وفي حين أنَّ مضيفه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لا يذكر الجماعة في خطاباته صراحة إلا قليلًا، مكتفيًا بتوصيفاتٍ عمومية من قبيل «قوى الشر» أو «الإرهاب»، فإنّ ابن سلمان يبدو أقل تحفظًا في هجومه الخطابي على الجماعة، وهو يربط بينها وبين معركته في الداخل ضد «التطرف».

يشير ابن سلمان إلى الدور الوظيفي الذي لعبته الجماعة في مجتمعاتها عبر عقودٍ من الزمن، وبغضّ طرفٍ من السلطات الحاكمة، حيث يذكر أن «مصر والسعودية استخدمتا جماعة الإخوان في الماضي ظنًا أن ذلك سيؤدى إلى تهدئة الوضع في البلدين، لكن حدث العكس تمامًا، وحاولت الجماعة التغلغل في المدارس وسائر مرافق المجتمع»، فمصر قد سمحت للجماعة بهامش من الحركة؛ لموازنة خطاب الجماعات الإسلامية المسلحة، كما أنَّ السعوديين سمحوا للإخوان باتخاذ بلادهم مأوى في مواجهة عبد الناصر الذي كان يناصب المملكة العداء، لكن عهود «غض الطرف» قد ولت، والجماعة الآن تتصدَّر قائمة الأعداء لدى حكَّام القاهرة والرياض، الذين يبدو التماهي بينهم تامًا في هذه القضية.

يربط الرجل الجماعة ربطًا وثيقًا بمعركته الجارية في الداخل؛ فهم أصل «التطرف» الذي يواجهه، ليس الوهابية، أو السلفية، وفي نبرة مليئة بالثقة التي تميزه يذكر أن «حجم وقوة المتطرفين في المملكة تراجعت كثيرًا، وبعد أن كانت تمثل ٦٠٪ أصبحت نحو ١٠٪ فقط، وقلنا لهم إما أن تقتنعوا أو تصمتوا».

ويجدر هنا استدعاء بعض تصريحات الرجل السابقة بخصوص جماعة الإخوان المسلمين، والتي يظهر فيها اتفاقه مع موقف نظام السيسي منها إلى درجة التطابق، فحين سأله الإعلامي «داوود الشريان» في مقابلة تليفزيونية عن وجود توتُّرات بين القاهرة والرياض، ذكر بأنه هذا «ما يروج له الإعلام الإخوانجي»، في تعبيرٍ مليء بالتهكم والعداء.

وقد سبق لابن سلمان أن صرَّح باستراتيجية العدائية تجاه الجماعات الإسلامية – المتطرفة في نظره – والتي لا مجال فيها للتسامح أو الانتظار، حين قال خلال مشاركته في منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» بالرياض في أكتوبر (تشرين الثاني) الماضي: «لن نضيع ثلاثين سنة أخرى في التعامل مع الأفكار المتطرفة، سوف ندمرهم اليوم وفورًا».

اليمن.. انتصارات لا تراها سوى الرياض

سوف نرى الواقع لنحكم على نواياهم. *ابن سلمان متحدثًا عن حزب التجمع اليمني للإصلاح

لكن الأمير الذي لا يتحرج من إعلان عدائه المطلق للإخوان، لا يمانع بعد دقائق من إظهار «براجماتية» باستعداده التحالف مع فرعها اليمني «حزب التجمع اليمني للإصلاح»، معللًا ذلك بأنَّ حزب الإصلاح «أعلن انفصاله عن جماعة الإخوان».

يرى ابن سلمان في حرب اليمن ما لا يراه أغلبية المجتمع الدولي، فهو يعتبر أن الأمور تسير على ما يرام، وأن التحالف الذي تقوده السعودية «يقترب من إنهاء مهامه في اليمن»، بعدما «سيطرت قوات الشرعية – بمساعدة التحالف العربي – على 90% من أرض اليمن».

