العالم على موعد مع تيار أشد تطرفًا من «داعش»

اضيف الخبر في يوم الخميس 20 ابريل 2017. نقلا عن: ساسه


العالم على موعد مع تيار أشد تطرفًا من «داعش»

بينما ينغمس العسكريون والساسة في متابعة مسلسل اندحار «تنظيم الدولة الإسلامية» في الدول التي يحارب فيها التنظيم، تظهر رؤية أخرى قد يغفل عنها الكثير تتمثل في قرب ظهور تيار أشد تطرفًا من «تنظيم الدولة».

فخلال محاولة فهم طريقة تفكير المنضمين إلى التنظيم ثم الهاربين منه، تكشّفت خطوط بعيدة عما أعتيد سماعه، بأن الهاربين صدموا بتطرف التنظيم على أراضيه، لقد ظهر من عاش التجربة وخرج ليثبت أن ما بعد غياب «تنظيم الدولة» هو الأخطر، فهناك تيار جديد داخل التنظيم أشد تطرفًا، وقد اتخذت خطوات الانفكاك عن التنظيم الأم، إذ تتفاقم الخلافات بين شق متشدد، وآخر أقل تشددًا.

«كنت في الرقة»

«خرجت من المحكمة والتقيت بأحد أصحابي مخبرًا إيّاه بأني جُلدتُ في الدولة التي جئتها مهاجرًا قاطعًا آلاف الكيلومترات»، هذا جزء من الشهادة الحية التي ذكرت في كتاب (كنت في الرقّة) على لسان الهارب من التنظيم التونسي «محمد الفاهم»، وهو يحكي للباحث التونسي «هادي يحمد» حكايته في تركيا التي وصل إليها بثمن بندقيته (الكلاشنيكوف) التي باعها.

أنصت «يحمد» لهذا الشاب كي يسجل تجربة حقيقة، بهدف محاولة فهم طريقة تفكير المنضمين للتنظيم، وبغية التوثيق وطرح الوقائع كما هي تقريبًا، ففي صيغة «أنا» روت التفاصيل المثيرة عن أهم اللحظات التي عاشها الفاهم في كنف «الدولة الإسلامية»، إذ منح الشاب فرصة الحديث عن تجربته دون أن يهم المؤلف تهمة «تبييض الإرهاب»، فيبدأ السرد ببعض المعلومات عن الفاهم الذي ولد في «دورتموند» الألمانية في أبريل (نيسان) عام 1990، ثم عجل أهله بالعودة به إلى الوطن وهو في الخامسة؛ خوفًا من انعكاس الطباع الغربية على شخصيته، وفي تونس حاول أهل الفاهم منحه النشأة المحافظة المتدينة.

وعندما بلغ الخامسة والعشرين من العمر، كان قد اقتنع بفكر «تنظيم الدولة»؛ فأصبح هدفه الوحيد الهجرة إليه، وبالفعل عجل لاتخاذ خطوات تمكنه من قطع الصحراء التونسية نحو ليبيا قبل الوصول إلى تركيا وبدء رحلة أخرى للوصول إلى سوريا، حيث معقل التنظيم (الرقة).

يوميات الفاهم في الرقة كغيره، يشارك في قتال أعداء التنظيم، ويقيم الحدود على العامة، وهو مقاتل فرضت عليه جنسيته التونسية أن ينفي انطباع قادة «تنظيم الدولة» بأنه جاء من بلد الحرية والحداثةـ لذلك كان عليه الغوص أكثر في هدر الدماء.

وصف الكتاب بأنه الأخطر فكريًّا، وإن كانت القصة المتداولة للفاهم تتشابه مع حكايات هروب سابقة لمقاتلين الدولة، لكن المفاجأة التي يحملها الكتاب أن الفاهم ترك «تنظيم الدولة» لأنه أراد تطرفًا أكثر، وأراد راديكالية أكثر من التنظيم نفسه، فهرب باحثًا عن جماعة أكثر تطرفًا، ولم يخفِ ذلك عن قادته، وهو الأمر الذي عرضه للجلد بسبب تقاعسه عن معارك لرفضه أسلوب التنظيم وقادته.

المفاجأة الأخرى التي يكشفها «الفاهم» أنه لم يكن الوحيد الذي ترك «تنظيم الدولة» لأنه يريد غلوًا وتشددًا أكثر، فهناك مقاتلون انشقوا لذات السبب، تركوا التنظيم هربًا من ضلال التنظيم وعدم تطبيقه للشريعة الإسلامية بصرامة أكثر من وجهة نظرهم، بل يكشف الفاهم عن تيار جديد داخل التيار الجهادي أشد تطرفًا من «تنظيم الدولة»، ويكشف عن خلافات عميقة بين شق من المتشددين، وآخرين أقل تشددًا.

تيارات أكثر تشددًا

قراءة المختصين في شؤون الجماعات المتطرفة، لا تستبعد ولادة تنظيم أكثر تشددًا وتطرفًا من «تنظيم الدولة» في المستقبل القريب، مستشهدين على ذلك بمبدأ استمرارية (الجهادية)، التي يتم من خلالها تأسيس تنظيم على أنقاض تنظيم سابق، بحيث يكون التنظيم المنبثق أكثر تطرفًا، ودليل ذلك اعتبار تنظيم القاعدة هي الجماعة الأولى التي خرج منها «تنظيم الدولة» الأكثر تطرفًا ووحشية من القاعدة.

(المصدر: الجزيرة نت)

يقول الإعلامي والباحث في شؤون الجماعات «هادي يحمد» إنه: «فكريًّا وأيديولوجيًّا دخل التنظيم منذ أواسط سنة 2015 صراع داخلي خفي بينته في كتابي (كنت في الرقة)، وهو الصراع بين البنعلية ( نسبة إلى تركي البنعلي، شرعي الدولة) والحازمية (نسبة إلى محمد بن عمرو الحازمي)، لكن تمكن التنظيم من احتواء هذا الصراع عن طريق العشرات مِن التصفيات، واستتابة من يسميهم «بالخوارج»، وتمكن العشرات الآخرون من الهروب مِن الدولة».

ويضيف «يحمد» الذي حاورته «ساسة بوست»: «في المحصلة، تمكن الخط السائد في الدولة من تركيز وجوده، ولكن خروج العشرات عن تنظيم داعش ينبأ بإمكانية تكون (داعش أكثر تطرفًا)، وذلك بالنظر إلى اعتقاد أتباعها في عقيدة (عدم العذر بالجهل)، ففي الوقت الحالي لم يتبلور أي تنظيم عسكري يحمل هذا المنهج في سوريا على الرغم مِن الأنباء التي تأتي من مدينة إدلب، والتي تقول ببداية تكون مثل هذا التنظيم (اغتيالات وتصفيات داخل جبهة النصرة وكل جماعات المعارضة السورية )، ربما يساهم تدهور الأوضاع أكثر في سوريا في نشأة تيارات أكثر تشددًا هناك، الأمر في اعتقادي رهين مسارات الأحداث في هذا البلد».

ويشير «يحمد» إلى أن فترة ما بعد «تنظيم الدولة» مفتوحة على احتمالات عدة، فمن الناحية العسكرية من الواضح أن التنظيم يعود إلى طريقة عمل بداياته، أي الخلايا العنقودية التي تنتشر في صحراء العراق، وبعض المدن العراقية والسورية، وربما تؤكد قرب معركة الرقة هذا السيناريو.

ليبيا والعراق نموذجان لميلاد تطرف جديد

ترتكز آمال السياسيين وصناع القرار المعنيين في القضاء على «تنظيم الدولة»، على أن هذا التنظيم آخذ بالتبخر والتلاشي بسبب المعارك ضده في سوريا والعراق.

 

يوضح الكاتب والأكاديمي المصري «هاني نسيره» أنه: «ما يزال الانشطار والانشقاق سمة أكثر وضوحًا في تاريخ وواقع الأحزاب الراديكالية واليمينية المتشددة – شرقًا وغربًا- منذ عهد بعيد، فالأصل أن التطرف رافد تشتت وحالة انقسام وتصفية، وليس قاموسه الانغلاقي الطردي والتمييزي».

ويضيف «نسيره» وهو صاحب أول رسالة دكتوراه عن «تنظيم الدولة»: «ووفق ما نسميه (متتابعة الغلو) يبدو التشدد والتطرف حالة انشطار بنيوي وداخلي، تتناسل منه ظروف أكثر تشددًا من أصله، وتنزع شرعيته صانعة شرعيتها».

ويرى «نسيره» في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست» أنه ليس شرطًا أن يكون التنظيم الخالف لتنظيم الدولة أكثر غلوًا، وإن كان الغالب هو أن يزداد الغلو من تنظيم لآخر، وقد خرجت تنظيمات ومجموعات بالفعل اعتبرها تنظيم الدولة نفسه من الغلاة والحرورية، ويستدرك بالقول: «أظن أن حالة ما بعد تنظيم الدولة حال انتهى هذا التنظيم فعليًّا، وواقعيًّا، إمارة وعاصمة في سوريا وجيوب في العراق باقية بعد معركة الموصل، وفكريًّا ستنتج مجموعات ذات مراجعات أكثر رشادة لبعض الوقت، ثم ستكون الصدمة في الغلو كبيرة، وتنتج حركة مراجعات أكبر لدى الجهاديين الذين تعرضوا لأكبر انشقاق بسببه».

ويعتقد الكاتبان «تشارلي وينتر»، و«كولن كلارك» أن «شكل التهديد الذي سيفرضه التنظيم هو الآخذ بالتغيير، فالمعجبون به حول العالم ما يزالون موجودين، وهم لم يتخلوا عن مبادئهم السلفية الجهادية، ولكن التنظيم يركز الآن على البقاء والنجاة أكثر من التمدد والتوسع»، ونتيجة هذه الرؤية يرى الكاتبان في مقال نشر لهما في مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية أنه يمكن للمجموعات المنشقة عن التنظيم أن يكون لها أهدافها وإجراءاتها المختلفة عن تلك التي تتبعها المنظمة الأم، ويضيفان أن: «تنظيم الدولة قد يتحول إلى مجموعات صغيرة أكثر تطرفًا تعمل من تلقاء نفسها، وذلك بحيث ينتشر أعضاؤها في شتى أنحاء العالم، مما يطيل أمد الحرب في مواجهة التنظيم، ويضيف إشكاليات جديدة إليها».

على أرض الواقع، يمكنا الاستشهاد بتجربة العراق، إذ يقول الباحث في من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى «مايكل نايتس» إن العراق سوف يتمزق مرة أخرى، وسوف ينشأ تيار جديد أكثر تطرفًا ما لم تشارك واشنطن في دعم عراق قوي.

النموذج الأهم هو في ليبيا، فنتيجة تقدم قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر نحو السيطرة على طرابلس، وإعادة بناء الدولة الليبية، يتوقع المحللون أن يؤدي ذلك إلى اندلاع حرب بهدف السيطرة على العاصمة، وهو الأمر الذي سيتيح فرص سانحة للتعبئة الجهادية لمواجهة حفتر، وهنا يقول الباحث الأول في برنامج الشرق الأوسط «فريدريك ويرى»: «كما في حالة بنغازي، سيتقدّم حكمًا إلى الواجهة العناصر الأكثر تطرفًا وتعنّتًا، حيث تبقى ليبيا بيئة حاضنة جاذبة للجهادية، سواءً كانت جهادية الدولة الإسلامية، أو القاعدة، أو تنظيم جديد ما مستلَهم منهما».

وبإمكان من يسميهم «ويرى» بـ«فلول الدولة الإسلامية» أن ينتظموا من جديد بعد أن هربوا إلى الوديان الصحراوية جنوب سرت، و من ثم يعيدون تنظيم صفوفهم، ومن الممكن حينها «تُفسح شبكات المجموعات الجهادية القائمة وبناها التحتية المجال بسهولة أمام ظهور أشكال متغيّرة جديدة من هذه التنظيمات، تمامًا كما استوعبت الدولة الإسلامية تنظيم أنصار الشريعة، أو قلّصت وجوده في بنغازي وصبراتة وسرت»، حسب « نايتس».

التركيز على القوى العسكرية يولد جيلًا أكثر عنفًا

بشكل عام، وراء فكرة العنف العديد من الدوافع التي تتضافر فيما بينها لتكون في المحصلة النهائية حالة عنف، من هذه الدوافع ما هو نفسي مرتبط بالبنية النفسية للفرد، وميله للعنف من عدمه، كذلك السياق الاجتماعي للنشأة، ومدى توافر مسببات للعنف كالإقصاء والتمييز والعنف المضاد، إضافة إلى السياق السياسي السائد، وحالة الانفتاح والقبول بالتعدد الفكري والمذهبي.

يرى ذلك الباحث في شؤون الحركات الإسلامية «أحمد زغلول» بالنظر إلى سياقات «تنظيم الدولة» ونشأته انشقاقًا عن تنظيم القاعدة وبصورة أكثر تشددًا، يعود ذلك في جزء منه لسياقات إقليمية داخلية في العراق وسوريا، وطبيعة التوازنات الطائفية الحادثة هناك، إضافة إلى رغبة «تنظيم الدولة» في التمايز والاستعلاء الفقهي على تنظيم القاعدة بأخذ طابع أكثر تشددًا، ووصم القاعدة بالتساهل من أجل الحصول على مشروعية دينية تجتذب بها القواعد الجهادية.

وحول إمكانية تكرار خروج تنظيم أكثر تطرفًا من «تنظيم الدولة» مستقبلًا، يعتقد «زغلول» خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن ذلك يرتبط بالوضع الذي سيصل إليه التنظيم عقب المواجهات المحلية والدولية ضده، كذلك تلعب الأوضاع السياسية السائدة، ودرجة الانفتاح السياسي السائدة، ومستوى دمج الإسلاميين من عدمه دورًا في ذلك.

ويضيف: «هناك أمر آخر يتعلق بالاستراتيجيات المتعلقة بمكافحة الإرهاب، فجزء كبير منها يتعلق بمساحات الدمج الاجتماعي لمختلف التوجهات، كذلك استراتيجيات مكافحة التطرف ثقافيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، فالتركيز فقط على القوة العسكرية في مكافحة النشاط الإرهابي على الرغم من أهميته دون باقي هذه الاستراتيجيات يُعطي عكس المرجو منه، إذا لم تتضافر مجمل هذه الاستراتيجيات على التوازي، فبدون ذلك ستتولد من رحم هذه السياسات أجيال أكثر عنفًا، تزايد بعنفها على من سبقها في ممارسة العنف بصورة لا تنتهي».

اجمالي القراءات 634
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق