يهود تونس: أقلية مزدهرة اقتصاديًّا تقف في وجه الإغراءات الإسرائيلية

اضيف الخبر في يوم الأربعاء 04 يناير 2017. نقلا عن: ساسه


يهود تونس: أقلية مزدهرة اقتصاديًّا تقف في وجه الإغراءات الإسرائيلية

وجود اليهود في تونس يعد أمرًا ضاربًا في القدم، ويعود تاريخ قدومهم واستقراراهم على أرضها إلى نحو ألفي سنة مضت.

وبحسب المؤرخين، فإن تنامي الجالية اليهودية في تونس يعود أساسًا إلى تنامي موجات المهجرين اليهود، وذلك قبل أن يتم فرض إجراءات معادية لليهودية في العصر البيزنطي.

طالما اعتبر القطاع العريض من يهود تونس أن اسمها يقترن بالتسامح، وكانوا على مر التاريخ يتعايشون بسلام، ومحبة مع بقية أفراد الشعب الذين يحملون الديانة الإسلامية.

ومن المتعارف عليه لدى الطائفة اليهودية الموجودة في تونس، أن العيش على أرضها يمثل حقًّا شرعيًّا، ولم يكن يومًا منة من أحد، بل يرونه هبة من الله الذي منحهم حق الحياة على هذه الأرض.

يهود تونس عبر التاريخ

وفقا لإحصاءات رسمية،  قامت بها حكومة فيشي سنة 1941، فقد كان بتونس حوالي 68 ألف مواطن يهودي تونسي، و3.2 آلاف من اليهود الإيطاليين، و16.5 ألف من اليهود الفرنسيين، وكذلك 1660 من اليهود  ذوي الجنسيات الأخرى كالجنسية البريطانية.

وكانت أكبر نسبة من اليهود في شمال أفريقيا تتركز في المغرب الأقصى، فقد بلغ عددهم حوالي 200 ألف، منهم قرابة الـ180 ألفًا من الرعايا المغاربة، و12 ألفًا من المواطنين الفرنسيين، والباقي أجانب، وكان يهود تونس والمغرب تمامًا كما المسلمين، يخضعون لسلطة الاستعمار الفرنسي.

وتقول المصادر التاريخية إن يهود شمال أفريقيا ينقسمون اجتماعيًّا واقتصاديًّا إلى نصفين، فمنهم الطبقة الغنية التي تشكل حوالي 6٪ من إجمالي عدد السكان اليهود في المنطقة، بينما كانت غالبية الأسر اليهودية في المستعمرات، فقيرة، وأكثر من نصف السكان العاملين يكسبون عيشهم كحرفيين، أو يتلقون رواتب كعمال، أو موظفين.

وكانت أكبر المجموعات المهنية من اليهود في تلك الحقبة التاريخية، تعمل في التجارة والزراعة ومختلف قطاعات النسيج، وخلال القرن العشرين دمجت فرنسا يهود شمال أفريقيا في مجتمعها الفرنسي وثقافتها، وذلك خصوصًا في الجزائر وتونس.

يهود تونس والإغراءات الإسرائيلية

في السنوات الأخيرة الماضية، وبالتزامن مع انطلاق ثورات الربيع العربي، حاولت إسرائيل استغلال الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المضطربة؛ لاستقطاب الجالية اليهودية الموجودة في تلك الدول على غرار تونس واليمن، وسعت إسرائيل إلى إقناعهم بعلة انعدام الأمان والسلام في مسقط رأسهم، وذلك لتطبيق جزء من مخططها الهادف لاستقدام اليهود الذين يعيشون في العالم.

ويذكر أن العشرات من العائلات اليهودية ذات الأصول اليمنية هاجرت نحو تل أبيب، فيما دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجالية اليهودية في فرنسا للهجرة، والعيش تحت ظلال إسرائيل، وذلك بعد عملية تولوز في مارس/ آذار 2012، التي انتهت بمقتل أربعة يهود.

وتعمل إسرائيل سرًّا على استقدام يهود تونس، بالتزامن مع حملة لوزارة الخارجية الإسرائيلية، تدعو من خلالها المجتمع الدولي، وأوروبا، والولايات المتحدة الأمريكية، إلى ممارسة الضغوط على الحكومة التونسية حتى توفر الحماية للجالية اليهودية، بذريعة تعرضها للتنكيل، والعداء من قبل الجماعات الإسلامية.

ومنذ نحو أربع سنوات، راجت أخبار تؤكد أن عدة وسائل إعلام إسرائيلية أجمعت على وجود خطة حكومية سرية لاستقدام يهود من دول عربية، حيث تم استقدام عشرات العائلات اليهودية من اليمن.

وحثت إسرائيل من خلال سفاراتها العديد من الدول للضغط على السلطات التونسية، بهدف توفير حماية للجالية اليهودية، كما يذكر أن إسرائيل وزعت نسخًا من التقرير الذي يضم أشرطة فيديو تبين: «آثار تدمير 80 قبرًا يهوديًّا، وتدنيس معبد يهودي، وتصريحات نسبت لشخصيات سياسية ودينية تونسية تساهم في تنامي أجواء العداء لليهود»، وذلك بحسب تصريحات صدرت عن سلطة تل أبيب.

ووجه في تلك الفترة سيلفان شالوم، نائب رئيس الحكومة الصهيونية، دعوة علنية إلى الجالية اليهودية في تونس للهجرة إلى فلسطين المحتلة.

استنكر الدعوة رئيس الجالية اليهودية في تونس بيريز الطرابلسي، ووصفها بـ«المستفزة والمغرضة»، وأكد على تشبث يهود تونس بجذورهم، قائلًا: «نحن تونسيون أبًا عن جد، وسوف نعيش ونموت في هذه الأرض.. نحن كجالية يهودية نستغرب مثل هذه التصريحات، خصوصًا بعد الثورة التي شاركنا فيها ونباركها مع باقي التونسيين».

 

ونددت الأوساط السياسية والحقوقية التونسية بهذه الدعوة، مؤكدة أن يهود تونس هم مواطنون تونسيون، وهم جزء لا يتجزأ من المجتمع، حيث يتعايشون على أرض تونس في كنف الاحترام، وبكامل الحرية مع البقية، وقد عقد في تونس ملتقى تحت عنوان «أبناء إبراهيم عليه السلام على أرض تونس»، بمناسبة الأسبوع العالمي للوئام بين الأديان، الذي أقرته الأمم المتحدة منذ عام 2010.

وهدف الملتقى إلى الكشف عن التنوع الديني والحضاري الذي تميز به المجتمع التونسي في القرن العشرين، وسرد أحداث التاريخ المعاصر لتونس؛ بغية تأكيد أن التعددية الدينية والثقافية هي عامل ثراء حضاري، وليست مدعاة للصراع.

ويشار إلى أن عددًا كبيرًا من المراقبين والمفكرين يرون أن اليهود في تونس لم يعيشوا العنصرية، كما تؤكد إسرائيل، بل كانوا يمارسون حقوقهم كمواطنين تونسيين على جميع المستويات، ولم تقدر أي جهة على حرمانهم من ذلك، وتتميز تونس عن عدة دول أخرى بأنها لا تذكر ديانة مواطنيها في بطاقة الهوية الشخصية، وهو ما يمنع أي جهة من الجهات من معاملتهم على أساس الانتماء الديني.

وتأييدًا لذلك التراث جاءت هذه الأغنية المؤثرة من الفنان اليهودي ذي الأصول التونسية لتفند مزاعم إسرائيل بشأن اضطهاد اليهود في تونس. وبحسب التقرير التلفزيوني المرفق في الفيديو التالي، فإن هذه الأغنية انتشرت كالنار في الهشيم، كما وصفها صاحبها بأنها «محاولة لردّ الجميل لشعب تونس المتسامح الذي لم يضطهد يومًا اليهود أو غيرهم».

وبحسب التقرير، فقد اعتبر الملاحظون الانتشار الواسع لهذه الأغنية في الأوساط اليهودية التونسيّة خير دليل على فشل الصهيونيّة في محو ذاكرة اليهود من أصل عربي.

يهود تونس.. أين يعيشون وكيف يحيون؟

اليوم، ولم تبق في تونس سوى نسبة قليلة من الطائفة اليهودية، هي تلك التي يعيش أغلبها في جزيرة جربة جنوب تونس، في حين توجد أقلية بمدينة صفاقس، والبقية ما زالت تعيش بضاحية حلق الوادي شمال العاصمة.

ويبلغ يهود جربة نحو 1500 يهودي يتوزّعون على الحارة الصغيرة، والتي تسمى أيضًا الرياض، ويوجد معبد الغريبة، والحارة الكبيرة التي تقع وسط المدينة في حومة السوق، ويسكن في حارة جرجيس التي تقع بمدينة جرجيس، المئات من اليهود.

ويشار إلى أن جزيرة جربة تضم عددًا من المدارس التلمودية، التي تسهر على تدريس أبناء اليهود في تونس، حيث يتعلم صغار اليهود هناك تاريخ اليهود، واللغة العبرية من أجل تمكينهم من قراءة كتابهم المقدس، وتعليمهم طقوس الديانة اليهودية بأدق تفاصيلها.

وعلى غرار يهود العالم، يتميز اليهود في البلاد التونسية باهتمامهم الاقتصادي الكبير، حيث يبقون على ممارساتهم التجارية، والبيع والشراء، والادخار، ويعرف اليهود في تونس بتجارة الذهب والمصوغات، إضافة إلى أنهم يملكون مطاعم شعبية مشهورة، ولها الكثير من الزبائن يأتون إليها خصوصًا، وتتركز هذه المطاعم في جزيرة جربة، ومنطقة حلق الوادي.

جاكوب للوش: أول يهودي تونسي يشارك في الانتخابات بعد الثورة

 

لم يحظ جاكوب للوش، أول يهودي يترشح للانتخابات البرلمانية التونسية، بعد انتهاء أول انتخابات حرة ونزيهة في فترة ما بعد الثورة التونسية التي أطاحت زين العابدين بن علي، بالمقعد الذي ترشح إليه.

ويذكر أن للوش ترشح على رأس قائمة حزب الاتحاد الشعبي الجمهوري في تونس، وهو حزب يعرف نفسه بأنه منفتح ومعتدل ويعارض التطرف، ومن أولوياته العمل بقوة على إعادة إعمار البلاد، بحسب ما قاله مرشحه اليهودي.

بدأ مشوار جاكوب للوش في فرنسا، وحصل على رسالة الدكتوراه في الإدارة، ونشط مع الحزب الاشتراكي، وعاد إلى تونس سنة 1996، وكان مطلقًا وهو أب لطفلين، وبعد عودته إلى تونس أشرف للوش على ورشة لتعليم الصناعات التقليدية، وفتح مطعمًا شعبيًّا مختصًا بأكلات شعبية تونسية يهودية، أهمها البريك، وذلك بمنطقة حلق الوادي مسقط رأسه.

وعبر جاكوب عن شغفه بإحياء تاريخ التراث اليهودي عبر دار الذاكرة، وهي جمعيته التي أسسها في فرنسا، ونقل مقرها إلى تونس بعد الثورة، ويحلم للوش بتونس متنوعة الثقافات، حيث يساهم المسلمون واليهود والبربر في ازدهار البلاد من دون إقصاء أو تهميش.

اليهود في تونس بين العادات الدينية والحج

تتميز الجالية اليهودية في تونس بتشبثها الشديد بعاداتها الدينية، حيث يقوم اليهود بتعظيم  يوم السبت، وكل التقاليد والعادات الدينية اليهودية، التي يحرصون على إحيائها بشكل دائم، كأعياد الغفران (كيدور)، وعيد الصمت (العشايش)، وعيد رأس السنة (دروش العام)، وعيد الفصح، وغيرها من الأعياد اليهودية.

ويلتزم يهود تونس عبر التاريخ بأداء الحج للكنيس الغريبة بتونس، ويقيمون الطقوس والعبادات، ويختتمونها بالاحتفالات، وتعتبر هذه المناسبات لديهم بمثابة فرص للتعارف والزواج، وعقد الصفقات التجارية.

ويعتبر موسم الحج لدى يهود تونس من أهم الأعياد الدينية، وذلك لما يميزه من خصوصيات وطقوس، ويفتتح الموسم في منتصف شهر مايو (أيار) من كل عام، باحتفال ديني مضيق، وذلك احتفاءً بالـ«ربِّ مير»، وهو أحد الكهنة اليهود الذي له شأن مهم عندهم.

ويستقطب الغريبة في موسم الحج السنوي الآلاف من يهود العالم، وتتواصل على امتداد أيام الحج الستة، قراءة ثلاثة كتب يهودية، هي التلمود والتواراة والتلّيم دون انقطاع، ويختتم الموسم بيوم «الربّ شمعون»، أحد كبار الكهنة اليهود، حيث تقام الاحتفالات بحضور الموسيقى التقليدية التونسية، وتُجمع في أثناء هذه الطقوس التبرعات لصالح المعبد.

 

وعلى غرار الغريبة، والذي يعتبر أقدم معبد يهودي في أفريقيا، تتوزع في تونس عدة معابد يهودية أخرى أهمها: كنيس لافايات في العاصمة تونس، وعدة كنائس أخرى بمحافظة سوسة، ونابل، وغيرها.

اجمالي القراءات 342
أضف تعليق
لا بد من تسجيل الدخول اولا قبل التعليق




مقالات من الارشيف
more