لا يبدو ابن سلمان مستعدًا للاعتراف بأخطاءٍ كبرى ترى الأطراف الدولية أنه ارتكبها في حرب اليمن، كالكوارث الإنسانية المترتبة على الحرب، والتي أدرجَ بسببها التحالف على القوائم السوداء التابعة للأمم المتحدة، كما أن «النصر» الذي يعتبر أن التحالف العربي قد حققه في تلك الحرب لا تعكر صفوه عشرات الصواريخ التي يمطر بها الحوثيون الأراضي السعودية، بما فيها الرياض ذاتها، وفضلًا عن ذلك فإن ابن سلمان، وعبر عدم تطرقه لتطورات الوضع في الجنوب، والخطط الإماراتية ضد حكومة هادي، يؤكد المخاوف اليمنية من أن الخطوات الإماراتية الرامية إلى تقويض حكومة الرئيس هادي، وصولًا لتقسيم اليمن شمالًا وجنوبًا، ليست بعيدة تمامًا عن الرضا السعودي.

 


مظاهرات مناهضة لولي العهد السعودي في بريطانيا على خلفية حرب اليمن

 

وفي موقفه هذا، يبدو أن ابن سلمان يكرر ما ذكره في تصريحات إعلامية سابقة؛ إذ أكد في حوار سابق له مع الإعلامي داود الشريان على شبكة «إم بي سي» في مايو (آيار) 2017، أنّ قوات التحالف باتت تسيطر على أغلب الأراضي اليمنية، كما وصف التقارير التي تتحدث عن وجود خلافات بين السعودية والإمارات في اليمن بأنها مجرد «شائعات».

إيران وتركيا.. ضلعان في «مثلث الشر»

  مشروع إيران ينهار، ونحاصرها في كل مكان، ونسعى لإنهاء تقاربها مع روسيا والنظام السوري.

الجانب الأكثر إثارة للجدل في تصريحات الأمير الشاب، كان حديثه عن القوتين الإقليميتين الصاعدتين، تركيا وإيران، وبما يتعلَّق بالأخيرة، فيبدو أنّ لهجة الثقة والنصر التي اعتاد ولي العهد التحدُّث بها قد دفعته إلى القفز على العديد من الوقائع الماثلة على الأرض، ففي الوقت الذي تحكم فيه إيران قبضتها على العديد من العواصم العربية، وتزحف الميليشيات المرتبطة بها لتطوِّق السعوديين شمالًا وجنوبًا، يرى ابن سلمان العكس تمامًا، فهو من يحاصر الإيرانيين، لا العكس، كما يعتبر أن بإمكانه إنهاء تقاربها مع حلفائها في دمشق وموسكو، رغم أن الأمور لا تجرى عادة بهذه البساطة، سيما مع فشل سعودي متكرر في هذا المضمار.

ويبدو أنّ ابن سلمان لا يحمل في جعبته لإيران إلا التصعيد؛ إذ سبق له في تصريحاتٍ سابقة اعتبار أن نقاط الالتقاء مع إيران غير موجودة، وأنَّ محاولات التفاهم في مراحل زمنية سابقة – عهد رفسنجاني نموذجًا – لم تكن سوى «تمثيليّات»، كما سبق له أن هدد بأنه سينقل المعركة مع طهران إلى الداخل الإيراني، كما وصف المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على خامنئي بأنه «هتلر الجديد في الشرق الأوسط».

أما أكثر التصريحات إثارة للجدل فهو ما نقلته مصادر إعلامية من وصف ابن سلمان لتركيا بأنها ضمن «قوى الشر» في المنطقة، حيث ذكر بأن «مثلث الشر الراهن يتمثل في إيران والعثمانيين – تركيا – والجماعات الدينية المتشددة» وبأن «تركيا تريد الخلافة وفرض نظامها في المنطقة».

 


أردوغان والملك سلمان

 

ورغم أن الدبلوماسية السعودية حاولت تدارك الموقف مع تركيا – التي لم تعلن المملكة حتى الآن أنها تناصبها العداء، وتستمرّ اللقاءات «الباردة» بين مسؤولي البلدين – فأصدرت السفارة السعودية في أنقرة استدراكًا توضِّح  فيه أن المقصود من كلام ولي العهد بخصوص «قوى الشر» هم الإخوان المسلمون، والجماعات الراديكالية، إلا أنَّ الهجوم الإعلامي السعودي على السياسة التركية يصدر بين الحين والآخر، آخرها وصف صحيفة «عكاظ» السعودية اتفاق السودان مع أنقرة على إدارة الأخيرة لميناء «سواكن البحري» بأنه استمرار لـ«الأطماع التركية» التي بدأت تكشف عن وجهها في القارة السمراء على طريقة نظام الملالي.

كما أشارت تقارير صحفيَّة أن قرار شبكة «إم بي سي» الأخيرة بوقف عرض المسلسلات التركية على شاشتها قد جاء بأمر مباشر من ولي العهد السعودي؛ بهدف إيصال رسالة سياسية قوية إلى تركيا، التي وقفت إلى جانب الدوحة في الحصار التي فرضته السعودية وحلفاؤها ضدها.

«كالهرِّ يحكي انتفاخًا صولة الأسدِ»

تتسرب ثقة ابن سلمان المطلقة من بين أحاديثه، يتحدث بلهجة القائد المزهوّ بنصره؛ فحملته على الإخوان قد حققت أهدافها، وحرب اليمن قد نجحت في استعادة الشطر الأعظم من البلاد من قبضة الحوثيين، أما حربه الباردة ضد إيران، فقد حُسمت بالفعل لصالحه. يبدو الأمير الشاب، يتحدث بلهجة «إمبراطور» يحكم المنطقة كلها، ويتعدَّى نفوذه بلاده إلى ما سواها.

الأمير الذي تتحدث التقارير الصحافية عن تفضيله أن يُنادى بلقب «الإسكندر»، تشبُّهًا بالفاتح المقدوني الذي ملأ سلطانه السمع والبصر، يبدو مهتمًا بـ«لقطة النصر» قبل تحقيق النصر نفسه، فهو يتجاهل أنَّ قواته تواجه في اليمن معضلةً تستعصي على الحل بشهادة الدول الغربية قاطبة؛ فالحوثيّون يستهدفون الرياض بصواريخهم صباحَ مساء، فضلًا عن المأساة الإنسانية التي تسببت فيها الحرب، والتي تسببت للرياض في الكثير من المشاكل على صعيد العلاقات العامة.

أما «انتصار» السعودية على إيران، والذي تحدث عنه ابن سلمان كحقيقة واقعة، فلا يبدو أنه موجود إلا في خياله؛ فالنفوذ الإيراني المدعوم عبر ميليشيات شرسة يطوِّق السعوديين في سوريا شمالًا واليمن جنوبًا، فضلًا عن إحكام حزب الله قبضته على لبنان بعدما فشلت «مناورة» ابن سلمان فشلًا ذريعًا عبر محاولة دفع الحريري إلى الاستقالة، أما حماس، والتي تُناصبها السعودية العداء، فقد صارت إلى الإيرانيين أقرب، بعدما لم تكتمل محاولات الرياض لاجتذاب الحركة بعيدًا عن إيران.

كان الاسكندر «الحقيقي»، يغزو الأفاق، استطاع ترويض حصانه، تتلمذ على يد أرسطو أشهر فلاسفة عصره، وهو في سن الحادية عشر، وانتصر في أولى معاركه وهو ابن الثمانية عشر ربيعًا، وإلى جانب بأسه في القتال، وقدرته المُفرطة على سياسة جنوده، فقد كان يهتم بالنواحي العلمية، يصطحب معه في حملاته علماء النبات والحيوان والأرصاد والتضاريس؛ في إدراكٍ لسُبل القيادة والتفوُّق الحقيقي الذي لا يتأتى عبر السيف فحسب، وهي كلها أمورٌ لا تظهرها شهور حكم الأمير الحافلة بالكثيرِ من القسوة، والقليل من الفعالية، أراد ابن سلمان اسم الاسكندر إذًا، لكنه لم يهتم كثيرًا أن يتصف بالكثير من صفاته.

اجمالي القراءات 362
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق